مدخل

لقد أصبح حوار الأديان والحضارات أكثر إلحاحا في الوقت الحاضر باعتباره وسيلة للتعايش السلمي والرقي الحضاري، فالحضارة هي ثمرة جهود الأفراد والشعوب ومساهمتها في تطوير أوضاع الإنسان عبر العصور، أما الحوار فهو الأسلوب المتحضر والراقي في التعامل مع جميع الآراء الثقافية والفنية والدينية لإشاعة التعايش السلمي وتجنب نشوء أزمات حضارية تزج بالإنسانية في نفق مظلم.

إن حوار الحضارات والأديان مهمة انسانية وخيار منهجي ومطلب واقعي وشرعي بما يتضمنه من اعتراف بالآخر وبحقه في الوجود إذ بدونه تنعدم شروط الحياة الآمنة وظروف السلم الأهلي والاجتماعي، إلا أن الإشكال الحقيقي الذي تواجهه الانسانية اليوم لا يتمثل في اختلاف الحضارات والثقافات والأديان وإنما يكمن في مسألة تدبير هذا الاختلاف والتنوع بشكل عقلاني وموضوعي بعيدا عن نزعات التعصب والتطرف والهيمنة ذلك أن الحضارات لا تتصارع فيما بينها وإنما تتلاقح وتتكامل لتنتج حضارة جديدة يستفيد بعضها من البعض الآخر ولذلك يكون الحوار هو خلاص البشرية من ويلات الحروب والصراعات العقدية والدينية خصوصا بعد نظرية صدام الحضارات للكاتب الأمريكي صموئيل هنغتون التي ساهمت في إيجاد مبررات فكرية استخدمت لتغذية نزعات العنف والتطرف بشكل يهدد مستقبل البشرية ويضعه على حافة الهاوية.

في عرضي هذا سأحاول بإذن الله أن أبين أسس الحوار مع غير المسلمين، خاصة أهل الديانات السماوية الكبرى (اليهودية والنصرانية) وسأوضح أسس هذا الحوار انطلاقا من قول الله عز وجل: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون سورة العنكبوت 46.

وقد اخترت هذه الآية المباركة بالضبط لأن الذاكرة التاريخية لكثير من المسلمين لا تزال محملة بثقل الصراعات الماضية مما يزيد من معيقات الحوار ويجعل المستقبل رهينا لهذه الرؤية التقليدية.

فالله عز وجل في الآية يدعونا إلى الحسن في القول والحوار حتى في حال الجدال الذي يقتضي الخصومة. وبالتالي فالحوار الديني المطلوب من خلال الآية يفسح المجال أمام تنقية المجال الثقافي من كل رواسب ومخلفات الحروب وعمليات الاقصاء.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم جادل أهل الكتاب في حال القوة والضعف وفي السلم والحرب وأمر بذلك وسماه جهادا فقال عليه الصلاة والسلام: “جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم” رواه أحمد وغيره. قال ابن حزم -رحمه الله- وهذا حديث غاية في الصحة وفيه الأمر بالمناظرة وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله)، وهذا الواجب قد فرَّط فيه كثيرٌ من الدعاة والمصلحين، ففي الوقت الذي نجد فيه دعاة التقريب بين الأديان ودعاة العصرانية ينشطون لذلك ويعقدون الندوات والمؤتمرات تارة باسم التعاون وأخرى باسم التسامح والتعايش وثالثة لتحاشي النزاعات وصدام الحضارات فإننا في الوقت نفسه نجد تقاعسا كبيرا وعزوفا من دعاة الحق عن هذا النوع من الجهاد.

إن انعدام الحوار معناه النزوع نحو الهيمنة ومحاولة إخضاع الناس جميعا لنمط واحد من أنماط الحياة البشرية ولنموذج واحد من نماذج المنظومات الثقافية وتحويل الاختلاف إلى عملية تنميط قسري والقضاء على ما سواها لتغدو بعد ذلك الحضارات الآخرى نسخا تابعة لمنظومة قيمية واحدة.

الفصل الأول: مدخل لدراسة الآية الكريمة

المبحث الأول: تعريف سورة العنكبوت وسياق الآية فيها

سبب التسمية:

سميت “سورة العنكبوت” ‏لأن ‏الله ‏ضرب ‏العنكبوت ‏فيها ‏مثلا ‏للأصنام ‏المنحوتة ‏والآلهة ‏المزعومة ‏‏مثل ‏الذين ‏اتخذوا ‏من ‏دون ‏الله ‏أولياء ‏كمثل ‏العنكبوت ‏اتخذت ‏بيتا‏‎.

