بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

العدل والإحسان

الدائرة السياسية

المجلس القطري للدائرة السياسية: الدورة الثامنة عشرة

التقرير السياسي

تقديم

قدم هذا التقرير السياسي أمام المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته الثامنة عشرة ـالمنعقدة يومي 21 و22 محرم 1436 الموافق ل 15 و16 نونبر 2014- وبعد المناقشة والتصديق عهد إلى لجنة من المجلس لإدخال التعديلات بناء على ملاحظات واقتراحات أعضاء المجلس.

ويغطي هذا التقرير الفترة ما بين دورتي يناير 2014 ونونبر 2014. ونستهله باستعراض الملامح الكبرى للسياقات المحيطة بنا والمؤثرة في مسار الأحداث ونظرة الجماعة لهذه السياقات وتفاعلها معها:

السياق الدولي والإقليمي

تنعقد هذه الدورة في ظل ظروف دولية من معالمها ما يعرف العالم من تجاذبات وصراعات على مراكز النفوذ في إطار متعدد القراءات إذ لا يتأتى فهم ما يجري من تحالفات ظرفية بين الأعداء والأصدقاء إلا باستحضار لغة المصالح. فدول الاستكبار تسعى سعيا حثيثا لإعادة رسم معالم عالم عربي وإسلامي جديد بمواصفات على المقاس بعدما استنفذت المخططات السابقة أهدافها. إنها مرام جديدة تدفع دول المركز للتدخل في شؤون البلدان الخاضعة لنفوذها أو التي يراد لها أن تخضع، تارة تحت يافطة حقوق الإنسان، وتارة بدعوى تمكين الشعوب المستضعفة من حقها في الديمقراطية وضمان الحريات الفردية والجماعية، وأحيانا تعمد إلى المغالاة في المغالطة حين تنبري لعقد التحالفات وتجييش الجيوش بدعوى تخليص العالم من الخطر الداهم الذي يمثله الإرهاب، وهي تعلم أنها من ينتجه ويُعَلِّبه ويوزعه. إنه منطق المصالح ليس إلا!!

وتنعقد هذه الدورة في ظل ظروف إقليمية يطبعها تحالف الاستكبار مع أنظمة الجبر والاستبداد لسلب الشعوب مكاسب انتفاضاتها، وكان من نتائجه انقلاب العسكر على الشرعية في مصر، وإشعال الفتن وإيقاظ النعرات حتى لا يستقر الوضع في سوريا وليبيا واليمن والعراق، والتشويش على التجربة الجديدة في تونس والسعي إلى تحريفها عن مسارها الذي حظي بترحيب واسع من الجميع في فصوله الأولى لكنه أصبح الآن يبعث على القلق والتخوف من النكوص. إنه تحالف يبتغي فضلا عن ذلك، تشويه سمعة الإسلاميين، وتقويةَ مواقع الأنظمة الاستبدادية لاسترجاع مكاسب الأمس، والقضاء على أمل الشعوب في الانعتاق من ربقة العض والجبر. إنه تحالف يتوسل لتحقيق ذلك بكل ما يناسب الحال والمقام، سواء ببث الفتنة الطائفية أو تغذية النعرات القبلية والإثنية أو تعزيز الصراع المذهبي بين المسلمين على امتداد الوطن العربي والإسلامي.

وقد عرفت السنة الحالية أحداثا جساما وسّعت جراح الأمة من قبيل المأساة التي تشهدها سوريا، خاصة بعد تضارب المصالح بين القوى الدولية والإقليمية المعنية بالصراع. كما شهدت الحملةَ التدميرية الشاملة التي شنها الكيان الصهيوني على غزة بمباركة دولية وعربية، والتي شاء الله عز وجل أن تنتهي بانتصار المقاومة، الذي كان انتصارا للمسلمين في كل بقاع الأرض، وتمكينا لخيار المقاومة بدل سياسة الاستسلام والتطبيع الآخذ أخطبوطها في التوسع في بلادنا اقتصاديا وثقافيا وإعلاميا وارتفعت وتيرتها بشكل ملفت خلال هذه السنة.

ومن الأحداث البارزة أيضا التدخلات العسكرية الأجنبية في كل من إفريقيا الوسطى ومالي ومشاركة المغرب فيهما إما بشكل مباشر أو عبر فتح الأجواء المغربية لعبور الطائرات ضدا على الإرادة الشعبية التي ترفض توريط بلدنا في معارك يعرف الكبار وحدهم أهدافها ومصالحها. في حين يتم تجاهل الشعب المسلم في بورما وتركه يواجه المذابح والمحارق وحيدا.

وقد تفاعلت جماعة العدل والإحسان مع قضايا الأمة الإسلامية، وتابعت باهتمام بالغ ما تتعرض له من مؤامرات ومكائد، ومن ذلك، المشاركةُ المكثّفة في المسيرة الشعبية تضامنا مع سكان قطاع غزة يوم 20 يوليوز 2014 وتنديدا بالصمت الدولي الرسمي. وإدانةُ الجماعة من خلال مجلس إرشادها لأحكام الإعدام الصادرة في حق المصريين الذين وقفوا ضد الانقلاب في يناير 2014. فضلا عن التواصل مع الحركات الإسلامية سواء منها التي حظيت بثقة الشعب في الوصول إلى سدة الحكم كحزب العدالة والتنمية التركي، أو حركة النهضة التونسية، أو التي ما تزال تقاوم الجور والطغيان في دول الاستبداد والفساد.

وانطلاقا من الواجب الشرعي والإنساني والحضاري لم تدخر جماعة العدل والإحسان أي جهد في التعريف بقضايا الأمة العادلة والدفاع عنها، ومساندة المظلومين بغض النظر عن اعتبارات الجنس أو العقيدة أو الوطن، سواء من خلال الحوارات والمقابلات التي أجريت مع قيادات الجماعة. وأيضا من خلال التفاعل الإيجابي من قبل مختلف الأجهزة التابعة للدائرة السياسية خصوصا هيئةَ النصرة التي كانت حاضرة بقوة في كل الفعاليات المرتبطة سواء بالقضية الفلسطينية أو القضايا ذات العلاقة بهموم الأمة ومصيرها، وكذا مشاركتها في الجهود التي يبذلها مجلس رئاسة الهيئة العربية الدولية لإعمار غزة. دون أن ننسى مساهمة مكتب العلاقات الخارجية الذي لم يأل جهدا في استثمار الندوات والمؤتمرات التي يحضرها بالداخل والخارج للتعبير عن دعم الجماعة لمختلف المبادرات التي تفتل في حبل وحدة الأمة الإسلامية ونصرة قضاياها العادلة.

السياق المحلي

إنّ الدورة الثامنة عشرة لمقدس المنظمة تحت شعار جميعا من أجل مغرب الحرية والعدل والكرامة) تنعقد في ظروف محلية تشهد ترديا على جميع المستويات والأصعدة بالمغرب، ويكفي أن نذكر بأن جل التقارير الدولية والمحلية ما زالت تتوالى مخبرة بالواقع المؤلم ومؤكدة الواقع المتهاوي. ففي تقرير التنمية البشرية لسنة 2014، الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة للتنمية، احتل المغرب المركز 129 عالميا. وفي آخر تقرير صادر عن “اليونسكو” عام 2013 حول “الجودة في التعليم” وضع المغرب ضمن 21 أسوأ دولة في المجال. وفي تقرير دولي حول الصحة صدر عام 2013 عن البنك العالمي حول الصحة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كشف عن التدهور الكبير للخدمات الصحية العلاجية في المغرب. أمّا تقرير منظمة العمل الدولية الصادر عام 2014 فسجل ارتفاع معدل بطالة الشباب في المغرب الذي بلغ 19 في المائة. وفي نفس السنة أصدرت منظمة العفو الدولية “أمنستي” تقريرا تتهم فيه المغرب بممارسة التعذيب، ودعت إلى تنظيم حملة دولية لمناهضة استمرار هذه الممارسة المحرمة دوليا في المغرب. وفيما يخص احترام حرية الصحافة وضعت منظمة “فريدوم هاوس” المغرب في الرتبة 147 عالميا. أما منظمة “مراسلون بلاحدود” فصنفت المغرب هذا العام من بين الدول الأقل حرية. وحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية (ترانسبرانسي) فقد تراجع المغرب في سلم الشفافية وسوء استخدام السلطة، خلال سنة 2013، إلى المرتبة 91 من بين دول العالم. كما صنِّف المغرب في المرتبة 99 بين دول العالم التي تعتبر شعوبها الأقل سعادة، وذلك في التقرير الصادر عام 2013 عن الأمم المتحدة حول مستوى سعادة ورفاهية شعوب العالم.

