مقدمة

أصدرت الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان خلال انعقاد مجلسها القطري (مقدس) في دورته الثامنة عشرة يومي 15 و16 نونبر من العام 2014، تقريرا سياسيا يرصد الوضع السياسي والمجتمعي العام ويقدم تصورات الجماعة ومواقفها إزاء هذا الوضع الذي وسمه التقرير بالتردي على جميع المستويات.

تنجز هذه الورقة قراءة في هذا التقرير باحثة عن الآليات الموجهة التي تؤطر قراءة الجماعة للمشهد السياسي عبر رصد دلالات الفعل السياسي عندها ومؤشراته والمواقف المعبر عنها علنا نسهم في استجلاء حقائق عن المشهد السياسي المغربي من زاوية نظر فاعل مجتمعي عانى ويعاني من الحصار الغشوم المضروب على تصوراته وحركاته.

يقدم التقرير نفسه من خلال ثلاثة مستويات:

– مستوى الرصد والتشخيص للسياقات والأحداث المختلفة التي مرت بها البلاد مما يجعله تقريرا مركزا للواقع السياسي للمغرب)؛

– مستوى تصوري يعكس نظرة الجماعة لسياقات الأحداث وتفاعلها معها)؛

– مستوى عملي تنفيذي يبدي الفعل السياسي العام للجماعة) وحركية أجهزتها المختصة في الحضور الفاعل ضمن الممارسة السياسية المؤثرة في الشأن العام.

وبهذه المستويات الثلاثة تقدم الجماعة نفسها إطارا مجتمعيا متابعا لمجريات الأحداث ليس من منظور القاعد الملاحظ إنما من منظور الفاعل المؤثر في الوقائع والأحداث على أرضية تصورية تنظيرية واضحة في غاياتها، على بينة من آليات تدافعها، ومتدرجة في تنزيل رؤاها على مسار الدرب اللاحب نحو غد الحرية والعدل والكرامة).

وفي تداخل هذه المستويات يعكس التقرير آليات موجهة لقراءة المشهد السياسي المغربي وآليات للفعل فيه من خلال مؤشرات راصدة للمشهد المجتمعي وعبر بيان مواقف من أحداثه ومساراته مع تقديم مداخل أولية هي مقترحات للتغيير نحو مستقبل أفضل لمغرب أفضل.

أولا: الآليات الموجهة لقراءة المشهد السياسي

تؤطر قراءة التقرير للمشهد السياسي المغربي آليات موجهة نرصدها كما يلي:

1- الآلية التنظيمية

وتبرز تجلياتها في:

– الطابع الهيكلي المؤسساتي: باعتبار الجهة التي أصدرت التقرير وهو طابع يتسم ببعده الجماعي فنحن لسنا أمام قراءة فردية إنما أمام قراءة جماعية لمؤسسة تنظيمية مختصة هي الدائرة السياسية من خلال مجلسها القطري.

– الطابع الشوري القائم على مبدأين اثنين: النقاش الحر المسؤول الذي يبدي فيه أعضاء المجلس ملاحظاتهم ومقترحاتهم التي تؤخذ بعين الاعتبار في التعديلات المقدمة، ثم التنسيق مع مختلف مؤسسات الجماعة الأخرى تجسيدا لوحدة الصف الجامع بين الدعوة والدولة.

– الطابع التدبيري الجامع بين التطوير التدريبي المجدد المستمر المنفتح على الحكمة البشرية، وبين الاقتراح الباحث عن البدائل المفيدة.

2- الآلية الفكرية التصورية

القائمة على مميزات تظهر في:

– النصح لأولي الأمر إذ تتقدم الجماعة في صورة القوة الهادئة الرفيقة المقترحة الناصحة من موقع الحضور والشهود بالقسط عبر التنبيه المتكرر للمخاطر المحدقة الواقعة والمتوقعة) بعيدا عن المزايدات السياسوية والمصالح الحزبية الذاتية الضيقة.

– الوعي بالسياقات المختلفة دوليا وإقليميا ومحليا مع ما يعنيه ذلك من “واقعية” تعي ليس فقط تجاذبات وصراعات وتحالفات المصالح) بل تعي أيضا خلفيات الأحداث ومرجعيات المقاربات وتراكمات التاريخ وتعقد الواقع، وما يفرضه ذلك من رؤية عملية مرنة غير “وقوعية” تعرف موضع قدمها في حركية المتابعة القدرية لسنن الله في التغيير في الخلق والآفاق.

