قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ.

من الآية الكريمة نتعرف على الآتي:

– خُلقين اثنين يجب أن يتحلى بهما كل داع إلى الله تعالى حتى يكلل الله مسعاه بالتوفيق والسداد هداية للخلق ودلالة لهم على الله.

– سبب الإمامة في الدين.

– معنى الهداية بأمر الله.

الصبر واليقين

الصبر أولا على مكروه الأذى اللاحق بكل متصد لشأن دعوة الناس إلى سلوك سبيل العبودية والطاعة لله عز وجل ولرسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي كان مثال المحتسب والصابر على زعازع الطريق. وهو صبر لن يستطيعه من لم يصبر على تغيير ما بنفسه من هوى وطيش يجمحان بصاحبهما عن الرشد، تغيير من أجله أرسل الله الرسل والأنبياء مبشرين ومنذرين واختار من بعدهم ورثتهم من العلماء والصالحين مربين ومجددين، فما وهنوا ولا جزعوا مما أصابهم من عنت وضيق من طرف من لم يطق هجر عاداته وأنانياته، بل صبروا على إنكارهم وجهلهم وتلطفوا في إرشادهم وإبلاغهم دعوة الله خالصة نقية.

وهكذا سبيل كل دعوة صادقة، فهي تسعى تأسيسا أن تربي مدعويها على الصبر مع المؤمنين وعلى ما يصيبهم من الخلق أجمعين محذرة لهم من شر طريق يمتاز بالشرة والحماس والحركة الفارغة من هذا اللب.

قال الله تعالى: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.

وقال أيضا: واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور.

ومن البيان النبوي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الصبر ضياء” 1 .

واليقين ثانيا بما هو تصديق بالحق و ثبات عليه، يثمره صدق القلب في القيام بواجب العبودية لله سبحانه، وهو روح أعمال القلوب التي هي روح أعمال الجوارح، وبه تهون على المؤمنين فتن الدنيا ومصائبها لأنهم أدركوا نبل غاياتهم وصدق وعد الله لهم بالنصر والتمكين إن هم نصروا دعوته وجاهدوا في سبيله.

وقد خص الله عز وجل المتحققين من عباده بهذا الوصف السني بمنح عظمى نذكر منها:

خصَّ أهل اليقين بالانتفاع بالآيات والبراهين، فقال وهو أصدق القائلين: وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ.

وخصَّ أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالَمين، فقال: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

وأخبر عن أهل النار أنهم لم يكونوا من أهل اليقين، فقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ.

ونقرأ من سورة الحجرات أن أناسا أتوا النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا يا رسول الله إنا قد آمنا بك، فأرشد الله رسوله إلى أن يقول لهم إنكم لم تؤمنوا، ولكن بلغتم الإسلام، لأن إيمانكم إيمان لسان ولم يترسخ في قلوبكم بعد. قال تعالى: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم. ثم قال: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا.

الإيمان الذي ينفعنا ويريده الله منا ويريده القرآن منا هو الإيمان القلبي والإيمان اليقيني ولعل كلمة الحصر(إنما) تشير لذلك، وطالما لم يبلغ العبد اليقين فإن نقطة الشك ستظل قائمة فيه.

الإمامة في الدين

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله عن منزلة اليقين: هو من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافسَ المتنافسون، وإليه شمَّر العاملون، وعملُ القوم إنما كان عليه وإشاراتُهم كلُّها إليه، وإذا تزوَّج الصبر باليقين وُلد بينهما حصول الإمامة في الدين).

قال الله تعالى: وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ.

هداية التوفيق

الهداية التي بأمر الله عز وجل هي ما يجريه الله تعالى من توفيق على أعمال الدعاة إلى دينه الذين يبلغونها العباد كما أمروا دون التفات إلى ثمرات جهودهم التي يتولى الله تعالى أمر حصولها،وهذه هي هداية التوفيق التي أخبر الله عنها في قوله تعالى وهو يخاطب نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. فالله تعالى لم ينف عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مهمة هداية الدعوة تبليغا مصداقا لقوله عز وجل: وما على الرسول إلا البلاغ. ولكن نفى عن عمله ثمرة هداية التوفيق وأثبتها لتقديره سبحانه.

تثمر جهود الدعاة إلى الله بتوفيق وتسديد من الله سبحانه إن هم صبروا على مشاق الأنفس والآفاق وأيقنوا أن النصر والغلبة لهم كما كتبها لرسله وأصفيائه من عباده.


[1] جزء من حديث رواه مسلم.\