تبرئة الحاكم وإدانة الشعب

كان يوم السبت 29 نونبر يوما استثنائيا ومحوريا في مسار ثورة 25 يناير بل في مسار هذا الحراك الذي تشهده المجتمعات العربية برُمته، إنه يوم النطق بالحكم على رمز النظام المصري الرئيس المخلوع حسني مبارك، بخصوص القضايا الجنائية التي رُفعت ضده؛ ومن أبرزها قتل المتظاهرين ونهب ثروات البلاد، فكان الحكم ببراءة مبارك من كل التهم المنسوبة إليه.

إنها محاكمة القرن بكل امتياز، المحاكمة التي برّأت الحاكم الذي حول الجمهورية إلى مملكة وصادر حق الشعب في اختيار من يحكمه لمدة ثلاثين سنة من خلال تزوير الانتخابات، وأدانت الشعب الذي تجرأ وطالب باسترجاع حقه في اختيار من يحكمه. تبرئة هي إذا للحاكم الذي عاش ثلاثين سنة من الرفاهية والبذخ واستنزاف ثروات الشعب وخيراته وإدانة الشعب الذي عاش ثلاثين سنة من الفقر والجهل والتهميش، فلم يبقى لرئيس المحكمة إلا أن يطلب من الشعب المصري أن يعتذر لـ”السيد مبارك” على الإزعاج الذي سببته له ثورة 25 يناير!

براءة! عودوا إلى مقاعدكم

كانت هذه هي العبارة التي وجهها رئيس المحكمة إلى وزير الداخلية في عهد مبارك ومساعديه، البراءة من كل التهم. وكأنه يقول لهم أنتم أبرياء، المتهم هو الشعب الذي تجرأ على الخروج عن طوق الحاكم، المدان هم شباب 25 يناير الذين طالبوا بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، المدان هم الشهداء الذين استرخصوا حياتهم في سبيل بناء دولة العدل والحرية والمساواة، عودوا إلى مقاعدكم بل عودوا إلى دواليب الدولة العميقة، وسيروا في المجتمع فسادا واستبدادا، فالشعب المصري في حاجة إلى مزيد من القمع حتى ينهض من جديد!!

غير أن الأحداث والوقائع تقول بأن الشعب المصري شعب حر أبيّ، مُصِرّ على التغيير ولن يقر له قرار حتى يرى مصر دولة عادلة مستقلة، قوية ومتطورة.

رُفعت الجلسة، دُفنت الثورة!

بعدما رَفَع رئيس المحكمة جلسة النطق بالبراءة في حق حسني مبارك ونجليه ومعاونيه تعالت الهتافات وزغاريد الفرح وغمرت أجواء الفرح والابتهاج قاعة المحكمة، وكأنه يوم عيد، وكأن رئيس المحكمة ومن خلال تبرئته مبارك ومعاونيه من كل التهم، أراد بذلك دفن ثورة 25 يناير وإنهاء كل جدل حول شرعيتها ونوع المطالب التي رفعتها وحلم القصاص للشهداء. لكن لعل هذا الحكم نفخ في الثورة المصرية الجديدة، لعله أحسن إلى الثورة والثوار من حيث لا يدري، لعله ضخ دماء جديدة في عروق الشعب المصري حتى يثور كما لم يفعل من قبل، لعل هذا الحكم يشكل نفسا جديدا للثورة بعدما اكتمل المشهد واتضحت الصورة.

إشارات

– لعل الصدمة الكبيرة التي تلقاها الشعب المصري اليوم من جراء هذا الحكم تشكل نفسا جديدا للثورة، لكن هذه المرة بصورة أكثر وضوحا ومن خلال وثيقة توجه مسار الثورة وتوحد الجهود وتقرب وجهة النظر وتصون الثورة من الوقوع في الخلاف الإيديولوجي، أو الالتفاف على مطالب الثوار.

– إن تبرئة مبارك وإدانة الشعب فرصة للشعب المصري حتى يتوحد من جديد وينسى جميع الخلافات والصراعات، إنها فرصة للتصالح ولملمة جراح الثورة، فرصة للثبات والإصرار حتى تحقيق أهداف ثورة 25 يناير كاملة.

إن تبرئة مبارك ونجليه ومساعديه وإدانة الشعب، إدانة أربعين ألف مواطن بالسجن، منهم النساء والأطفال والطلبة، والحكم على المئات منهم بالمؤبد والإعدام لهي إشارة إلى جميع الشعوب المستضعفة المقهورة حتى لا تتجرأ على المطالبة بالتغيير، ولا أن تحلم بالحق في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وإشارة إلى الحاكم المستبد أن يستمر في ظلمه واستبداده، فحكم البراءة ينتظره، حتى بات كل مستبد لو يحاكم في مصر، بلد القضاء “الشامخ”!!