– الرصد الدقيق والتشخيص الشمولي المتابع لتفاصيل الواقع المغربي في مختلف مناحيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والتعليمية والثقافية المستند إلى مقاربة علمية تعتمد الإحصاءات والمعطيات ولغة الأرقام تجميعا وتحليلا ومقارنة واستنتاجا رغبة في وضع اليد على مكامن الداء الفعلية الحقيقية حيث يختبئ الشيطان وسط التفاصيل التي يعميها تضليل التقديم البهرجي في واجهات البريق التي تخفي ما وراء الأكمة؛ ومع هذا الرصد ومن موقع ذلك الحضور الفاعل يتقدم التقرير بمدخل اقتراحية تخرجه من دائرة المسجل للواقع الحادث إلى دائرة المفكر المقترح المبادر.

– الوضوح في تحديد المسؤوليات من دون مواربة أو اختفاء وراء لغة السياسة المهادنة المحرفة المنحرفة الشاهدة الزور تحت دعاوى الواقعية والمرونة، من هنا لا يتوانى التقرير في تسجيل استئثار النظام الحاكم اسما ورسما بمختلف دواليب التخطيط والتدبير كما لا يتوان في تحميل المسؤولية لهذا النظام الحاكم في ما وصلت إليه البلاد بسبب استبداده وفساده.

– النسق اللغوي المفهومي الذي إن متح من لغة الخطاب السياسي الشائع طلبا للفهم والإفهام، فهو لم يغفل مفاهيم المقاربة السياسية الأصيلة في التداول المنهاجي من قبيل الحديث عن مفاهيم الاستكبار والجبر والاستضعاف والتمكين والأمة والعدل والحكم الراشد وغيرها من مفردات المعجم المؤكدة للمرجعية الإسلامية.

ولقد مكنت هذه الأرضية التصورية من وسم التقرير بمجموعة من الخصائص على مستوى بنائه الهيكلي وحجاجه القضوي نوجزها في:

– الشمولية في الرصد والتشخيص مع توخي الاستناد إلى مؤشرات إحصائية علمية دولية ومحلية.

– نسقية العرض المترابط والمتدرج.

– الأسلوب التقريري الممزوج أحيانا بأساليب الاستعارة البلاغية.

– وضوح اللغة وقوة الخطاب.

3- آلية الحركية المدافعة

التي تضع نصب عينيها هدفا أساسيا يتمثل في التغيير الشامل الذي يحقق لشعبنا وأمتنا غد الحرية والعدل والكرامة)، مؤطرة في ذلك بآليات عملية متدرجة تجمع بين الفعل والعمل من أجل تخفيف المعاناة على الشعب، وبين توسيع جبهة المناهضين للاستبداد والفساد من منطلق الجهد الجهيد للتأسيس لأرضية التعاون والعمل للمشترك. ولعل من أبرز مظاهر هذا الحضور المنافح:

– الاصطفاف إلى جانب المستضعفين المضطهدين سياسيا وحقوقيا واجتماعيا.

– المشاركة المجتمعية في قطاعات الشبيبة والنساء والطلاب والعمال والموظفين مع التواصل الدؤوب مع الكل.

– التهمم بمختلف قضايا الأمة والاستجابة لمختلف المبادرات التي تفتل في حبل وحدة الأمة الإسلامية ونصرة قضاياها العادلة).

ثانيا: المشهد المجتمعي.. تردي المؤشرات

يقدم التقرير رصدا تشخيصيا لوضع البلاد يغطي مجالات متعددة ومختلفة، واصفا إياه بالتردي على جميع الأصعدة، وواسما إياه بالواقع المؤلم والواقع المتهاوي وذلك في المستويات التالية:

– سياسيا: يستمر الدوران في الحلقة المفرغة بسبب الإصرار على ترسيخ استبداد الحكم بالسلطة والثروة، واستئثاره بالملفات الاستراتيجية بعيدا عن أية محاسبة أو مسائلة، مما طبع المشهد السياسي بالبطء القاتل والزمن السياسي بفقدان القيمة.

– حقوقيا: يستمر الوضع الكارثي الحقوقي باستمرار الاعتقال السياسي والعنف في حق المحتجين وقمع الحريات العامة وتخلف منظومة العدالة والانتهاك للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين واستهداف الحق في التدين من خلال مخزنة المنبر.