أمام هذا التردي تبقى بعض الإجراءات مثل الرفع من الحد الأدنى للأجور ودعم الأرامل والزيادة في منح الطلبة، بغض النظر عن سياقاتها والأسئلة المطروحة عليها، تبقى جزئية ومعزولة ولا أثر لها في المسار العام الذي يغلب عليه التراجع.

أما عن تصورات الجماعة ومواقفها من السياسات الرسمية المتبعة فنعرضها من خلال المجالات التالية:

أولا: المشهد السياسي الرسمي.. حلقة مفرغة، ما تزال

حلقة أخرى مفرغة من سيرة المغرب التائه تلك التي عاشها المشهد السياسي خلال هذه السنة، فبعد مرور ثلاث سنوات من عمر الحكومة التي جاءت عقب دستور جديد وانتخابات مبكرة مازال الحال السياسي البئيس على حاله ولم يتغير من واقع المغرب الكثير.

وقد تأكّد لمن كان يعتبر دستور 2011 “طفرة دستورية” تضمن القطع مع الاستبداد السياسي، أنّ مغرب اليوم مازال هو مغرب الأمس، وانفضح زيف من ظل يموه على المغاربة ويغالطهم مُبشرا بتغيير واقع التسلط والفساد !!

ذاك كان بالأمس، أمّا اليوم فقد أيقن من كان يحتاج إلى مزيد من اليقين أن خيارات الدولة وسياساتها تتم هندستها سلفا من قبل القصر، وكيفما كان التوجه السياسي للحكومة، سواء اشتراكيا أو إسلاميا أو ليبراليا، فإنها، في ظل شروط سياسية ودستورية استبدادية، تبقى مرغمة في كل الأحوال على تنفيذ مخططات القصر.

استبداد يجعل الملك مستأثرا بالملفات الإستراتيجية وذات الأولوية في التدبير السياسي على المستويين الداخلي والخارجي، محتكرا القول الفصل في ملفات على رأسها الشأن الديني وملف الصحراء والسياسة الخارجية والسياسة الفلاحية والتعليم والداخلية والأمن، ومكبلا البلاد بتبعات الجمع بين السلطة والثروة وما أنتجته من احتكار أهم مصادر الثروات وإنتاجها ومجالات تسويقها، ومن ضرب أجواء المنافسة والاستثمار أمام الرأسمال الحر والمستقل، إضافة إلى إغراق الوطن في مديونية ثقيلة وانعكاساتها على كل الميزانيات. كل هذا في ظل تحصين مطلق عن أي مساءلة أو محاسبة. فماذا يبقى للحكومة، أي حكومة، إلّا أن تكون منفذا نجيبا لما يملى، ومشجبا يعلق عليه الفشل، وآلة دعائية وتجميلية لسياسات المخزن الثابتة التي لا اعتبار لديها لانتخابات ولا برامج حزبية ولا حكومية ولا أغلبية ولا معارضة إلا أن يكون الكل للملك، وقد كان البرنامج التلفزيوني المعلوم الذي تحول إلى حلبة تنافس بين الحكومة والمعارضة في درجة الولاء خير لوحة لإيضاح هذه الصورة البئيسة. فيا حسرة على من ألقى بنفسه في موج تدبير تلك التركة الثقيلة والأزمة الخانقة وهو لا يملك زمام السفينة ولا التحكم في البوصلة، وليست له سلطة الإصلاح الجذري للخروق التي تنخر هيكل المركب، ثم يكتسب جرأة مستغربة في طلاء الواجهة وتسويق الأماني والأوهام للشعب واعدا البائس والمحروم وهو يعلم أنْ ليس له من الأمر شيء!!

هذا رأينا عبّرنا عنه وصدعنا به وما نزال. ويكفي أن نذكر بأننا كنا في طليعة من أكد أن الدستور الجديد الممنوح مغرق، كسابقيه، في الاستبداد، وذلك من خلال الوثيقة التي أصدرها المجلس القطري للدائرة السياسية يوم 24 يونيو 2011 بعنوان “مشروع دستور 2011. وفاء وعصرنة لروح الاستبداد”، إذ لم نكن في حاجة إلى انتظار تنزيله حتى نقيس ديمقراطيته ما دامت مجمل فصوله موغلة في توطيد أركان النظام التي كادت رياح الربيع الديمقراطي أن تهوي بها لولا الأيادي التي مُدّت لإنجاده من غرق لا محالة آت إن استمر الإصرار على الحكم بالاستبداد ورعاية الفساد.

أما وقد مرت ثلاث سنوات كاملة فها هي ذي المُحصِّلة الماثلة أمام الجميع تنذر بالسوء؛ فالحياة السياسية الرسمية بالمغرب تسير ببطء قاتل، وهو ما يؤكد فقدان الزمن السياسي لأي قيمة لدى الفاعل الرسمي، والانعدام التام للاستحقاق السياسي والرهان الذي يعطي للمبادرات والمشاريع التشريعية والسياسية والاجتماعية معنى ووجهة.

إنّ من الغريب حقا أن دستور 2011، الذي حافظ على جوهر الاستبداد وواصل تركيز السلطات في يد الملك، عُلِّقت عليه آمال المتغنين به وبتنزيله فعمدوا إلى تأويله “التأويل الديمقراطي”، كما قيل، عبر الرهان على إخراج القوانين التنظيمية التسعة عشر التي نص عليها الدستور، غير أنه، ولم يتبقَّ من عمر الولاية سوى ثلثها تقريبا، لم تُصدر الحكومة أغلب هذه القوانين، مما يجعل المدة المتبقية لا تسمح بمنتوج جيد وحكيم وراشد، وإن طبخ شيء فلن يعدو أن يكون وجبات سريعة لا تغني من استبداد. وهو ما يؤكد مرة أخرى أن الخلل كان في المنطلق عند وضع الدستور، منهجا ومضمونا، وليس في الاستدراك من خلال تأويلٍ وتنزيلٍ يموهان على حقيقة الاستبداد.

والأغرب من هذا أن أصبح جميع من في السلطة معارضا، حتى بات من حق المتسائل أن يسأل عن ماهية الحاكم، بل إن الملك تساءل مستنكرا ومارس دور المعارضة في خطاباته المتكررة هذه السنة؛ فتراه يستنكر الوضع الكارثي للتعليم، ويوجه سهام النقد للنخبة البرلمانية والسياسية، ويطرح السؤال: أين الثروة؟! لنتساءل بدورنا مع المتسائلين: من أشرف على لجان وضع مخططات التربية والتعليم ووضع خططها؟ ومن قدم نخبة سياسية ومكَّن لها وأقصى وأبعد وحاصر أخرى؟ ومن يملك ثروة البلد ويتصرف فيها وفي توزيعها؟

وإذا كان النظام يواصل استغلال الواقع المرحلي المتخبط الذي تعيشه دول المنطقة والمتمثل في التوافق الدولي والإقليمي لإسقاط ما تبقَّى من معالم الربيع العربي واختلاق الحروب والطائفية والاقتتال والتقسيم لإحداث حالة ذهنية ونفسية لدى عموم الناس تفيد بأنّ الأمن أولى من الحرية وأنّ الاستقرار أهم من الكرامة، فإن مقولة “الإصلاح مع الاستقرار” تظل قاصرة عن إقناع المغاربة مادام الاستقرار المزعوم لا يعقبه الإصلاح الموعود.

