1. الشباب وتصحيح مسار التغيير والثورة

عند بداية انتفاضة الشعبين المصري والتونسي قلنا إن مسار التغيير مسار تاريخي ينبغي أن يجمع على وضوح بين ثلاث كليات: كلية المشروع المجتمعي الذي يفرز نظرية سياسية متكاملة، وكلية القيادة الجامعة، وفي الحالة الإسلامية هي قيادة ربانية، وكلية السواد الأعظم المعتنق لهذا المشروع، والذي يشكل الشباب قاعدته الهرمية التي تشكل فيه الحركة الطلابية محوره وعمود فسطاطه؛ إذ هذه الأخيرة في المجتمعات المسلمة أداة مجتمعية استراتيجية وعمق مصيري حاسم.

من هذا المنطلق يمكن القول إن نتيجة التحولات الكبرى التي عرفها العالم مع انهيار المعسكر الاشتراكي وفقدان اليسار عمقه المجتمعي، ومع سيادة قيم العولمة بشكل غطى كل المجالات والقطاعات، أصبحت الحركة الطلابية خصوصا، وحركات الشباب عموما، تشتغل على درجة كبيرة من الغموض في الوسائل والأفق، مما جعلها في مواقع حركية غير واضحة ومضطربة، الأمر الذي ساهم في تقوقعها على الرغم من توفرها على أعداد هائلة.

فقد كانت من الأخطاء الجسيمة التي سقطت فيها كثير من الحركات الطلابية والشبابية أن تحولت إلى عمل الجمعيات الصغرى التي تفقد معه امتدادها المجتمعي العميق، وإن كان هذا اسلوبا مناسبا للأحزاب الإصلاحية فإنه يتعارض كليا مع طبيعة المشاريع التغييرية الكبرى كما تبشر بذلك الحركة الإسلامية.

ولذلك لما كان “الربيع العربي” استثمرت الحركات الإسلامية واليسارية، خاصة الإسلامية لتوفرها على أعداد كبيرة، الشباب كأعداد وفرت وسيلة لتنظيم ميادين الثورة بحكم خبرتها، ولم تجد فيها العمق الحركي المجتمعي الذي يقود الثورة إلى مداها لأنها فقدته في ظروف الارتباك العملي منذ بدايات التسعينيات إلى يوم الربيع العربي.

لقد انتقلت الحركة الطلابية بشكل بطيء، أدى إلى عدم ظهور آثاره السلبية في حينها، من موقع النضال المجتمعي ذي العمق الاستراتيجي إلى موقع النضال الجزئي، والأدهى من هذا إلى العمل الفوقي الذي توفر له زخم جماهيري غطى على معنى الحركة الطلابية كعمق مجتمعي، ومن ثم فقدت الحركة الطلابية، باعتبارها طليعة حركة الشباب وقلبه النابض، الموقع الذي يخولها الريادة المصيرية لحركة المجتمع وتوفير الوقود المعنوي والحركي الضروري للوصول إلى بر الأمان وتحقيق أهداف التغيير على المدى البعيد بما تنجزه من مهام لبنة على لبنة.

لذلك كان الطلاب مكونا محوريا وغالبا في الانتفاضات في الربيع العربي، لكنه كان على حال لا تسمح له البتة بالقيام بالضروري لإيصال حركة المجتمع إلى مداها، وقد أضيف هذا إلى التدهور الحاصل في نمط القيادة المجتمعية التي تصدت لأمر تدبير تفاصيل الحراك المجتمعي في ظروف مفاجئة ودقيقة الاختيارات.

من هنا استغرق ترتيب ببيت الحركة الطلابية في مصر وقتا طويلا بالنظر إلى حاجة الثورة الدائم والملح إلى الحركة الطلابية وحركة الشباب الجامعة، مما فوت فرصة الحسم مع مبادرة الثورة المضادة التي تمكنت من التموقع المناسب لتقود عملية الانتقام الشرس.