– اقتصاديا: يتقوى الركود والانتكاسة في هذا المجال خاصة مع الإمعان في استهداف جيوب المواطنين وقدراتهم الشرائية، واستمرار عجز الميزانية واقتصاد الريع واللجوء للاستدانة الخارجية.

– اجتماعيا: ينذر الوضع العام للشباب وللمرأة وللصحة والسكن بانفجار اجتماعي وشيك بسبب السياسات العاجزة عن تحقيق العدالة الاجتماعية؛

– تعليميا: يظهر تحكم القصر في التعليم من خلال لجانه ومجالسه ومنتدياته مع إلقاء اللوم على الحكومة التابعة المنفذة استمرار النهج ذاته في مقاربة القضية التعليمية بعيدا عن محاسبة المسؤولين الحقيقيين عن الانهيار التام الذي وصلته المنظومة خاصة أمام استمرار التدبير الارتجالي من دون مراعاة لخصوصية المدرسة المغربية وإقحام التعليم في جدالات سياسوية تضرب العمق القيمي للمجتمع زهو ما يشي بفقدان البوصلة وتعمد إفشال المنظومة التربوية والاغتيال الممنهج لمستقبل الأجيال.

يستند التقرير السياسي في رصده هذا إلى مؤشرات رقمية إحصائية مختلفة بوسعنا إجمالها في هذا الجدول الواصف:

ثالثا: المواقف والمقترحات

مكنت الآليات الموجهة الآنفة والرصد التشخيصي السابق من بلورة مواقف تجاه السياقات العامة الحاكمة وتجاه السياسات المختلفة المنتهجة، كما مكنت من تقديم مداخل أولية تقارب الحلول التي يمكن الانطلاق منها لتشييد مغرب آخر مغرب مأمول.

المواقف

يسجل التقرير مواقف من:

– الظرف الدولي القائم: يفهمه من منطلق الصراعات حول مراكز النفوذ ضمن لغة المصالح، ويؤطره ضمن سعي الاستكبار العالمي لإعادة صياغة عالم يضمن فيه استمرار فرض سيطرته.

– قضايا الأمة: يؤكد التقرير من منطلق الواجب الشرعي والإنساني والحضاري) موقف المساندة والدفاع عن قضايا الأمة، وتشبثه بخيار المقاومة بديلا عن سياسة التطبيع والاستسلام، ودعمه لمبادرات لم شمل وحدة الأمة ونصرة قضاياها العادلة.

– أحداث الربيع العربي: يعلن وعيه ب هذا التحالف الماكر الظاهر بين الاستكبار العالمي والاستكبار المحلي من أجل تشويه الإسلاميين كما يعلن وعيه بالأساليب والتمويهات المتلونة الموظفة لسلب الشعوب مكاسب انتفاضاتها).

– النظام السياسي: يؤكد التقرير على مسؤولية النظام الحاكم عن وضع البلاد والعباد، ويسجل في وضوح استئثار الملك بالسلطة والثروة، ويعتبر مبادراته بهرجة وتنميقا وتضليلا لا يصل المواطن العادي منها سوى الفتات، ويؤكد كون الدستور الملكي الممنوح مغرقا في الاستبداد ومحافظا على تركيز السلط في يد الملك.

– الحكومة الحالية: هي في نظر التقرير أداة تنفيذية طائعة لسياسات ترسم في دهاليز القصر، وأداة دعائية تجميلية لسياسات المخزن الثابتة) بل هي أدهى من ذلك مشجبا تعلق عليه كل أنواع الفشل، ولا يعفي التقرير الحكومة من مسؤوليتها في ما تتخذه من إجراءات تدبيرية اتجهت رأسا إلى جيوب المواطنين لفك معضلات مزمنة من دون القدرة على المس بمصالح الريع المتحكم المستشري.

– الفعل السياسي بئيس في منظور التقرير، بطيء قاتل، فاقد للمعنى والقيمة، ضائع في الوجهة، فيه تنافس صادق على تقديم الولاء للحاكم، وهو إلى ذلك كله مغلف بالاستخفاف والالتفاف حين يظهر الحاكم في صورة المعارض.