إن ما يصطلح عليه دعاة “الإصلاح من الداخل” بـ”الخط الثالث”، لم يقدم، رغم تكرار التجربة وتعددها، ما يغري المواطن المغربي بالاقتناع به ومن ثَمَّ الرهان عليه، فقد أصبح من نافلة القول أن التفاعلات السياسية والطموحات الشعبية لا يتم التعبير عنها من داخل المؤسسات الرسمية التي أضحت عاجزة عن القيام بدورها في التشريع ورسم السياسات العامة وتنزيلها خدمة للشعب.

إن الخلاصة الأساسية الأولى التي يمكن استقراؤها من واقعنا السياسي أن وهم الإصلاح من داخل النظام المغلق قد أثبت مجددا فشله مثلما حدث مع حكومة ما سمي بالتناوب التوافقي في أواخر تسعينات القرن الماضي، والتجربة تؤكد أن الفاعل السياسي، مهما سمت نيته وكيفما كانت إيديولوجيته، يستسلم في الأخير بين يدي مخزن ماكر ومخادع يملك من أدوات الترويض والتطويع الشيء الكثير بعدما يحيط لعبته السياسية بقيود تشريعية وتنظيمية لا تخدم في الأخير إلا استمراره وتجديد شرعيته وتحديث الوسائل والوجوه مع الاحتفاظ بجوهره الاستبدادي.

أما الخلاصة الأساسية الثانية؛ فاقتناع راسخ، عززته التجارب القريبة والبعيدة، وهو أن تغيير ميزان القوى الراهن ليكون لصالح الشعب وقواه الحية لا يكون إلا عبر بناء تحالف وطني كبير يضم كل الغيورين على الوطن والراغبين في تغيير قواعده لتنحو منحى الدمقرطة والأنسنة والتخليق. تحالفٌ أو جبهةٌ تلتقي في حوار وطني صريح يراقبه الشعب صاحب السيادة، يفضي بنا إلى ميثاق يضع المعالمَ الكبرى للدولة والمجتمع؛ والقواعدَ الأساسية لتدبير الاختلاف؛ والخطّةَ العملية لإنجاز التغيير. بهذا، وبهذا فقط؛ يمكننا أن ننهي المأساة السياسية التي يعيشها بلدنا لننطلق نحو غدٍ أفضل.

ثانيا: المشهد الحقوقي: تراجع مستمر

من أبرز مؤشرات الوضع الحقوقي الكارثي خلال هذه السنة ما يلي:

– استمرار الاعتقال السياسي بناء على محاكمات غير عادلة خصوصا في صفوف المناهضين للاستبداد والفساد سواء من خلال الرأي أو الصحافة أو الفن أو التظاهر.

– عدم تحرُّج النظام من التصدّي العنيف للحركات الاحتجاجية السلمية عبر قواته العمومية التي عمت مختلف التوجهات والفئات؛ فضلا عن انتهاج أساليب الترهيب والتعذيب دون الحديث عن الإهانات والشتائم التي يتعرّض لها المحتجّون على مرأى ومسمع مِمَّن يُفترض فيهم حماية الحقوق والحريات.

– امتداد القمع ليشمل الجمعيات الحقوقية التي عاشت هذه السنة حصارا مطبقا لم تشفع معه حتى أجواء التحضير الرسمي لاستقبال المنتدى العالمي لحقوق الإنسان نهاية شهر نونبر الجاري، بل يزداد شراسة، مما يدل على أن الأمر يتعلق بمنهجية حضرت مع أسبق إصرار وصم الآذان عن كل الآثار والعواقب الوخيمة لهذا السلوك المتهور داخليا وخارجيا.

– تخلُّف منظومة العدالة في غياب إرادة حقيقية لبناء قضاء عادل ونزيه ومستقل ومقتدر. حيث ما زلنا نشاهد أبشع صور الفساد تنخر جسم القضاء من رِشوة وزبونية ومحسوبية وتعليمات.

– الإمعان في انتهاك الحقوق المدنية والسياسية، من قبيل الخروقات التي تشهد عليها الملفّات ذات الارتباط بالحق في التنظيم والعمل السياسي وتأسيس الجمعيات؛ خاصة عندما يتعلق الأمر بأفراد أو جماعات استعصت على التطويع المخزني، كما أن المواطن لم يعد يشعر بأمانه الشخصي نتيجة تنامي ظاهرة الجريمة والمس بالسلامة البدنية والأمان الشخصي،

– الانتهاك الصريح للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين حيث ارتفعت الأسعار بشكل مَهُول أدّى إلى تراجع القدرة الشرائية وتعدد الوسطاء في المواد الاستهلاكية وارتفاع السومة الكرائية وارتفاع فاتورتي الماء والكهرباء فضلا عن الارتفاع غير المسبوق في ثمن المحروقات.

– أمّا الحق في التدين فأبرز تجلياته، إضافة إلى مخزنة المساجد، منع الاعتكاف في بيوت الله خلال شهر رمضان، واستمرار المنع من الإمامة والخطابة لكل من ليس على هوى الوزارة الوصية، بل حتى في حق من دعا لغزة إثر الحرب الأخيرة عليها.

ثالثا: المجال الاقتصادي: ليس كلُّ ما يلمع ذهبا

لن يتنازع اثنان في توصيف ما آل إليه الاقتصاد المغربي رغم البهرجة الإعلامية والتقارير المنمقة ولعبة الأرقام المضللة حول المنجزات في مجال الاستراتيجيات والمشاريع الكبرى التي لا ينال منها المواطن العادي إلا الفتات. وفيما يلي أبرز ما طبع المجال الاقتصادي:

– إن ما وسم سنة 2014 بامتياز في المجال الاقتصادي هو تساؤل الملك عن مآل ثروة المغرب وعن رأسمال غير مادي على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن ينقب عنه في المدة المتراوحة ما بين 1999 و2013.

– كما تعتبر سنة 2014 نصف عمر مؤسسات ما بعد دستور 2011، خلال هذه المدة، وخصوصا منذ بداية السنة الحالية؛ أصبح مسلك ضرب القدرة الشرائية للمواطن هو السبيل الأوحد لحل مشكلة المقاصة والتقاعد وعجز الميزانية وغيرها من الإجراءات التي استهدفت بشكل مباشر القدرة الشرائية للمواطنين. وقد ظهر ذلك جليا في قانون المالية لسنة 2014 من خلال الزيادة في الضرائب على بعض المواد الأساسية (معدات فلاحية – سكر – أغذية مخصصة لتربية المواشي – زبدة)، وفي خفض مخصصات المقاصة، ثم بعد ذلك الشروع في الرفع من سعر المحروقات خاصة الغازوال الذي بلغ سعرا غير مسبوق؛ وما ترتب عنه من غلاء في مجموعة من المواد، ينضاف إلى ذلك تأجيل تطبيق جميع النصوص المتعلقة بالترقيات ومراجعة الأجور والتعويضات والأنظمة الأساسية، والتماطل في الحوار الاجتماعي.

– انفراد الحكومة بمبادرة إصلاح أنظمة التقاعد وذلك بانتهاج مقاربة محاسباتية ومالية صرفة لم تراع مصالح المنخرطين؛ ودون الرجوع إلى أسلوب تدبير هذه الصناديق وإمكانية متابعة من تسببوا في إفلاسها.