التعريف بالسورة:

1) مكية. ما عدا الآيات من 1 إلى 11 فمدنية.

2) من المثاني.

3) آياتها 69.

4) ترتيبها التاسعة والعشرون.

5) نزلت بعد سورة “الروم”.

6) بدأت السورة بأحد حروف الهجاء “الم”.

7) الجزء 21، الحزب 40، 41، الربع 1.

سياق الآية داخل السورة:

لما بيّن تعالى ضلال من اتخذ من دون الله أولياء وضرب المثل ببيت العنكبوت، أمر هنا في الآيات بالتلطف في دعوة أهل الكتاب للإيمان، ثم ذكر البراهين القاطعة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وصحة القرآن، من قوله تعالى: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ.. {46} إلى قوله تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {62}.

يقول سيد قطب رحمه الله: هذا هو الشوط الأخير في سورة العنكبوت. وقد مضى منها شوطان في الجزء العشرين. ومحور السورة- كما أسلفنا- هو الحديث عن الفتنة والابتلاء لمن يقول كلمة الإيمان، لتمحيص القلوب وتمييز الصادقين والمنافقين بمقياس الصبر على الفتنة والابتلاء.. وذلك مع التهوين من شأن القوى الأرضية التي تقف في وجه الإيمان والمؤمنين وتفتنهم بالأذى وتصدهم عن السبيل، وتوكيد أخذ الله للمسيئين ونصره للمؤمنين الذين يصبرون على الفتنة، ويثبتون للابتلاء. سنة الله التي مضت في الدعوات من لدن نوح عليه السّلام. وهي السنة التي لا تتبدل، والتي ترتبط بالحق الكبير المتلبس بطبيعة هذا الكون، والذي يتمثل كذلك في دعوة الله الواحدة التي لا تتبدل طبيعتها.

)وقد انتهى الشوط الثاني في نهاية الجزء السابق بدعوة الرسول- صلّى الله عليه وسلّم- والمؤمنين به إلى تلاوة ما أوحي إليه من الكتاب، وإقامة الصلاة لذكر الله، ومراقبة الله العليم بما يصنعون.

)وفي الشوط الأخير يستطرد في الحديث عن هذا الكتاب، والعلاقة بينه وبين الكتب قبله. ويأمر المسلمين ألا يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن- إلا الذين ظلموا منهم، فبدلوا في كتابهم، وانحرفوا إلى الشرك، والشرك ظلم عظيم- وأن يعلنوا إيمانهم بالدعوات كلها وبالكتب جميعها، فهي حق من عند الله مصدق لما معهم) 1 .

المبحث الثاني: الحوار والجدل في اللغة والاصطلاح

أولا: الحوار والجدل في اللغة:

الحوار في اللغة تراجع الكلام) 2 .

وفي ((لسان العرب)): وهم يتحاورون أي: يتراجعون الكلام. والمحاورة: مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة) 3 .

أما الجدل: فقال ابن فارس: الجيم والدال واللام أصل واحد وهومن باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه وامتداد الخصومة ومراجعة الكلام) 4 .

ثانيا: الحوار والجدل في الاصطلاح:

الحوار في الاصطلاح: هو بنفس المعنى اللغوي السابق فهو إذا: مراجعة للكلام بين طرفين أو أكثر دون وجود خصومة بينهم بالضرورة 5 .

أما الجدل: فكما يعرفه الجويني هو: إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهما على التدافع والتنافي بالعبارة أو ما يقوم مقامهما من الإشارة والدلالة) 6 .

وتوجد ألفاظ قريبة من الحوار والجدال منها: المحاجة والمناظرة والمناقشة والمباحثة.

المبحث الثالث: المنكرون للجدال مع أهل الكتاب

رأينا في المقدمة أن هناك إعراضا من بعض المنتسبين للعلم عن دعوة ومواجهة أهل الكتاب. ودعا إلى ذلك جملة أسباب منها:

1- الركون إلى انتشار الإسلام.

2- أن الأصل في ذلك أنه من باب فروض الكفاية.

