الرحمة لشهداء حرب التحرير الذين أفدوا وطنهم ودينهم بالمهج والأرواح، والخزي والعار لمن آثروا المصالح الشخصية والفئوية وفوّتوا على البلاد في إكس لبان فرصة استقلال حقيقي يحرر رقبة الشعب من الذيلية والتبعية للاستعمار.

في إطار تخليد الذكرى 60 لعيد الاستقلال، يمكن أن نتساءل، هل استقل المغرب حقيقة؟ وأين تجليات هذا الاستقلال في واقع معيش المغاربة اليوم؟ وقبل ذلك، ما هو الاستقلال؟

الاستقلال بكل بساطة هو الاستغناء عن الغير في جميع الأمور صغيرة كانت أو كبيرة. والاستقلال هو امتلاك الحق في إصدار القرار وتصريفه دون إملاءات غيرية. والاستقلال لا يتنافى والتعاون على قاعدة الاحترام المتبادل والنِّدّيـة. ثم إن الاستقلال مستويات.

فعلى مستوى سيادة الدولة وبسط نفوذها على ترابها، الاستقلال لمّا يتحقـقْ، وإذا كان ملف الأقاليم الجنوبية هو اليوم على كف عفريت أكثر من أي وقت مضى، فما تفسير تأخير استرجاع وادي الذهب أربع سنوات بعد الجلاء الإسباني؟ ألا ينمّ ذلك عن ارتباك وتردد في معالجة ملف الوحدة الترابية الذي احتكر تدبيره النظام، واعتبر مجرد إبداء الرأي فيه خطا أحمر، يُـزجُّ بمن سوّلت له نفسه الحوْم حوله في غياهب السجن: عبد الرحيم بوعبيد نموذجا، لأنه اقترح أن يُستفتى الشعب المغربي كافة حول قَـبوله مبدأ الاستفتاء حول مغربية الصحراء، قبل إجرائه في الأقاليم الجنوبية؟ وبعيدا عن الأقاليم الجنوبية، ما سر سكوت النظام عن الثغرين السليبين: سبتة ومليلية؟ وما صحة معلومات متداولة عن تفويت المدينتين للإسبان؟

أما على مستوى إدارة واستثمار الثروات، فيبدو أن نجم هذا الاستقلال لم يبزغ أو أفل بعد بزوغ مؤقت، وتكفي الإشارة إلى ما يكتنف اتفاقيات الصيد البحري من غموض، حيث يُمكّن للأساطيل الأوروبية تحديدا لنهب ثروات المغرب السمكية، دون رقيب ولا حسيب، بل إن شكوكا كثيرة حامت حول آخر اتفاق بما يمس السيادة المغربية، ولم تكلف الجهات المعنية نفسها عناء تنوير الرأي العام، علما أن الأعراف تقتضي أن تعرض الاتفاقيات على الشعب أو على ممثليه في البرلمان على الأقل.

وارتباطا بالثروة الوطنية، وفي إطار إطلاق مبادرة “أين الثروة؟”، هل ما أنتجه المغرب خلال عقود ما بعد الجلاء العسكري الأجنبي من ثروات وأموال ـ الله وحده أعلم وأدرى بآلاف ملاييـرها ـ يتناسب وحالة المغرب اليوم في مختلف المجالات؟ وهل من سبيل ــ في إطار الحق في المعلومة ــ لمعرفة مداخيل مغرب اليوم؟ وهل ما يصرح به بمناسبة إنجاز مشاريع الميزانيات السنوية يتطابق مع هذه المداخيل؟ وإذا كان كذلك، ما مصدر تمويل الصناديق السوداء التي تحرسها العفاريت والتماسيح؟

أكيد أن المغرب ليس بلدا فقيرا، وظاهر ثرواته قبل خفيها كافٍ ليعيش الشعب، كل الشعب في مستوى من الكرامة في شقها المادي، يُغنيه عن حملات التضامن ومحاربة الفقر، ويكفيه عناء البحث عن لقمة العيش في القمامات والسكن غير اللائق وسوء الخدْمات الصحية، ويقيه شر الاقتراض الخارجي.

أما على المستوى المعنوي، فالاستقلال يعني حرية القرار السياسي اتخاذا وتصريفا، مثلما يعني التحرر من التبعية على مستوى القيم، اعتزازا بالهوية الحضارية، التي لا تتعارض والانفتاح الإرادي على ثقافة الآخر استفادة وإفادة، من غير استلاب أو تقليد أعمى؛ هوية حضارية تشكل نقطة ارتكاز مشروع مجتمعي واضحة معالمُه تفتل في حبله السياسات القطاعية، وتتنافس في تنزيله الحكومات المتعاقبة من خلال برامجها الانتخابية.