– استمرار اقتصاد الريع برعاية الدولة وتشجيعها، وهو يمس ويتحكم في مجمل مفاصل الثروة مما يجعل التصرف الحكومي لا يتجاوز الفتات ومد اليد إلى جيب المواطن لتغطية العجز عن المساس بنفوذ الريع ولو بإشارة أصبع من البعيد البعيد.

– تضريب القطاع الفلاحي بقرار ملكي بعدما تم إعفاؤه لمدة 30 سنة بقرار ملكي سنة 1984، دون القيام بأي دراسة جادة لتقييم هذه المرحلة التي كلفت خزينة الدولة الشيء الكثير.

– أما فيما يتعلق بالمجال الصناعي والطاقي؛ فرغم الاستثمارات الضخمة التي تضخ فيه، ونذكر بهذا الصدد مجال الفوسفاط مثالا، فإن مساهمته في الناتج الداخلي الخام وفي التصدير تبقى دون المطلوب باستثناء بعض القطاعات الجديدة كالطيران؛ والتي تشكو من تبعيتها للخارج. أما بالنسبة لقطاع البناء والأشغال العمومية فيبقى السكن الاجتماعي هو الرافعة الأساسية مع ما يعتريه من اختلالات واضحة في شفافية الصفقات والجودة والأمان.

– مما يزيد الطين بلة اللجوء المفرط للاستدانة الخارجية مع ما يمكن أن يحدثه ذلك من رهن القرار الوطني (الالتجاء للرفع من المديونية العمومية بشكل غير مسبوق) وتخفيض سعر الفائدة الرئيسي من طرف بنك المغرب للرفع من السيولة؛ ومن تم زيادة إغراق الاقتصاد بالديون. وفي الوقت ذاته، وعلى الرغم من توالي تقارير المجلس الأعلى للحسابات، لم تجد ملفات الفساد طريقها الصحيح للمحاكم ولم تسترد خزينة الدولة ولو درهما واحدا من الأموال المنهوبة.

– رغم قبوع المغرب في مراتبه المتدنية في مجموعة من المؤشرات الاقتصادية الدولية، منها احتلاله المرتبة الـ67 في مؤشر أفضل دولة للعيش في العالم من أصل 125 دولة، إلا أن صناع القرار يدعون أن الوضع مستقر ويدعو للتفاؤل؛ مستدلين بمنح المغرب الخط الائتماني الثاني بقيمة 5 مليار دولار من قبل صندوق النقد الدولي.

– كل تقارير المؤسسات الوطنية المتتبعة للظرفية الاقتصادية تؤكد بجلاء أن النمو الاقتصادي عرف ركودا وانتكاسة مقارنة مع السنة الفارطة، وأن الأسر والمقاولات ممتعضة من غلاء الأسعار (ومن بينها فواتير الماء والكهرباء) إذ قفز مؤشر التضخم الأساسي بأكثر من 1.2 في المائة خلال شهر يونيو الأخير مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية، الشيء الذي تبرره الحكومة بأن مسار الإصلاح شاق ومُرٌ ولابد من تضحيات. إنه منطق سيكون سليما لما تكون التضحيات تضامنية عادلة وليست مطلبا دائما خاصا بالشعب وحده وهو ما طبع كل مسيرة التدبير الاستبدادي على مدى عقود.

– وتبقى العديد من الملفات الشائكة عالقة؛ من قبيل استغلال الثروة البحرية من قبل النافذين في الحكم من جهة ومن قبل الاتحاد الأوروبي مقابل 40 مليون أورو سنويا من جهة ثانية، واحتلال المغرب المرتبة الأولى عالميا في إنتاج القنب الهندي بـ 38 ألف طن سنويا، وغياب اعتماد الشفافية الاقتصادية من خلال تصريح الجميع بالممتلكات بالداخل والخارج …

– إضافة إلى ما سبق، فإن صدور القانون التنظيمي للمالية، والتقدم في مسار المصادقة على قانون البنوك التشاركية، قد يوحي بأن التغيير يأخذ مساره، إلا أن مراسيم قوانين التقاعد توضح بامتياز أن صناع القرار يسرّعون ما يريدون ويبطؤون ما يمكن أن يشكل تهديدا لمصالحهم.

رابعا: المجال الاجتماعي: واقع يُنذر بالانفجار

جاء ترتيب المغرب في المركز 129 ضمن 187 دولة في تقرير التنمية البشرية لسنة 2014 الذي تصدرته الأمم المتحدة، وذلك في مصاف دول مغمورة وصغيرة وضعيفة كتيمور الشرقيَّة وناميبيَا والهندوراس. وعلى الرُّغم من رصده لاعتمادات مالية ضخمة في عدة مشاريع تنموية تأخر عن معظم الدول العربية، بل تأخر حتى عن تلك التي تعرف حروبا ونزاعات مثل العراق وفلسطين ومصر. كما تأخر إقليميا، حيث تقدمت عليه الجزائر التي جاءت في المركز 93 وتونس في المركز 90، ولم يتقدم المغرب سوى على دول مثل السودان واليمن. وعادة ما تعاني الدول المتجاوزة للرتبة المائة من بنية اجتماعية هشة وفوارق كبيرة وسط ساكنتها. وهذا بالضبط ما يفسر لجوء النظام إلى مؤشرات الرأسمال اللامادي للتعويم عوضا عن البحث في مكامن الخلل الواضحة وتوفير الإرادة السياسية اللازمة لمواجهة الحقيقة كما هي من غير تملص.

إن هذا التصنيف يطرح تساؤلات كثيرة عن فلسفة التنمية في المغرب وعن جودتها خاصة في ظل الخطاب الرسمي الذي طالما أشاد بمشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. ويفضح التضليل المهيمن على خطاب المشهد السياسي الرسمي المدعم بجولات الملك في الأقاليم عبر تدشين مشاريع متفرقة ومتعددة؛ تأخذ في غالبها الطابع الاجتماعي التنموي.

ومن خلال رصد مركز لأبرز المجالات الاجتماعية التي يشكل الخلل فيها معاول هدم أركان وأسس المجتمع تتضح الصورة:

واقع الشباب:

تصل نسبة الشباب المتراوحة أعمارهم ما بين 15 و34 سنة إلى أزيد من 36%، من مجموع سكان المغرب. وهو ما يمكن أن يشكل عنصر قوة وحيوية في ميزان التعبئة والبناء، غير أن واقع الحال يخبر بعكس ذلك، فهذه الفئة العمرية الفتية تشكل عبئا ثقيلا على الدولة لغياب وعي حقيقي بأهمية الشباب ومتطلباته؛ وما يترتب عن ذلك من عوز في التخطيط وتخبط في السياسات الموجّهة إليهم. وهذا ما يزيد من منسوب الجفاء والتنافر وانعدام الثقة بين الشباب والدولة؛ خاصة حين يتم اعتبارهم مجرد عدد محتمل في كيانات سياسية جاهزة للاستعمال، أو بوقا للدعاية الرسمية، بدل أن يكونوا صوتا حرّا يحلل الواقع ويربط الأسباب بمسبباتها، ويعبّر بجرأة الشباب المعهودة عن رأيه في التغيير وإزالة كوابح قرون القمع والاستكانة منشدا غد النهضة والتنمية والحرية والكرامة الإنسانية.

ولقد ساهمت عدة عوامل في إنتاج هذا الواقع الذي وَلَّد لدى الشباب المزيد من الإحساس باليأس. وكلها أحوال ترضي القائمين على شأن البلد، فدون ذلك زعزعة “لاستقرارهم”. ويرى البعض أنّ أسباب العزوف في صفوف الشباب يُعزى إلى نقص الوعي الفكري والسياسي والثقافي لديهم، وهو إغفال أو تغافل عن الأسباب الحقيقية والجهات المتورّطة قصدا في اغتيال الوعي الشبابي ومصادرة حقه في التعبير والإسهام في إرجاع الأمور إلى نصابها ووضع قطار الحرية والكرامة والعدل على سكته الحقيقية. ومن أقسى تجليات الجفاء بين الدولة وطموح الشباب مسلسل المتابعات والاعتقالات وتجريم النضال السياسي.