3- الاشتغال بالفروع الفقهية والتعصبات المذهبية.

وقد اعتمد هؤلاء المنكرون لمجادلة اهل الكتاب على دلائل منها:

1- منع الجدال مع أهل الكتاب بناءً على ظهور دلائل النبوة.

2- منع الجدال مع أهل الكتاب بناءً على نسخ آيات الجدال معهم بآيات السيف وفرضية الجهاد. وقد استدلوا على ذلك بقول بعض المفسرين فقد قال قتادة: هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولم يبق معهم مجادلة، وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف) 7 .وقد رد شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله على الشبهة الأولى بقوله: ومما يعجب منه أن بعض المنكرين لمجادلة الكفار بناءً على ظهور دلائل النبوة نجده هو ومن يعظمه من شيوخه الذين يعتمد في أصول النظر على نظرهم ومناظرتهم ويزعمون أنهم قرروا دلائل النبوة قد أوردوا من الشبهات والشكوك والمطاعن على دلائل النبوة ما يبلغ نحو ثمانين سؤالا وأجابوا عنه بأجوبة لا تصلح أن تكون جوابا في المسائل الظنية بل هي إلى تقرير شبه الطاعنين أقرب منها إلى تقرير أصول الدين) 8 .

 

ورد رحمه الله على أصحاب الشبهة الثانية بقوله: فإنَّ من الناس من يقول: آيات المجادلة والمحاجة للكفار منسوخات بآية السيف لاعتقاده أن الأمر بالقتال المشروع ينافي المجادلة المشروعة وهذا غلط فإنَّ النسخ إنما يكون إذا كان الحكم الناسخ مناقضا للحكم المنسوخ كمناقضة الأمر باستقبال المسجد الحرام في الصلاة للأمر باستقبال بيت المقدس بالشام) 9 .

ثم قال رحمه الله: وقوله:)وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [سورة العنكبوت آية 46] فهذا لا يناقض الأمر بجهاد من أمر بجهاده منهم ولكن الأمر بالقتال يناقض النهي عنه والاقتصار على المجادلة. فأما مع إمكان الجمع بين الجدال المأمور به والقتال المأمور به فلا منافاة بينهما وإذا لم يتنافيا بل أمكن الجمع لم يجز الحكم بالنسخ ومعلومٌ أن كلا منهما ينفع حيث لا ينفع الآخر وأن استعمالهما جميعا أبلغ في إظهار الهدى ودين الحق) 10 .

المبحث الرابع: المؤيدون لمجادلة أهل الكتاب.

وهم أيضا ينقسمون الى تيارات يمكن أن نجملها فيما يلي:

التيار الأول: دعاة التقريب بين الأديان: كروجيه جارودي وأحمد كفتارو وغيرهما. يقول جارودي: إنني عندما أعلنت إسلامي لم أكن أعتقد بأني أتخلى عن مسيحيتي ولا عن ماركسيتي ولا أهتم بأن يبدو هذا متناقضا أو مبتدعا). ويقول: هذا النضال هو نضال كل أصحاب العقيدة أو المؤمنين بعقيدة مهما يكن نوع إيمانهم ولا يهمني ما يقوله الإنسان عن عقيدته: أنا مسلم أو: أنا مسيحي أو: أنا يهودي أو: أنا هندوسي) 11 .

التيار الثاني: دعاة العصرانية: ومن أبرزهم: الدكتور حسن الترابي والدكتور يوسف الحسن والدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري والدكتور محمد عمارة وعبده سلاَّم وغيرهم.ومن أهم الصيغ التي تحدد مبادئ ((التعايش)) و((الحوار)) بين ((المسلم)) و((غير المسلم)) عند هؤلاء ما يلي:

أولا: الاتفاق على استبعاد كل كلمة تخدش عظمة الله.

ثانيا: الاتفاق على أن الله يختار رسله من أهل الصدق والأمانة.

ثالثا: ما وجدناه متوافقا في تراثنا نرد إليه ما اختلف فيه وبذلك يمكن وضع قاعدة مشتركة بين الأديان 12 .

