العنف ضد المرأة عنوان عريض يجمع تحت طياته ملفات كثيرة فيها من الأحداث الدامية والمؤلمة ما يوجع القلوب المبصرة والضمائر الحية، التي تسعى جاهدة إلى تغير الوضع المزري الذي تعيشه المرأة بصفة عامة والمرأة المسلمة بشكل خاص. عنف يتخذ أشكالا ومظاهر مختلفة ومتعددة، يمكن تقسيمه إلى قسمين:

العنف المادي

يندرج تحته العنف الجسدي: والذي هو كل ممارسة تتعلق بأذية جسدية وما تخلفه من أثار مؤلمة وعاهات مستديمة وإعاقات وأضرار جسيمة تصل أحيانا إلى حد الوفاة وإزهاق الروح.

ومن العنف المادي العنف الجنسي، وهو أكثر الأنواع قسوة حيث تحس الضحية المعنفة، قاصرا كانت أو راشدة، من الحلائل أو من المحرمات، أنها فقدت قيمتها الإنسانية بل أفرغت من روحها. وغالبا ما يؤدي مثل هذا العنف إلى الانتحار أو الدخول في متاهات الأمراض النفسية المستعصية.

ثم هناك العنف القانوني والذي يهضم جميع حقوق المرأة مادية كانت أو معنوية باسم القانون…

العنف المعنوي

منه العنف النفسي الذي لا يقل قسوة عن باقي أنواع العنف لأنه ينتج نساء فقدن الثقة بأنفسهن فأصبحن غير قادرات على الاندماج داخل المجتمع، مفضلات بذلك العزلة على التواصل والتعايش مع باقي شرائح المجتمع. وللأسف الشديد فإن أقسى ما فيه ما يبرر باسم الدين من قبيل النساء ناقصات عقل ودين، دون وضع ذلك في سياقه الصحيح.

لا يمكن القول أن هذه الأنواع السالفة الذكر وليدة اللحظة بل إنها متجذرة في التاريخ البشري منذ زمن بعيد وإن زادت حدتها وتنوعت أشكالها. ولعل خير دليل على ذلك ما كانت المرأة تعيشه قبل مجيء الإسلام من تهميش وذل وهوان (وأد البنات خوفا من العار – تورث وكأنها تركة – تباع وتشترى – لا حق لها في مال خاص – هي مجرد جسد للمتعة – لا رأي لها …). لكن بعد مجيء الإسلام أعاد لها الاعتبار وأكرمها، وجعل الجنة تحت أقدامها، وجعلها شقيقة الرجل، وأعطاها مثل الذي عليه، وساوى بينها وبين الرجل في المنزلة وفي العبادة وفي الجزاء… لكن هذه الكرامة سرعان ما تغيرت وتشوهت معالمها، فأصبحت حافظيتها إهانة ونقطة ضعف ومغمزا يحوم حوله البعض من غير المنصفين الذين يرفعون يافطة حقوق المرأة خدمة لأجندات الآخر أكثر مما هي خدمة للمرأة.

إن ظاهرة العنف ضد المرأة جزء لا يتجزأ من ظاهرة العنف التي تكبل الأمة جمعاء، وبالتالي يمكن القول أن معالجة قضية العنف ضد المرأة بحصرها في مجرد نزاع حقوقي بين الرجل والمرأة هو تجزيئ وتقزيم للمشكل قد يضر أكثر مما ينفع، كما أن الحلول المقترحة في هذا الإطار الضيق دون ربطها بالوضع العام للأمة ستبقى مجرد أنصاف حلول قد تلامس الظواهر لكنها عاجزة عن تلمس مكمن الداء.

وفي الختام أقول لكل نساء الأمة وللنساء المغربيات خاصة بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة: كل عام وأنتن كريمات، كل عام وأنتن شامخات، وكل عام وأنتن في حفظ الله ورعايته.