ثمة إذَنْ تحديات تطرحها قضايا الشباب المغربي على من كان له قلب وبصيص من رحمة بأبناء الوطن، خاصة ما يتعلق بإصلاح ما أفسده العابثون بالتعليم والإعلام، وترميم الأعطاب التي تسببها البطالة، ومعالجة مآسي الهجرة الجماعية.

فلغة الأرقام الرسمية تتحدث عن بطالة نسبتها 19.6% من البالغين بين 14 و25 سنة و13% من البالغين بين 25 و34 سنة. مع العلم أنّ هذه النسبة لا تتضمن أعداد المتمدرسين ومن يساعدون أسرهم في الحقول أو غيرها من الأشغال، ليفتح الباب في المستقبل القريب؛ أمام المزيد من العاطلين، ولتنتعش تجارة شبكات الهجرة والتهجير في ظل الفشل المبين للدولة في ربط التعليم بسوق الشغل.

أما المخدّرات وأدوات إفساد القيم فقد استقالت الدولة منها أمام عصابات تروج على مرأى ومسمع من السلطات هذه السموم القاتلة للعقول والأبدان والأخلاق، للفرد والمجتمع، وكأن منع هذه الآفات لا يدخل ضمن صلاحيات الدولة.

في ظل هذا الوضع الكارثي، يجد المغرب نفسه ينتقل تدريجيا من مقاومة تفشي عدة ظواهر وانحرافات إلى صناعتها. ومثال ذلك آفة المخدرات التي يكفي الوقوف على ما تم حجزه –بشكل انتقائي ومتأخر- من أصناف وكميات بالأطنان في البر والبحر وفي الرحلات الجوية للتَّأكُّد من أن المغرب أصبح يتنافس مع دول أمريكا اللاتينية على الصدارة العالمية.

ومثال آخر صارخ يتجلى في ما يبث الإعلام الرسمي من منتوج محرف لقيم النبيلة وهادم للنسيج الأسري.

وإذا كان الأمر كذلك، فمن الطبيعي جدا أن تنتشر جرائم من العيار الثقيل في بلد تعرف فيه المخدرات رواجا كبيرا، وليس من المستغرب كذلك أن نجد أكثر من 80 % من الجرائم العنيفة، من قبيل قتل الأصول والفروع، مرتبطة باستهلاك الأقراص المهلوسة وتدهور الصحة النفسية في المجتمع.

هذا فضلا عن مظاهر العنف في الملاعب والمدارس وتهديد أمن المواطنين في معظم أحياء المدن، وبروز ظاهرة ما سمّي ب”التشرميل”، ممّا ينذر بأن هذه الظواهر سائرة نحو تهديد أمن الجميع، خاصة مع الانكفاء الأمني والشعور بالظلم الاجتماعي.

الإسكان:

قدر تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي برسم سنة 2013 العجـز فـي مجـال السـكن علـى المسـتوى الحضـري بمـا يفـوق مليـون وحـدة سـكنية، أي مـا يعـادل ثلـث حظيرة السـكن الحاليـة بالمغـرب، ولا يزال هذا العجز مستمرا سنة 2014. فتنامي المـدن الصفيحية والمسـاكن غيـر المجهـزة أو غيـر الصحيـة مـرّده إلى انعـدام التـوازن المزمـن بيـن العـرض والطلـب فـي مجـال السكن المتناسب مـع إمكانيات الأسـر ذات الدخل المنخفض.

أمّا ما يُدعى السكن الاجتماعي فلا يزال يتخبط في عشوائيته، رغم الأرباح الطائلة التي يدرّها بحسب جل التقارير الصادرة بخصوصه؛ حيث كشف تقرير لمجلس المنافسة برسم سنة 2013 أن هامش الربح الذي يحققه المنعشون العقاريون في السكن الاجتماعي يفوق بكثير ما يحققه مماثلوهم في دول حوض البحر الأبيض المتوسط بنسبة تتراوح ما بين 30 و 100 في المائة، و هذا راجع إلى استمرار توجيه الإعانات المالية والضريبية للقطاع العقاري، هذا دون الحديث عما يعرفه برنامج “مدن بدون صفيح” من اختلالات، وعن كارثة المباني المهددة بالانهيار وعن القروض العقارية ومبيعات الإسمنت.

المرأة:

تزداد وضعية النساء تدهورا بفعل الاستغلال في المصانع والحقول والبيوت، والتهميش بشتى أصنافه وأنواعه، وهو ما يتجلى في ارتفاع معدل وفيات الأمهات، وشيوع ظاهرة الدعارة، وضعف الولوج إلى التطبيب، خصوصا بالوسط القروي. ورغم أن النساء يمثلن ربع الساكنة النشيطة ب 26.8 في المائة فهن الأكثر تعرضا للبطالة والإقصاء والحيف والفقر والتعنيف. وتبقى معظم الإجراءات الرسمية لتحسين وضعية المرأة تجزيئية ودون المستوى، ولم تكن إلّا استجابة لإملاءات دولية دون التوفّر على إرادة حقيقية وخطة شمولية.

الصحة:

بالرغم من تنصيص دستور 2011 على الحق في الصحة؛ فضلا عن مقتضيات مدونة التغطية الصحية الأساسية والقانون 65.00 الذي يُنصُّ بموجبه على أن الصحة في المغرب من مسؤولية الدولة، فإن السياسة المتبعة إلى حدود سنة 2014 عجزت عن تحقيق العدالة الصحية وتقليص الفوارق الاجتماعية في المجال الصحي. كما لوحظ تباين كبير في الحصول على خدمات صحية جيدة وعجزٌ عن ضمان تأمين صحي واجتماعي شامل لكل فئات المجتمع على الصعيد الوطني.

ولا يزال الوضع الصحي بالمغرب يحتل مكانة غير مرضية لا ترقى لتطلعات المغاربة. ما يؤكد هذا الوضع التقرير الذي قدمه وزير الصحة أمام البرلمان والذي عكس الصورة القاتمة عن أوضاع قطاع الصحة في البلاد، حيث اعترف بوجود مركز صحي لكل 42 ألف مواطن، وأقل من سرير واحد لألف مغربي، وطبيب لكل 1630 نسمة، فضلاً عن أرقام صادمة تتعلق بمجال السياسة الصحية في البلاد. ويعتبر هذا بمثابة مؤشر على فقدان قطاع عريض من المغاربة ثقتهم في هذا المجال الحيوي. ولعل أبرز ما يعيق تحسن أداء السياسة الصحية هو ضعف الحكامة وهزالة الميزانية المرصودة وقلة الموارد البشرية العاملة في القطاع.

ولعل من أخطر المؤشرات على الوضع الصحي في المغرب عودة ظهور أمراض معدية خطيرة وقاتلة وشديدة التنقل في السنوات الأخيرة في عدد من المدن والقرى؛ وخاصة في صفوف الطبقات الفقيرة والمعوزة مثل الجذام وارتفاع معدلات الإصابة بمرض التهاب السحايا ( المينانجيت)، وتزايد حالات مرض السل التي يتم اكتشافها سنويا (27000 حالة جديدة).