ويعتمد هذا التيار في دعوته لإقامة الحوار مع أهل الكتاب على أسس منها: مواجهة الإلحاد المادي) والتعاون والتسامح) والتعارف) والدعوة إلى الله وإفهام الغرب تعاليم الإسلام) وأنه ضرورة يفرضها النظام العالمي الجديد) وأنَّ الحوار وسيلة لتحاشي النزاعات والحروب وصدام الحضارات) وأن الإسلام يدعو العالم لأن يكون منتدى حضارات) وهو وسيلة لتحقيق الوحدة الوطنية بين مختلف طوائف الأمة) وأنه وسيلة للمحافظة على الأقليات المسلمة في الغرب) 13 .

التيار الثالث: دعاة التوسط بين التقريب وبيان باطل أهل الكتاب: ومن أبرز من تصدى لبيان بطلان أديان النصارى والرد عليهم في العصور المتأخرة: الشيخ رحمة الله الدهلوي الهندي والداعية أحمد ديدات.

المبحث الخامس: أنواع المجادَلين من أهل الكتاب

قال ابن كثير رحمه الله: وقوله:)إلا الذين ظلموا منهم أي: حادوا عن وجه الحق، وعموا عن واضح المحجة، وعاندوا وكابروا، فحينئذ ينتقل من الجدال إلى الجلاد، ويقاتلون بما يردعهم ويمنعهم، قال الله تعالى:)لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز الحديد: 25. قال جابر: أمرنا من خالف كتاب الله أن نضربه بالسيف) 14 .

فهنا ميز أهل التفسير بين طائفتين من أهل الكتاب، وكل طائفة يتعامل معها بنوع من الحوار والجدال:

الأولى: الطائفة المسالمة: وهذه تجادل بالتي هي أحسن ويتعامل معها بالمعروف وقد قال الله عز وجل في حقها: لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ سورة الممتحنة آية 8.وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمجادلة قد تكون مع أهل الذمة؛ والهدنة؛ والأمان؛ ومن لا يجوز قتاله بالسيف؛ وقد تكون في ابتداء الدعوة؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجاهد الكفار بالقرآن؛ وقد تكون لبيان الحق وشفاء القلوب من الشبه مع من يطلب الاستهداء والبيان) 15 .

 

الثانية: الطائفة الظالمة: وهم الذين استثناهم الله تعالى في آية الجدال بقوله تعالى: إلا الذين ظلموا منهم وقال عنهم الله تعالى: إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ سورة الممتحنة آية 9.

وقال الزمخشري (ت 538 ه) رحمه الله في الكشاف:

إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا فأفرطوا في الاعتداء والعناد ولم يقبلوا النصح ولم ينفع فيهم الرفق، فاستعملوا معهم الغلظة) 16 .

الفصل الثاني: مشروعية مجادلة أهل الكتاب

المبحث الأول: الأدلة من القرآن

قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. [سورة النحل آية 125]

قال ابن كثير في تفسيرها: وقوله:)وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب..) 17 .

وقال تعالى: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [سورة العنكبوت أية 46].

قال الشوكاني رحمه الله: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي: إلا بالخصلة التي هي أحسن وذلك على سبيل الدعاء لهم إلى الله عز وجل والتنبيه لهم على حججه وبراهينه رجاء إجابتهم إلى الإسلام لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة.)إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بأن أفرطوا في المجادلة ولم يتأدبوا مع المسلمين فلا بأس بالإغلاظ عليهم والتخشين في مجادلتهم) 18 .قال الله عز وجل: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ[سورة آل عمران آية 64].

قال الطبري: قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: “قل”، يا محمد، لأهل الكتاب، وهم أهل التوراة والإنجيل “تعالوا”، هلموا “إلى كلمة سواء”، يعني: إلى كلمة عدل بيننا وبينكم، والكلمة العدل، هي أن نوحِّد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه، فلا نشرك به شيئًا) 19 .

وقال الرازي (ت 606 ه) في مفاتيح الغيب: وقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَيْ هَلُمُّوا إِلَى كَلِمَةٍ فِيهَا إِنْصَافٌ مِنْ بَعْضِنَا لِبَعْضٍ، وَلَا مَيْلَ فِيهِ لِأَحَدٍ عَلَى صَاحِبِهِ، وَهِيَ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً) 20 .

قلت: والتعالي من السمو، وكأن الله تعالى يدعوهم الى السمو على عصبياتهم ونوازع نفوسهم الى الكلمة الحق والعدل، الكلمة السامية: وهي توحيد الله تعالى وافراده بالعبادة قصد الوحدة الروحية البعيدة عن المصالح والعصبيات المدمرة.

