إذا كانت الكوارث الطبيعية، الزلازل والفيضانات، قدرا إلهيا لا يُستثنى منه بلدٌ، فإن الفرق هو في شكل تعامل البلدان معها وتدبيرها. فالدول التي يقوم نظامها السياسي على تعاقد حقيقي لا صوري مع الشعب تجند أجهزتها وقدراتها احتواءً للنازلة وتبذل قصارى الجهود لتخفيف هول الكوارث، إعلانا للطوارئ وإنشاءً لخلايا تدبير الأزمة، وحضورا ميدانيا للمسؤولين لتقديم الدعم والمواساة واقتسام المعاناة مع المنكوبين. أما الدول ذات الأنظمة المستبدة فتستغشي ثياب إفلاسها وتبلع لسانها وتتوارى تستطلع هول الكارثة.

وفي التجربة المغربية، وأمام هول كارثة الفيضانات التي ضربت الجنوب الشرقي للمغرب وما خلفته من ضحايا بلغ عددهم 36 مواطنا، تحركت الدولة بتردد قاتل وببطء شديد وبوسائل بدائية، وتركت الساكنة تواجه مصيرها، وظل الإعلام الرسمي خارج التغطية، ولولا مواقع التواصل الاجتماعي لما عرف الرأي العام الوطني والعالمي خبر نكبة فيضانات كانت تتطلب لأهوالها إعلان الحداد والطوارئ. فبيوت بالمئات دمرت، وساكنة بالآلاف قضت ليالي في العراء، ومحاصيل هكتارات بالمئات تلفت، وقطعان ماشية نفقت، وجسور خسفت، ودواوير لأيام عزلت وما تزال، لا مأكل ولا مشرب ولا ملبس. أما العشرات الذين قضوْا غرقا -اللهَ نسأل لهم الشهادة ولأهاليهم الصبر والسلوان- فـ”أكرمت” أجهزة الدولة وفادتهم و”أحسنت” الاعتراف بمواطنتهم و”سخَّرت” لنقلهم شاحنة للقمامة؛ مقابل ذلك خصّصت لنجدة العالقين الأجانب طائرة مروحية دفعا لعتب حكوماتهم، وتفاديا لسحب شهادة ثقتهم فيما يسمى “النموذج المغربي”!!

في الدول التي تحترم نفسها، يسارع المسؤولون إلى تقديم استقالتهم اعترافا بالتقصير في تدبير القطاعات التي يشرفون عليها، لا ليتهافتوا على التقاط صور تذكارية وتسجيل حضور شكلي، أو يدعون، دون تردد أو انتظار للتعليمات الفوقية، إلى اجتماع يحدد برنامج تدخل عاجل، ويعلنون حالة الطوارئ ويسخرون مختلف أجهزة الدولة، وأولها الجيش (كما يُشاهد في حالات مشابهة في مختلف بلدان المعمور) إنقاذا للعالقين المحاصرين وانتشالا للغارقين وإغاثة بالمؤونة والدواء والغطاء للمحاصرين وإقامة لجسور مؤقتة تسهيلا لحركة التنقل.

إن كارثة الفيضانات التي جرفت بنية تحتية هشة أصلا، دليلٌ على فساد مستشر في دواليب الإدارة، وقد عرّت زيف شعارات تحفل بها نشرات الأخبار تصور المغرب بلدا انمحى فيه البؤس والحرمان والجهل والمرض والفساد والتسلط، ألسنا في عهد يراد له أن يكون جديدا، حيث الأوراش الكبرى ومبادرات التنمية البشرية التي جعلت البلاد تشكو تخمة المشاريع والمنجزات؟ ألسنا في مغرب تجاوز مفهوم الثروة المادية وأنشأ الهيئات لقياس درجة الثروة المعنوية لرصد مستويات سعادة المواطن المغربي المحسود على ما “يرفل” فيه من نِعم وراحة بال؟

إن الفيضانات التي لم تـرْق إلى ما تشهده بلدان أخرى، تضع تدبير الشأن العام نجاعة وواقعية على المحك، وإلا من المسؤول عن هدر مقدرات البلد في مشاريع تثبت الأيام أنها كانت على غير أساس، بدءاً بالدراسة ومرورا بالمصادقة وانتهاء بالبرمجة والتوزيع والتنفيذ؟ قناطر تهوي عند أول اختبار، ومرافق تتصدع قبل التدشين، وبرامج محاربة الهشاشة هشة عمقت الحرمان وكرست العزلة.

وفي مفارقة مخجلة، وفي أوج الكارثة، يجند النظام أجهزته وأبواقه لتلميع صورة حقوقية بشعة بصرف 12 مليار سنتيم على تنظيم المنتدى العالمي للحقوق الإنسان، وهو النظام الذي تسبب بفساد سياساته وسوء تدبيره في الاكتفاء ببنيات هشة وقناطر آيلة للسقوط ومباني في طرق الوديان سرعان ما تحصد الأرواح عند أول القطرات، وهو النظام الذي لا يتورع عن استهداف القدرة الشرائية للمواطن البسيط بدعوى تدبير الأزمة وتفادي الإفلاس، وتلك من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأصيلة التي أقرتها جميع شرائع السماء ومواثيق الأرض.