ويبقى الإجراء الإيجابي الوحيد هو خفض أثمنة بعض الأدوية، فبالرغم من كون الوزارة الوصية عمدت إلى مراجعة سعر الأدوية، مكنت في مرحلتها الأولية من خفض سعر 1578 دواء، أي ما يعادل ثلاثين في المائة من مجموع الأدوية التي يجري تسويقها في المغرب وذلك نتيجة المؤاخذات المسجلة حول سعر الأدوية، والتقرير الذي أعدته اللجنة البرلمانية الذي كشف أن أسعار الأدوية الأصلية في المغرب أغلى من مثيلاتها في فرنسا وتونس، وبنسب تتراوح بين 30 في المائة و189 في المائة، وأن صناع الأدوية يحصلون على هامش ربح كبير جدا، بالرغم من هذه الخطوة فإن الإجراءات الحكومية المُتخذة في قطاعات أخرى، التي أضرت بالقدرة الشرائية للمواطن، أفقدت هذه المبادرة جدواها.

خامسا: المجال التعليمي: اغتيال ممنهج لمستقبل الأجيال

في مجال التعليم تستمر سياسات الإفشال المتعمد للمنظومة التربوية، والتنكيل الممنهج بالناشئة، مستندة في ذلك إلى خطاب رسمي يتنصل فيه الحاكمون من مسؤولياتهم التاريخية الثابتة عن كارثة التعليم عبر اللجان الملكية المتكررة والمجالس العليا المكرورة ويلقون باللائمة على حكومة أو وزارة ليس لها من الأمر إلا تنفيذ ما أقرته دهاليز المجالس المعينة – هذا لا يعني إعفاء الحكومة من المسؤولية بل إن قسطها وافر أيضا برضاها لعب دور الشريك في الجريمة- بعيدا عن أي بادرة حقيقية لإعمال المحاسبة حتى بعد تقارير المجالس المعينة تلك التي كشفت فضائح التدبير السيئ والتسيير الارتجالي والحصيلة المنذرة بالانهيار.

هكذا يتم تهريب قضية التعليم إلى دهاليز المجالس الصورية المتناسلة والشعارات البراقة التي تبقى حبيسة جلسات الاستماع؛ وإلى هوامش النقاش السياسوي المبتذل الذي لا يعي أن وضع التعليم الكارثي إنما يترجم عن الوضع العام المتأزم، وأن وضعية التعليم نتيجة حتمية لكوارث الاستبداد السياسي والاستفراد بثروة البلاد وتمييع المجتمع بسياسات الإقصاء والإلهاء.

يضاف إلى هذا تدبير ارتجالي من خلال قرارات متتالية من دون مشاركة ولا إشراك حقيقي، وإصرار على رهن المنظومة بفوضى القرارات المستجيبة للمؤسسات المانحة الدولية، والتمكين لورثة طاحونة التغريب الذين يصرون على استنساخ غريب لسياسات أثبتت سنوات الكارثة الطوال نجاحها فقط في ترسيخ مخططات الاغتيال الممنهج لمستقبل الأجيال.

إنها سياسة اعتمدت لجانا ومجالس، ورصدت أموالا طائلة لأداء فواتير الخبرات الأجنبية لتنتج –وما تزال-تعليما يعاني من انعدام النجاعة والجودة، وتغييب القيم، وعدم انسجام الهياكل التنظيمية مع مطالب الإصلاح المزعوم، وعدم مراعاة خصوصيات المدرسة المغربية وقيم المجتمع الذي تنتمي إليه.

إنها إذن حصيلة وصلت بالمنظومة التعليمية إلى الانهيار، وتعكسها مستويات الهذر المدرسي، والضعف الشديد في المردودية، وهشاشة البنى التحتية، وضخامة جيوش المعطلين في صفوف الخريجين بسبب سياسات التوجيه وهزالة التكوين وعدم ملاءمته لمتطلبات سوق الشغل وعدم قدرته على دعم التنافسية في عوالم اقتصاد المعرفة، إضافة إلى ضحالة البحث العلمي وغياب الحكامة والجودة، وفقدان البوصلة الموجهة في مجالات الاختيارات البيداغوجية والمناهج التربوية.

وهكذا كان جني ما زرعه منطق الاستفراد و سياسات الارتجال و طرائق التدبير المعوج -وباعتراف الإحصائيات الرسمية ذاتها والإحصائيات الدولية المتابعة للشأن التعليمي – فقد احتل التلاميذ المغاربة المراتب الدنيا في مجال التقويمات الدولية في مجال التعلمات الأساسية مسجلين بذلك تراجعا كارثيا بهبوط في متوسط النقط في مجال القراءة من 350 في 2001 إلى 310 في 2011،وبتراجع من متوسط نقط 347 عام 2003 إلى 335 عام 2011 في مجال الرياضيات، كما سجل تراجع في مجال العلوم بنسبة تصل إلى 40 نقطة،دون أن نتحدث عن تراجع نسبة الحاصلين على البكالوريا ب 8% سنة 2013 مقارنة ب2012 ،كما أن التوجيه لمجال التعليم التقني لم يتجاوز بعد 60 سنة على “الاستقلال” 5في المائة من الموجهين للتعليم الثانوي التأهيلي ، هذا فضلا عن الضعف الحاد في المردودية الداخلية للتعليم الجامعي حيث، وبالرغم من ارتفاع كلفة التكوين، بلغت نسبة مغادرة الطلبة لكراسي الجامعة -إن وجدت – بدون دبلوم 64% لينخفض معامل المردودية إلى 40%.

فلا غرابة والوضع على هذه الصورة أن يضعنا تقرير منظمة اليونسكو حول تحقيق الجودة في التعليم في العالم الصادر في يناير 2014 ضمن 21 أسوأ دولة في مجال التعليم إلى جوار عدد من البلدان الفقيرة جدا مؤكدا ما ذهبت إليه دراسات متعددة من أن أكثر من نصف عدد التلاميذ المغاربة لا يتعلمون ما يلزمهم من مهارات أساسية في القراءة والرياضيات.

وتبقى أهم المؤشرات المؤكدة على الانهيار فقدان المنظومة التعليمية لتصور واضح في مجال السياسة اللغوية وإقحام التعليم في نقاشات ذات تقاطبات سياسوية وجدالات سجالية بعيدة عن أي نهج علمي دقيق يخرج ملايين التلاميذ من التخبط الذي فرض عليهم في لغات التدريس عقودا طويلة مما ينعكس سلبا على التوجيه والمستقبل الجامعي والعالي والاندماج في سوق الشغل.

أضف إلى ذلك الانتشار الواسع لعدد من الظواهر التي تضرب العمق القيمي للمدرسة المغربية التي أصبحت ساحة مفتوحة للإجرام والعنف والدعارة والمخدرات تفقد معها المؤسسات التعليمية تدريجيا وظائفها الحيوية في تربية النشء وتوجيهه للفضيلة وبناء الشخصية المتوازنة.

كل هذا يدفعنا مرة أخرى إلى تكرار النداء الحار لتكاثف جهود كل الغيورين لإنقاذ التعليم من مخالب استفراد الحكم به، وإن استمرار المراهنة على منهجية الاحتكار واللجان والمنتديات مع التمادي في التنقيص من الوضع الاعتباري لأسرة التعليم ومحاربتها في رسالتها ووظيفتها ومعيشتها من دون امتلاك مشروع مجتمعي لماهية الإنسان الذي نريده لمنظومتنا ولآليات التدبير الجيد، لهو تآمر على مستقبل المغرب ورهن لأجياله في مستنقعات التخلف.