المبحث الثاني: الأدلة من السنة

الحديث الأول: عن أنس رضي الله عنه قال: “كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له: أسلم؛ فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطِعْ أبا القاسم صلى الله عليه وسلم فأسلَمَ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار”. رواه البخاري 21 .

الحديث الثاني: روى ابن عباس – كما في حديث أبي سفيان الطويل مع هرقل – أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل: “بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلامٌ على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم تسلم يؤتِكَ اللهُ أجرَك مرتين. فإنْ توليتَ فإنَّ عليك إثمَ الأريسيين. و{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [سورة آل عمران 3 / 64]”. رواه البخاري 22 .

الحديث الثالث: عن حذيفة رضي الله عنه: “جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه. قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا أمينا. فقال: لأبعثن معكم رجلا أمينا حقَّ أمين فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قُمْ يا أبا عبيدة ابن الجراح فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أمين هذه الأمة” رواه البخاري 23 .

المبحث الثالث: حكم جدال وحوار أهل الكتاب.

ينقسم حكم الجدل مع اهل الكتاب إلى قسمين:

الأول: الجدل الحسن:

وهو الجدل الذي يقصد به تأييد الحق أو إبطال الباطل أو أفضى إلى ذلك بطريق صحيح. ومن هذا الجدل ما هو فرض عين ومنه ما هو فرض على الكفاية.

فقد قال الله تعالى: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وعن هذه المجادلة قال الطاهر بن عاشور:

وَالْمعْنَى: إِذا ألجأتك الدَّعْوَةُ إِلَى مُحَاجَّةِ الْمُشْرِكِينَ فَحَاجِجْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. وَالْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ الْمُحَاجَّةُ الصَّادِرَةُ مِنْهُمْ، فَإِنَّ الْمُجَادَلَةَ تَقْتَضِي صُدُورَ الْفِعْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ أَنْ تَكُونَ الْمُحَاجَّةُ الصَّادِرَةُ مِنْهُ أَشَدَّ حُسْنًا مِنَ الْمُحَاجَّةِ الصَّادِرَةِ مِنْهُم، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: )ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [سُورَة الْمُؤْمِنُونَ: 96]) 24 .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: الدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين فهذا واجب على الكفاية منهم. وأما ما وجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم وحاجتهم ومعرفتهم) 25 .

الثاني: الجدل المذموم:

وهو الجدل الذي يقصد به الباطل أو تأييده أو يفضي إليه أو كان القصد منه مجرد التعالي على الخصم والغلبة عليه فهذ ممنوع شرعا ويتأكد تحريمه إذا قلب الحق باطلا أو الباطل حقا.

قال الله تعالى: وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [غافر: 5].

وقال تعالى: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: 58]

وقال صلى الله عليه وسلم: “ما ضل قوم بعد هدىً كانوا عليه إلا أوتوا الجدل”.

قال ابن تيمية رحمه الله: والمذموم شرعا ما ذمه الله ورسوله كالجدل بالباطل والجدل بغير علم والجدل في الحق بعدما تبين…) 26 .

الفصل الثالث: شروط الحوار والجدال مع أهل الكتاب

في الحوار والجدال عموما تتحقَّق بين المتخاطبين مشاركة متبادلة غالباً ما تتَّخذ شكل أسئلة تُطرَح وأجوبة تُعطى عليها. هذا لا يعني أنَّ المتخاطبين لا يحملون معهم وفيهم صفاتهم الشخصيَّة وقناعاتهم الخاصَّة، فالبحث عن الحقيقة فعل دائم ومستمر، وحقيقتنا الخاصَّة قد يتمُّ تصحيحها أو تعميقها من خلال الالتقاء بالحقيقة التي يحملها طرف الحوار الآخر.