– ولقد أبدى التقرير موقفا واضحا وصريحا من نظرية الإصلاح السياسي من الداخل) واصفا إياها بالوهم ومعتبرا مصيرها الفشل أولا باعتبار الطبيعة المغلقة للنظام ومراسه الطويل في المكر والخديعة والتدجين والترويض، وثانيا باعتبار التجربة التاريخية التي أكدت أن أقصى ما يقدمه دعاة هذه النظرية هي ضمان استمرار وتجدد النظام الاستبدادي، وثالثا بالنظر إلى أن الفعل السياسي الواقعي الحالي المجسد لطموحات الشعب إنما يتم التعبير عنه من خارج المؤسسات الرسمية، ويعصف التقرير بالمستند المرجعي لأصحاب الإصلاح من الداخل القائل بالإصلاح مع الاستقرار) على أساس أن اللعب على الحالة الذهنية النفسية للشعب والعزف على وتر الأمن والاستقرار سيظل قاصرا عن الإقناع ما دام الاستقرار المزعوم لا يعقبه الإصلاح الموعود) ناهيك عن كون الوضع الاجتماعي المتردي المتفاقم في التردي هو أكبر من كل كلام وأشد وقعا من أي أوهام.

المقترحات

من خلال تتبعنا لفقرات التقرير نرى أنه يقدم في مجالات متعددة ما يمكن اعتباره مداخل أولية للتغيير المنشود، ففي مجال العمل النسائي مثلا تمت الدعوة إلى حوار جاد ومسؤول يؤسس لجبهة نسائية وطنية ضد الفساد والاستبداد)، وفي ميدان التعليم تكرر النداء الحار لتكاثف جهود كل الغيورين لإنقاذ التعليم من مخالب استفراد الحكم به)، وفي مجال العمل السياسي صرح التقرير بضرورة بناء تحالف وطني كبير يضم كل الغيورين على الوطن… تحالفٌ أو جبهةٌ تلتقي في حوار وطني صريح يراقبه الشعب صاحب السيادة، يفضي بنا إلى ميثاق يضع المعالمَ الكبرى للدولة والمجتمع؛ والقواعدَ الأساسية لتدبير الاختلاف؛ والخطّةَ العملية لإنجاز التغيير).

تتأطر هذه المداخل كما يبدو بتصور جماعة العدل والإحسان التي ما فتئت تتحدث عن فكرة الميثاق، وهو ما أبرزته الفقرة الأخيرة من التقرير حين ذكرت بما تعتبره: مدخلا حقيقا للتغيير المنشود وهو المضي جميعا نحو بناء ميثاق وطني حر يؤسس للمغرب الجديد، مغرب الحرية والعدل والكرامة للجميع، مستفيدين من الدروس الكبيرة التي تقدمها لنا دول الربيع العربي، والتي تؤكد أيما تأكيد على هذه المقاربة التشاركية الميثاقية التوافقية).

خلاصات تركيبية جديرة بالتأمل

إن مقولة الإصلاح مع الاستقرار) تظل قاصرة عن إقناع المغاربة ما دام الاستقرار المزعوم لا يعقبه الإصلاح الموعود، وها قد تأكّد لمن كان يعتبر دستور 2011 “طفرة دستورية” تضمن القطع مع الاستبداد السياسي، أنّ مغرب اليوم ما زال هو مغرب الأمس، وانفضح زيف من ظل يموه على المغاربة ويغالطهم مُبشرا بتغيير واقع التسلط والفساد !!فيا حسرة على من ألقى بنفسه في موج تدبير تلك التركة الثقيلة والأزمة الخانقة وهو لا يملك زمام السفينة ولا التحكم في البوصلة، وليست له سلطة الإصلاح الجذري للخروق التي تنخر هيكل المركب، ثم يكتسب جرأة مستغربة في طلاء الواجهة وتسويق الأماني والأوهام للشعب واعدا البائس والمحروم وهو يعلم أنْ ليس له من الأمر شيء! ولعل تغيير ميزان القوى الراهن ليكون لصالح الشعب وقواه الحية لا يكون إلا عبر بناء تحالف وطني كبير يضم كل الغيورين على الوطن والراغبين في تغيير قواعده لتنحو منحى الدمقرطة والأنسنة والتخليق. تحالفٌ أو جبهةٌ تلتقي في حوار وطني صريح يراقبه الشعب صاحب السيادة، يفضي بنا إلى ميثاق يضع المعالمَ الكبرى للدولة والمجتمع؛ والقواعدَ الأساسية لتدبير الاختلاف؛ والخطّةَ العملية لإنجاز التغيير. بهذا، وبهذا فقط؛ يمكننا أن ننهي المأساة السياسية التي يعيشها بلدنا لننطلق نحو غدٍ أفضل.