تفاعل الجماعة مع المحيط المحلي

بادرت الجماعة من خلال اقتراحاتها وحركتها في مختلف الجبهات وبياناتها وتصريحاتها المواكبة لأوضاع بلدنا إلى التنبيه المتكرر للمخاطر المحدقة الواقعة منها والمتوقعة باعتبارها نتائج طبيعية للاختيارات الاقتصادية والاجتماعية التي تضع الاعتبار الأول لمصالح ذوي النفوذ والثراء الفاحش لتبقى مصالح غالبية الشعب وكرامته وحريته المعبر الدائم لسد الثغرات وتحقيق التوازنات الممتنعة. بل إن جبهة المنبهين والمحذرين من عواقب السياسات الرسمية تتسع يوما عن يوم في ظل يأس الغالبية من أي تفاعل إيجابي للحاكمين مع هذه الأصوات التي بحت من ترديد نداءات التدارك قبل فوات الأوان وهي تعاين الإهدار الرسمي لكل الفرص المتاحة حتى يوشك ذلك الأوان أن يفوت، لأن كل فرصة مهدرة هي لغم موقوت يضاف إلى حقل الألغام الذي عم مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مما يجعل البلد مفتوحا على المجهول.

وانسجاما مع مقاربة الجماعة التي تعتبر أن ثنائي الاستبداد والفساد هو العائق أمام كل نوايا ومبادرات الإصلاح مهما كانت نجاعتها، فقد استمرت مختلف مؤسسات الدائرة السياسية في إطلاق المبادرات والتحرك في مختلف الساحات والمجالات والتجاوب مع مبادرات كل الغيورين للتخفيف من معاناة شعبنا أولا، وتوسيع جبهة المناهضين للاستبداد والفساد ثانيا. وقد شاركت الجماعة خلال هذه السنة في العديد من الفعاليات المجتمعية التي همت قضايا الاحتجاج ضد غلاء الأسعار التي ألهبت جيوب المواطنين أكثر مما هي محترقة. وما تزال هذه الاحتجاجات مستمرة إلى اليوم وتعم عددا كبيرا من المدن والمناطق ومرشحة للتصاعد في ظل إصرار الدولة على تجاهل مراتع وحصون الفساد التي كانت وما تزال السبب المباشر والأساسي لسوء الأوضاع وفي المقابل لجوؤها إلى تحميل الشعب كامل كلفة الإصلاحات المزعومة.

كما كانت الجماعة مصطفة في صف المنافحين عن الحقوق والحريات التي تستهدفها السلطات اليوم بشراسة غير مسبوقة تكاد لا تستثني أحدا مهما كان توجهه عدا المساندين للتوجه الرسمي والمسوغين له.

وهنا نسجل الدور البارز للهيئة الحقوقية في نضالها ضد الانتهاكات الحقوقية سواء التي تمس أعضاء العدل والإحسان أو غيرهم من أبناء شعبنا بغض النظر عن انتمائهم، وفي مقدمة ذلك نضالها من أجل إطلاق سراح المعتقل السياسي الأخ عمر محب والوقوف في وجه المضايقات التي يتعرض لها داخل السجن و كان أخطرها الاعتداء الشنيع الذي مورس عليه من قبل إدارة السجن يوم 2 يوليوز 2014. ومن القضايا البارزة التي انشغلت بها الهيئة الضغط المتواصل من أجل الحقيقة والإنصاف في ملف الشهيد كمال عماري وكل شهداء الحراك المغربي، ومن أبرز الأشكال النضالية في هذا الصدد كانت الوقفة الحاشدة التي نظمتها جمعية عائلة وأصدقاء الشهيد كمال عماري يوم 30 ماي 2014 أمام البرلمان بالرباط التي عرفت نجاحا كبيرا سواء من حيث العدد أو الشعارات القوية التي طالبت بالحقيقة والمحاسبة في ملفات كل شهداء الانتفاضات الشعبية، ثم الوقفة المنظمة بآسفي والتي عرفت منعا مخزنيا يوم 2 يونيو 2014.

كما واصلت الهيئة الحقوقية مواجهة الإجراءات التعسفية المتكررة لحرمان عدد من أعضاء الجماعة من وظائفهم ومصادر رزقهم ومن الوثائق الإدارية. ويبقى ملف البيوت المشمعة، وفي مقدمتها بيت السيد الأمين العام للجماعة الأستاذ محمد عبادي، في طليعة الاهتمام السياسي والحقوقي للجماعة لأنه يشكل عنوانا بارزا من العناوين التي تكشف زيف الشعارات الرسمية في مجال الحقوق والحريات والتعامل مع المعارضة.

ومن ذلك أيضا شجبُها للتضييق المخزني على الصحافة وانتهاكِ حرية الرأي والتجمع، وفي هذا الإطار انخرط عدد من أطر الجماعة في تأسيس ودعم مجموعة من الهيئات الحقوقية وساهموا في إنجاح كل مبادراتها المدافعة عن حرية الصحافة والرأي والتجمع خاصة في الفترة الأخيرة التي كثفت فيها السلطات تضييقها الحاد على الجمعيات الحقوقية. وتمثل ذلك أيضا في مشاركة الجماعة في كل الأشكال التضامنية مع الصحافيين علي أنوزلا ومصطفى الحسناوي، ومعتقلي التيار السلفي وما تبقى مما يسمى مجموعة بلعيرج، وتضامنُها مع جمعية نادي القضاة جرّاء منع السلطة لاحتجاجاتهم السلمية، وإدانتُها للقمع العنيف للاحتجاجات السلمية المنظمة من قبل مختلف الفئات من أجل مطالب مشروعة في شوارع العاصمة الرباط وفي باقي المدن والقرى.

ومما ميز هذه السنة أيضا الأنشطة الواسعة لشبيبة العدل والإحسان في مختلف الفضاءات الشبابية، ويبقى دائما في مقدمة اهتماماتها ملف العطالة التي يزداد ضحاياها من خيرة شباب المغرب سنة عن سنة، ومناهضة السياسات الرسمية الفاشلة في استيعاب الخريجين وربط التعليم بسوق الشغل وابتكار برامج فعالة للمساعدة في التشغيل الذاتي واحتضان المقاولين الشباب.

كما تميزت السنة بنضال فصيل طلبة العدل والإحسان المستميت ضد الإجراءات الرّامية إلى عسكرة الجامعة ومحاصرة الحقّ النقابي واعتقال المناضلين بموجب المذكرة الثنائية المشؤومة بين وزارتي التعليم العالي والعدل. وأيضا مساهمته العملية من خلال إطلاق عدد من المبادرات والبيانات والحوارات لإنهاء العنف في الجامعة وإشاعة أجواء العمل الطلابي التشاركي. إضافة إلى حملة الشبيبة التواصلية تحت شعار “تَعَرَّفْ علينا” التي استحقت تنويها كبيرا على نتائجها الإيجابية في التواصل مع عدد المنظمات والرموز الشبابية وعموم الشباب. كما نسجل الحضور الفعال لشبيبتنا في المنتديات الدولية ومساعيها الحثيثة للمساهمة في بناء إطارات شبابية وطلابية عربية تتماشى مع روح البناء السائدة في كل الجسم الشبابي إثر نسائم الحراك العام التي تعرفها عدد من أقطار المنطقة.

إضافة إلى مساهمة تلاميذ الجماعة في الاحتجاجات الواسعة التي عرفتها الثانويات خلال الموسم الدراسي الماضي.

وتبقى بصمة نساء العدل والإحسان عميقة التأثير في كل ما سبق وما يأتي من أعمال إضافة إلى ما يختص به القطاع النسائي من مجالات تخص المرأة. وهكذا فإن القطاع أنجز خلال هذه السنة رصيدا مميزا إسهاما في تأطير النساء المغربيات من خلال مجموع الأوراش المتاحة في إطار برنامج القرب الذي ينهجه القطاع رغم الحصار الشديد التي يترصد كل أثر له في فضاءات المجتمع ولو تعلق الأمر بجمعية صغيرة لمحاربة الأمية أو تعليم الحرف اليدوية دون أن يكلف المخزن نفسه توفير البديل مما يعمق حالة الحرمان من مثل تلك الخدمات لقطاع واسع من النساء المهمشات.

