يعد التواصل الاجتماعي من الأسس التي فطر الله الناس عليها. حيث أن الفطرة السليمة ترفض الانطواء والانعزال وتسعى للاندماج مع الآخرين. وقد عرفت مظاهر وأشكال التواصل في ظل الانفتاح التقني الحديث تطورا كبيرا ورواجا مثيرا بين الشباب في كافة أنحاء العالم. فالوسائل التكنولوجية التي أصبحت متاحة للجميع في كل بيت ووقت وحين، بقدر ما شكلت إضافة نوعية إلى المعرفة وعاملًا جيدًا لبناء علاقات اجتماعية متنوعة والتعبير عن الرأي وصناعته، فإنها فتحت مجالا لاستهداف قيم الشباب وهويتهم الاجتماعية، خاصة أن هذه المواقع ليست لها ضوابط محددة تعصم المستخدم من سقطاتها ومخاطرها. ولعل تجاوب الشباب الواسع مع مواقع التواصل الاجتماعي يخفي أسبابا مرتبطة بالطبيعة الذاتية للشباب، وجب فهمها وتفهمها والوقوف عليها منطلقا قبل أي مقاربة علاجية.

وتتميز فترة الشباب بعدة عوامل نفسية واجتماعية استطاعت مواقع التواصل الاجتماعي (خصوصا الفيسبوك) توظيفها لربط المشتركين بها. حيث تعتمد على مبدأ الحوار والتواصل بين المشتركين، من خلال تبادل وعرض المحتوى الذي ينتجونه بأنفسهم، مما ينمي لديهم دوافع تلبي حاجاتهم النفسية والاجتماعية يمكن حصر أهمها في:

الحاجة إلى التحفيز: يعتبر التحفيز والتشجيع حاجة نفسية ملحة لدى الشباب. وهو ما تستغله مواقع التواصل الاجتماعي لربط الشباب بها بشكل دائم ومستمر. فالمشترك يتلقى ترقيا وحضورا أكبر، وانتشارا أوسع لحسابه الخاص كلما رد أو علق على تدوينات المشتركين الآخرين أو أطلق تدوينة جديدة له. وهذا الارتباط الذي يحكمه في البداية منطق التحفيز قد يتحول من الإرادي إلى القهري ثم يتطور لحالة إدمان مرضية.

الحاجة إلى إثبات الذات: سن الشباب هو سن إثبات الذات والبحث عن الاستقلالية عن الأهل والأسرة. ومشاركات مواقع التواصل الاجتماعي تتيح للشاب التعبير عن النفس، الشيء الذي لا يمتلك الجرأة على تحقيقه في العالم الواقعي، فيتم ذلك في العالم الافتراضي. هذه المشاركات تتميز بالسهولة إذا ما قورنت طبعا بطرق الحوار التقليدية والتي تتطلب درجة عالية من الشجاعة ورباطة الجأش في مواجهة الآخرين.

الحاجة إلى الحب والانتماء: من جهة هناك سعي إلى الانتماء إلى مجموعة ليشبع حاجته في تعويض انتمائه الأسري الذي يريد الاستقلال عنه، وتوفر مواقع التواصل الاجتماعي الكثير من الأدوات والتطبيقات التي تشعر الشخص بنوع من الانتماء إلى بيئة معينة أو فريق يشاركه نفس الاهتمامات والآراء. ومن جهة ثانية هناك محاولة ربط علاقات عاطفية ولو بشكل افتراضي. ولأن الضوابط الاجتماعية والشرعية تكبح الخوض في مثل هذه العلاقات واقعيا فإن بعض الشباب يجد العالم الافتراضي مناسبا، من حيث “إمكانية سريته”، للدخول فيها دون تحسب العواقب.

الحاجة إلى التقدير: هذا النوع من الرغبات يتولد لدى أي إنسان مهما كان مركزه، وله جانبان: جانب يتعلق باحترام النفس والإحساس الداخلي بالقيمة الذاتية، والجانب الآخر يتعلق بالحاجة إلى اكتساب احترام وتقدير الآخرين لذات الشخص من الخارج. هذه الحاجات بالذات أبدع مصممو مواقع التواصل الاجتماعي (خاصة الفيسبوك) في تلبيتها من خلال سهولة إبداء الإعجاب بما يكتبه أو يرفعه الشخص على الموقع سواء من خلال الضغط على زر «j’aime» أو التعليق على ما عبر عنه الشخص.

الحاجة إلى تحقيق الذات: أو ما يسمى بالحاجات العليا. وتشمل هذه الرغبات تحقيق حاجة الذات في السعي نحو القيم والغايات العليا للشخص. بالطبع هذا الجانب أيضا تمت الاستجابة إليه من خلال تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي التي تتيح للفرد التعبير عن مكنونات نفسه لعدد كبير من المشتركين أو المعجبين، حيث أن الشخص الذي يدافع عن تلك القيم والمعتقدات والمبادئ يلاقي ترحيبا واستجابة أكثر بكثير مما يلاقيه من خلال الكتابة في القنوات التقليدية مثل الجرائد والمجلات.

والملاحظ إذن أن هذه الحاجات تستبطن الإيجابي والسلبي على السواء، كما تبين أن العالم الافتراضي ما هو إلا امتداد للعالم الواقعي أو هروب منه. فبقدر ما تقل فرص إشباع حاجات الشباب في الحياة الواقعية، وبقدر ما يعجز عن نسج علاقات اجتماعية متوازنة فإنه يهرب نحو العالم الافتراضي ويغرق فيه سلبا أو إيجابا.