المبحث الأول: الشروط الواجب توفرها في المحاور المسلم

الشرط الأول: العلم: وتحصيل العلم الشرعي لا يعني أن يتصدى المحاور مباشرة للشبة، بل يجب الإحاطة بالمسألة من جوانبها، لأن هذا العلم دين، لا يجتهد فيه بغير مواطن الاجتهاد، ولا يتعبد فيه إلا بما شرع الله، ولا يقال فيه إلا ما قال الله عز وجل، فإذا أحاط المسلم بالمسألة ودرسها بشكل جيد لما كانت تلك شبهة له، بل سيجدها جهلا عند السائل، أو تلبس عليه، أو تلبيس منه، وعدم الإحاطة بشكل جيد بالمسألة يجعل الشبهة تتغلغل في القلوب، لضعف الرد أو لعدم إزالة الشبهة بشكل كامل، وهذا ما يحدث كثيرا في المنتديات الحوارية.

قال شيخ الإسلام: ولا ريب أن المؤمن يعلم من حيث الجملة أن ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل. لكن كثير من الناس لا يعلم ذلك في المسائل المفصلة لا يعرف ما الذي يوافق الكتاب والسنة وما الذي يخالفه؛ كما قد أصاب كثير من الناس في الكتب المصنفة في الكلام في أصول الدين وفي الرأي والتصوف وغير ذلك) 27 .

وقال ابن القيم في ((الهدي)) عمن يتهرب عن مجادلة أهل الكتاب: ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة فليولِ ذلك إلى أهله وليخلِ بين المطي وحاديها والقوس وباريها).

الشرط الثاني: الخبرة: قال صلى الله عليه وسلم: “جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم”. وفي الحديث أنَّ من أقسام الجهاد: الجهاد باللسان؛ ولا يعني ذلك مجرد الكلام وعموم المنافحة فإنَّ هذا يُحسِنُهُ كلُّ أحد! ولهذا كان شعر حسان رضي الله عنه ليس كشعر غيره فقد كان يقع من الكفار موقع النبل.

قالت عائشة رضي الله عنها: “إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اهجوا قريشا فإنه أشد عليها من رشق النبل” فأرسل إلى ابن رواحة فقال: اهجهم فهجاهم فلم يُرضِ! فأرسلَ إلى كعب بن مالك ثم أرسلَ إلى حسَّان بن ثابت فلما دخل عليه قال حسَّان: قد آنَ لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلعَ لسانه فجعل يحركه فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم…” ثم قالت عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “هجاهم حسَّان فشفى واشتفى”” رواه مسلم 28 .

ولهذا يجب على المسلم المحاور التفقه في دينه بشكل جيد وتعلم العلم الصحيح الذي يمكنه من الرد على الشبهات، واكتساب الخبرة اللازمة في مجال الحوار والجدال، إذ الخبرة تكتسب بالممارسة العملية المستمرة لعمليات الحوار.

الشرط الثالث: قوة الجهر بالحق: الأصل في المسلم جهره بالحق وصدعه به. قال تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [سورة الحجر آية 94]. وقال: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [سورة آل عمران آية 187]. وفي قصة جعفر رضي الله عنه مع النجاشي دليلٌ على الجهر بالحق والصدع به في وقت الضعف وهم بديار الكفر ولم يمنعه كونه في دار الكفر من بيان الحق.

وهذا الصدع لا يعني ترك أدب الجدال والحوار أو التخلي عن أخلاق وآداب الإسلام فالمسلم هو المسلم في كل الأحوال وإنما يصول ويجول بالله ولله لا بنفسه ولا لهواه.

الشرط الرابع: حسن الخلق: والحديث عن حسن الخلق مبسوط في كثير من كتب الحوار وكتب الشرع عموما ولكن ما يهمني هنا هو التنبيه على مسائل أهمها:

1/ عدم الخضوع والتنازل عن الحقوق بدعوى حسن الخلق.

2/ تخطيء رأي المسلمين بناء على الأدلة الشرعية لا اتباعا لهوى الكتابي.

3/ التفريق بين الحق والشرع والاجتهاد والرأي والعاطفة.

المبحث الثاني: شروط المحاور الكتابي

ليس هناك شروطا خاصة بالمحاور الكتابي في الشريعة سوى عدم الظلم والدليل قول الله تعالى: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [سورة العنكبوت أية 46]. فإنْ كان منهم فيخرج الجدال معه عن مسمى ((الجدال بالتي هي أحسن))؛ وينتقل الخطاب معه إلى مجادلة بغير التي هي أحسن.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فالظالم لم يؤمر بجداله بالتي هي أحسن فمن كان ظالما مستحقا للقتال غير طالب للعلم والدين فهومن هؤلاء الظالمين الذين لا يجادلون بالتي هي أحسن بخلاف من طلب العلم والدين ولم يظهر منه ظلم سواء كان قصده الاسترشاد أو كان يظن أنه على حق يقصد نصر ما يظن أنه حقا ومن كان قصده العناد يعلم أنه على باطل ويجادل عليه فهذا لم يؤمر بمجادلته بالتي هي أحسن لكن قد نجادله بطرق أخرى نبين فيها عناده وظلمه وجهله جزاءً له بموجب عمله) 29 .