ورغم ذلك فقد قام القطاع بمجهودات في العديد من المجالات المرتبطة بالفعل النسائي، وعلى رأسها مساهمته في تأطير شرائح واسعة من النساء المغربيات من خلال عمل ميداني دؤوب يشمل المئات من الأنشطة التوعوية والتأطيرية التي تلامس قضايا اجتماعية وقانونية وصحية وأسرية…، إلى جانب حرصه على المصاحبة اليومية للنساء، والالتصاق بهمومهن ورصد احتياجاتهن، وتوفير فضاءات تستوعب طاقاتهن المهدرة.

أما على مستوى التواصل والتأسيس للتعاون فقد ظل القطاع النسائي حريصا على مد جسور التواصل مع مختلف الهيئات والشخصيات التي تعنى بقضايا المرأة سواء منها المكونات السياسية أو مكونات المجتمع المدني وتبليغها رؤيتنا للقضية النسائية، حيث تم خلال هذه السنة تنظيم أنشطة ولقاءات تواصلية مع مجموعة من النساء من اتجاهات حزبية وجمعوية متنوعة، شكلت مناسبة لتوضيح تصور الجماعة من بعض القضايا، ومناسبة أيضا لتجديد دعوة القطاع إلى التفاهم والتعاون والبحث عن المشترك خدمة لمصلحة المرأة المغربية. وقد كان البيان الختامي للمجلس القطري للقطاع المنعقدة شهر أبريل 2014 فرصة لتجديد دعوته كافة التنظيمات النسائية إلى حوار جاد ومسؤول يؤسس لجبهة نسائية وطنية ضد الفساد والاستبداد، وهو النداء الذي سبق أن دعا إليه القطاع النسائي في بيانه الصادر بمناسبة اليوم العالمي للمرأة يوم 8 مارس 2013.

ومواكبة للملفات الاجتماعية الساخنة التي طبعت السنة كان للقطاع النقابي حضور فعال دفاعا عن مكتسبات كثير من الفئات خاصة ما عرفته أسرة التعليم إثر السياسات التعليمية المرتبكة والعشوائية التي تنعكس سلبا على الأداء الوظيفي والتربوي مما يضر بمستقبل فلذات أكباد الشعب قاطبة.

كما كان حاضرا في الدفاع القوي عن عموم الشغيلة التي ستمس سلبا بالإجراءات المزمع اتخاذها في ملف التقاعد الذي اعتمدت فيه مقاربة متسرعة انتقائية جزئية عوض أن يعالج الملف من جذوره من خلال تحديد المسؤوليات فيما آلت إليه وضعية الصناديق ووفاء الدولة وبعض مكوناتها بالتزاماتها لوقف النزيف ابتداء، ثم بعد ذلك اعتماد المعالجة الشمولية عوض اختيار المخزن لأقصر طريق وهو أنظمة التقاعد المدنية التي تعني الفئات الواسعة من الشعب والتي يراد لها دائما أن تؤدي فواتير كل الاختلال والفشل الرسمي. وكان آخر هذه المحطات مشاركة القطاع النقابي في الإضراب العام يوم 29 أكتوبر 2014 والتي لاقت اهتماما إعلاميا كبيرا يؤشر على أثر الجماعة في المشهد المغربي وتقدير ما تتخذ من مبادرات والحمد لله.

هي أعمال ومنجزات ومبادرات تحرص الجماعة أن تأخذ الطابع التشاركي مع قوى وشخصيات المجتمع حيثما توفرت السبل والأجواء المناسبة. وتعزيزا لهذا الاختيار الأصيل لديها عقدت الجماعة أو حضرت خلال هذه السنة مجموعة من اللقاءات التواصلية، سواء على المستوى الخارجي بتأطير من مكتب العلاقات الخارجية أو الداخلي من خلال لجنة التواصل ومختلف مؤسسات الجماعة مركزيا ومحليا. ومن أبرز هذه الأنشطة حضور الجماعة في ندوة الحوار الإسلامي العلماني يوم 6 أبريل 2014، وتنظيمها لثلاثة لقاءات تواصلية خلال شهر رمضان 1435 ه – واحد مع مكونات من الحركة الإسلامية وثان مع رموز سياسية وفكرية وحقوقية وثالث مع وسائل الإعلام- ثم حضور قيادات من الجماعة في التحضير ل”نداء التنمية المعاقة” والانخراط في تنزيله. إضافة إلى عشرات اللقاءات على المستوى القطاعي والإقليمي.

وجدير بالتقدير أيضا؛ الجهدُ المبذول في إطار تطوير الأداء التدبيري والاقتراحي لأطر الجماعة، سواء من خلال البرامج والدورات التدريبية التي أطرها مركز التدريب القيادي، أو من خلال التقارير والنشرات والدراسات التي أصدرها مركز الدراسات والأبحاث وفي مقدمتها المساهمة البارزة لأطر المركز في تقرير “المغرب في سنة” الذي وصل إلى نسخته الخامسة بما يميزه من علمية ورصانة ودقة يشهد بها عدد من المشتغلين في المجال ويستحق منا كل التنويه والتشجيع والاعتزاز. هذا فضلا عن الندوات والمحاضرات الفكرية والأيام الدراسية التي نظمتها مختلف مؤسسات الجماعة في مواضيع ومجالات تخصصية مختلفة.

لكن رغم الحضور المكثف للجماعة في مختلف المجالات إلا أنها ما تزال تعاني من حصار إعلامي مطبق سواء من الإعلام الرسمي أو الموجه إلا من بعض المنابر مشكورة. هذا في ظل المنع المستمر للجماعة من تأسيس جرائد ومجالات خاصة بها. وهنا نُقدِّر الدور الذي يقوم به مكتب إعلام الجماعة من خلال أقسامه ومواقع إلكترونية تكافح لإيصال صوت الجماعة إلى الرأي العام.

وفي الختام

إن هذا التقرير السياسي مجرد ملخص مركز للواقع السياسي للمغرب وللفعل السياسي العام للجماعة الذي تنجزه مختلف أجهزة الدائرة السياسية المركزية والإقليمية. ويتضمن ما يسمح وضع الحصار الجائر في حق الجماعة بنشره، وإلا فإن طموحنا وحرصنا، لو كان جو الحرية سائدا، أن يطلع الرأي العام ووسائل الإعلام على كل تفاصيل تقاريرنا. ولعل المكان الضيق لاجتماعنا هذا، والذي ينعكس على حجم الحضور المطلوب في مؤسسة المجلس القطري، دليل كاف على هذا الحصار الممنهج الذي يحرمنا من استعمال الفضاءات العمومية ومن تغطية الإعلام العمومي لأنشطتنا. فحسبنا الله ونعم الوكيل.

وإننا في آخر هذا التقرير المركز، إذ نحمد الله عز وجل على ما سدد ووفق ويسر، نتوجه بالشكر البالغ لكل العاملين والعاملات في مختلف مؤسسات الدائرة السياسية على جهودهم الطيبة التي بذلوها، حاثين الجميع على المضي في دربنا اللاحب، درب السير الحثيث نحو التغيير الشامل الذي يحقق لشعبنا وأمتنا غد الحرية والعدل والكرامة، مع الحث الدائم على التعاون والتنسيق مع باقي مؤسسات الجماعة.

ولا يفوتنا في نفس الآن أن نشد على أيدي كل القوى الوطنية بمختلف توجهاتها الساعية لتحقيق نفس الهدف، مذكرين بما نعتبره مدخلا حقيقا للتغيير المنشود وهو المضي جميعا نحو بناء ميثاق وطني حر يؤسس للمغرب الجديد، مغرب الحرية والعدل والكرامة للجميع، مستفيدين من الدروس الكبيرة التي تقدمها لنا دول الربيع العربي، والتي تؤكد أيما تأكيد على هذه المقاربة التشاركية الميثاقية التوافقية.

وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ صدق الله العظيم.

والحمد لله رب العالمين.