لهذه الأسباب، نَـحـَـتَ المقاوم البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي لفظ “الاحتقلال”، وهي كلمةٌ مركبة تركيباً مزْجيّاً من “الاحتلال” و”الاستقلال”… تدل على شك الخطابي في حقيقة ما حصَّل عليه المغاربة المفاوضون في إكس لبان…) 1 استقلال/احتـقـلال رسخ التبعية لاستعمار غادر من الباب ليعود متسللا من النوافذ. استقلال بلا معنى، فما أشبه اليوم بالأمس! تشابه يُجلِّيه توصيف أحد معاصري الحدث المُلْتاعِين على ما ضيّع المغرب من فرص لتحقيق الاستقلال الحقيقي الذي من أجله قاوم من قاوم، واستشهد من استشهد؛ إنه محمد بن الحسن الوزاني (1910م ــ 1978م) يقول ــ رحمه الله ــ كاشفا رذائل الإدارة المغربية بعد جلاء 1955 وطوامّها: وإذا كان يتعذر الآن ــ أي غداة الاستقلال ــ الحديث عن كل ما للمغرب من أزمات، فجدير بنا أن نذكر الخطوط العريضة ممَّا سميناه بأم الأزمات أو أزمة الدولة. وهي تعني: ضَعف الإطارات وهُزالها وعجزها، وانتشار الرشوة… وتسخير الوظيفة العمومية للإثـراء غير المشروع… مما يَدر على بعضهم مئات الملايين بل المليارات – فيما يقال- وإرهاق الميزانيات بمصارف الحفلات والضيافات والرحلات والتبرعات والوفود… وكثرة الإجراءات الشكلية والروتينية المعرقلة للأعمال… والتصابي السياسيّ…).

ويقول رحمه الله في نفس السياق: ومن المؤسف بل من المؤلم أن يفتضح أمر الفساد، وتشتهر عناصره، وتنكشف أخطاره وتستشريَ إذاياته، وتبحَّ الأصوات في التظلم والشكوى، ولا تتحرك همة المسؤولين الذين بيدهم الأمرُ لوضع حدّ نهائي لذلك الفساد والضرب على أيد المفسدين الكبار…وفي انتظار معجزات لا تقع نقيم البرهان قوياً، على أننا عاجزون عن كل إصلاح) 2 .

فساد واختلال عامٌّ عَـشْعَـشَ وتمَأسَسَ بدواليب الإدارة وتَغَوّل، ويبقى إفلاس المنظومة التعليمية أسَّهُ وقطب رحاه، تعليم لم يبرح مكانه منذ عقود، فـما زالت الازدواجية العربية/ الفرنسية المفروضة في المدارس تنشِئ أجيالاً منفَصمَة توجهاتُهم: قليل جدا منهم من نبغ في العربية، وقليل من نبغ في الفرنسية. والآن يعلن الحكام ويصرحون أن التعْليم في المغرب كارثة، وأن حصيلته هزيلة، وأنه لا يستجيب لمقتضيات العصر ومتطلَّباتِ الاقتصاد، وأنه… وأنه…) 3 .

تعليم أخطأ أهدافه تعريبا وتعميما ومجانية، لتَرابُطِ الأسباب بالمسبَّبَاتِ، فلا مَجَّانية – أي لا عدلَ – لضعف الاقتصاد، ضعُف الاقتصاد لضعف التنمية، ضعُفتْ التنمية لضعف التعليم، ضعُف التعليم لتردد السياسة، ضعُفت السياسة لفساد الأخلاق… ولِأن الحكْمَ استبداد وكِسروية. وتستَديرُ الأسباب والمسبباتُ في حَلْقتها المُفْرَغةِ عوداً على بدءٍ) 4 .

أليس هذا التوصيف ينطبق على مغرب 2016م؟ أليس ما عددته هذه الشهادة التاريخية من رذائل الإدارة المغربية وطوامها هو ما تطفح به اليوم تقارير الهيئات والمنظمات الدولية في مختلف المجالات، بل لا يتردد الخطاب السياسي الرسمي التصريح به: التعليم نموذجا، الذي يحصد اليوم ما بذرته السياسات والاختيارات الفوقية لترهن البلاد ومستقبل الأجيال؟

وعليه، أيُّ معنى لاستقلال رسّخ ومَأسَـسَ الفساد وعمّم “الحُكْـرَة” التي من أجلها هبّ أحرار الوطن لمقاومة المستعمر وقدموا الأرواح والمُهج ليستعيد المغرب كرامته وسيادته على أرضه وثرواته؟ كيف نحبب للأجيال ونُرغِّبها في تاريخها وحاضرها وهي لا ترى أثرا لما تحبُل به مقررات التاريخ ونشرات الأخبار من أمجاد ومنجزات كثّرَتْ حسادَ المغرب؟ وأيُّ معنى لاستقلال في غياب الكرامة الآدمية للمواطن في حدها الأدنى، وفي غياب عدل يضمن لأبناء الشعب نصيبا وحقّا معلوما من الثروة ومقدرات البلد، وفي غياب امتلاك الشعب لسلطة القرار والاختيار، وفي غياب تحرر حقيقيٍّ عن استعمار الأمس حليف اليوم على قاعدة الوصاية والاستحواذ على مقدرات البلد؟


[1] حوار الماضي والمستقبل للأستاذ عبد السلام ياسين. ص: 309.\
[2] نفسـه. الصفحات: (320، 323) بتصرف.\
[3] حوار مع صديق أمازيغي للأستاذ عبد السلام ياسين. ص: 98.\
[4] نفسـه، ص: 129.\