المبحث الثالث: موضوعات الحوار والجدال مع أهل الكتاب

لم يكتف القرآن في هذه الآية بحثِّ المؤمنين على أن يكون جدالهم لأهل الكتاب بالتي هي أحسن، ولكنه زاد فحث الرسول صلى الله عليه وسلم على مودتهم واستمالة قلوبهم، والمجاهرة بأنهم يؤمنون بما أنزل إليهم وما أنزل إلى أنبيائهم، وأنهم وإياهم يعبدون إلهًا واحدًا لا خلاف عليه، وقال تعالى: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [سورة العنكبوت آية 46].

والمتأمل في القرآن يجد أنَّ معظم القضايا التي جادل القرآن فيها أهل الكتاب تدور على محورين:

1- توحيد الله وعبادته.

2- إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به.

والأمر بمجادلة أهل الكتاب في القرآن جاء مقرونا بالإحسان ومن الإحسان:

1- اتباع طريقة القرآن في جداله لأهل الكتاب والأصل في باب مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن هو آية آل عمران:)قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ 30 . ولهذا امتثلها النبي صلى الله عليه وسلم فكتبها في رسالته إلى هرقل عظيم الروم يدعوه إلى الإسلام ونبذ الشرك. وقد حرَّفَ العصرانيون معنى ((الكلمة السواء)) إلى معانٍ فاسدة.

2- عدم تكذيب ما عندهم تكذيبا عاما لمجرد كونه من كتبهم بل ينبغي السكوت عن ذلك فلا يصدقون ولا يكذبون 31 .3- ومنه: عدم تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام على وجه الحمية والعصبية لحديث أبي هريرة عند البخاري: قال صلى الله عليه وسلم: “لا تخيروني على موسى…” 32 .

 

وفي رواية عند البخاري أيضا: “لا تفضلوا بين أولياء الله” 33 .

4- ومنه: أن ينزل خطاب كل طائفة منهم على ما يقتضيه فقه الواقع ومعرفة المجادل أو المحاور بأحوالهم إذْ إنهم: لَيْسُوا سَوَاءً.

خاتمة

هذه هي الحقيقة الضخمة العظيمة الرفيعة التي يقوم عليها الإسلام؛ والتي تقررها هذه الآية من القرآن؛ هذه الحقيقة التي ترفع العلاقات بين البشر عن أن تكون مجرد علاقة دم أو نسب، أو جنس، أو وطن. أو تبادل أو تجارة. ترفعها عن هذا كله لتصلها بالله، ممثلة في عقيدة واحدة تذوب فيها الأجناس والألوان؛ وتختفي فيها القوميات والأوطان؛ ويتلاشى فيها الزمان والمكان. ولا تبقى إلا العروة الوثقى في الخالق الديان. ومن ثم يكف المسلمين عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى؛ لبيان حكمة مجيء الرسالة الجديدة، والكشف عما بينها وبين الرسالات قبلها من صلة، والإقناع بضرورة الأخذ بالصورة الأخيرة من صور دعوة الله، الموافقة لما قبلها من الدعوات، المكملة لها وفق حكمة الله وعلمه بحاجة البشر.. إلا الذين ظلموا منهم فانحرفوا عن التوحيد الذي هو قاعدة العقيدة الباقية؛ وأشركوا بالله وأخلوا بمنهجه في الحياة. فهؤلاء لا جدال معهم ولا محاسنة. وهؤلاء هم الذين حاربهم الإسلام عندما قامت له دولة في المدينة.

وقال سيد قطب رحمه الله (ت 1385 ه) في الظلال:

وإن بعضهم ليفتري على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حاسن أهل الكتاب وهو في مكة مطارد من المشركين. فلما أن صارت له قوة في المدينة حاربهم، مخالفاً كل ما قاله فيهم وهو في مكة! وهو افتراء ظاهر يشهد هذا النص المكي عليه. فمجادلة أهل الكتاب بالحسنى مقصورة على من لم يظلم منهم، ولم ينحرف عن دين الله وعن التوحيد الخالص الذي جاءت به جميع الرسالات) 34 .

لائحة المراجع والمصادر

_ القرآن الكريم

_ جامع البيان في تأويل القرآن للإمام الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 2000 م

_ الكشاف للزمخشري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 3، 1407 هج.

_ تفسير القرآن العظيم لابن كثير تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر، ط 2، سنة 1420 ه / 1999 م.

_ مفاتيح الغيب لفخر الدين الرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 3، 1420 هج.

_ التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984 م.

_ في ظلال القرآن لسيد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط 17، 1412 هج.

_ المفردات في غريب القرآن للأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دار القلم، دمشق، ط 1، سنة 1412 ه .

_ أسباب نزول القرآن لمحمد بن علي الواحدي تحقيق: عصام بن عبد المحسن الحميدان، دار الاصلاح، الدمام، ط 2، سنة 1412 ه / 1992 م.

_ مقاييس اللغة لابن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، سنة 1399 ه/ 1979 م.

_ لسان العرب لابن منظور، دار صادر، بيروت، ط 3، 1414 هج.

_ صحيح البخاري لأبي عبد الله البخاري، تحقيق: محمد زهير بناصر، دار طوق النجاة، ط 1، 1422 هج.

_ فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379 هج.

_ درء تعارض العقل والنقل للإمام ابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، نشر: جامعة الامام محمد بن سعود، السعودية، ط 2، 1991 م.

_ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية، تحقيق: علي بن حسن، دار العاصمة، السعودية، ط 2، 1999 م.

_ النبوات لابن تيمية، تحقيق: عبد العزيز بن صالح، مكتبة اضواء السلف، الرياض، ط 1، 2000 م.

_ فتح القدير للشوكاني، دار بن كثير، دمشق، ط 1، 1414 هج.

_ تاج العروس لمرتضى الزبيدي، مجموعة من المحققين، دار الهداية.


[1] في ظلال القرآن ج 5 ص 2744.\
[2] تاج العروس ج 3 ص 162، ومعجم مقاييس اللغة ج 2 ص 117.\
[3] لسان العرب ج 4 ص 218.\
[4] معجم مقاييس اللغة ج 1 ص 433.\
[5] أصول الحوار، نشر الندوة العالمية ص 9.\
[6] الكافية في الجدل للجويني ص 21.\
[7] تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 6 ص 284.\
[8] الجواب الصحيح ج 1 ص 243.\
[9] المصدر نفسه.\
[10] المصدر نفسه ج 1 ص 218 و219.\
[11] دعوة التقريب بين الأديان ج 2 ص 935 و937.\
[12] الحوار من أجل التعايش، لعبد العزيز بن عثمان التويجري ص 91.\
[13] في البناء الحضاري للعالم الإسلامي، للتويجري ج 3 ص 201-202.\
[14] تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 6 ص 284.\
[15] النبوات ج 2 ص 621 – 622.\
[16] تفسير الزمخشري ج 3 ص 457.\
[17] تفسير ابن كثير ج 4 ص 532.\
[18] فتح القدير ج 4 ص 205.\
[19] جامع البيان في تأويل القرآن ج 6 ص 483.\
[20] مفاتيح الغيب للرازي ج 8 ص 251.\
[21] صحيح البخاري رقم: (1356).\
[22] فتح الباري ج 1 ص 31 – 33.\
[23] صحيح البخاري رقم (4380).\
[24] التحرير والتنوير ج 14 ص 328.\
[25] درء تعارض العقل والنقل ج 1 ص 51-52.\
[26] المصدر نفسه ج 7 ص 156.\
[27] انظر: الحوار مع أهل الكتاب، للقاسم ص 148.\
[28] صحيح مسلم رقم 2490.\
[29] الجواب الصحيح ج 1 ص 219.\
[30] [سورة آل عمران 3 / 64]\
[31] دعوة التقريب بين الأديان ج 2 ص 725.\
[32] رواه البخاري رقم 3408.\
[33] رقم 3414.\
[34] في ظلال القرآن لسيد قطب ج 5 ص 2745.\