لكن، وعلى الرغم من الوضع الذاتي للحركة الطلابية في مصر، وفي البلاد العربية عموما، وعلى الرغم من الهجوم العنيف والمنظم للثورة المضادة على معاقل الحركة الطلابية، فقد أدركت هذه الأخيرة مسؤولياتها التاريخية وعاودت بناء الذات، ولو في ظروف معقدة، لتأخذ الموقع المناسب الذي ينبغي أن تمارس من خلاله حركتها خدمة لمطالب أمتها في التغيير والتخلص من مصادر الفساد والاستبداد، خاصة لما يكون على يد الثورة المضادة، وهو موقع يوفر إمكانية اتخاذ زمام المبادرة من جديد.

2. الولادة الجيدة للحركة الطلابية الإسلامية

تعني الولادة الجديدة للحركة الطلابية الإسلامية أمرين:

الأول: اتخاذ موقعها الطبيعي ضمن حركة المجتمع، وهو موقع تبني حقوق المظلومين والمستضعفين، ومن غالبيتهم الطلاب في بلاد يسيطر عليها الفساد ونهب الخيرات والمال العام واحتكار السلطة والثروة، ومن ثمة القيام بالواجب عليها وفق استراتيجية حركية عميقة تروم المساهمة الواجبة لتحقيق العدل وسيادة القيم النبيلة في حياة المجتمع وجميع مؤسساته بناء على نظام تفكير مصيري ممتد في الزمان.

وهو ما يقتضي إعادة إنتاج نوع جديد من القيادة الطلابية متخلص من الشكلانية والعمل الفوقي والأناني، وله قدرة أخلاقية على الاستيعاب والاحتضان منجمعة كليا في معاني الفتوة التي تجمع بين قيم الشجاعة والتواضع والذلة على المستضعفين والعزة على الظالمين، والرحمة والحكمة بما هي عمق نظر والحرص على موافقة الصواب.

الثاني: إعادة النظر كليا في امتداد فعل الحركة الطلابية المجتمعي من خلال بناء جسور التواصل والعمل مع باقي القطاعات العمالية بترسيخ قيم العمل النقابي الذي يعني توفير القوة المجتمعية التي لا يمكن لأحد تجاوزها أو تجاوز مطالبها العادلة المنسقة والمشروعة، وبترسيخ العلاقة الحركية الاستراتيجية مع الحركة التلاميذية.

لقد استفادت أنظمة الاستكبار ونهب الخيرات وتدمير القيم النبيلة من ضرب هذه القوة المجتمعية، التي عمودها الشباب باعتباره قوة مجتمعية ممتدة في كل القطاعات، وهي قاعدة الهرم في المجتمع.

فمن بالغ سرور كثير من الأنظمة السياسية العربية أن وفقت، بأساليب لا حصر لها، في جعل الحراك “كنتينوهات” معزولة كل واحد منها لا علاقة له بالآخر؛ فاستفردت بكل واحدة على حدة وعملت على تمزيقه وإضعافه من الداخل باعتماد ما لا يحصى من الوسائل، حيث استثمرت لحظة الغموض والارتباك التي هيمنت على واقع النضال والحراك المجتمعي منذ التسعينيات الذي تعمق بعد 1999 مع فرض تصورات مرتبطة بغلبة قيم العولمة.

من هنا، فالولادة الجديدة للحركة الطلابية، التي ستستغرق وقتا لا بأس به ولو توفر الوعي بها لدى قيادة الحركة الإسلامية، تعني إعادة النظر في معنى وجودها الذي سيبنى عليه إعادة تدقيق مضمون حركتها وتحديد مهامها، ومن ثمة اكتشاف الأسلوب التنظيمي والهيكلي المناسب لهذا كله بما يحقق واقع القوة المجتمعية الزاحفة بالحق إلى الحق لإقامة الحق.

إن القوة الشبابية، وخاصة الطلابية، لا معنى لها في ظل العمل الفوقي والنخبوي مهما كان حجمه وأهميته، وإن قيمتها المجتمعية الرسالية حاصلة في قدرتها على تغطية حركة المجتمع في ظل قيادة مجتمعية حقيقية لا افتراضية وفق رؤية استراتيجية واضحة لا تبغي عن غير موقف خدمة المستضعفين بديلا. ولا شك أن من يريد خدمة المستضعفين يجب أن تتوفر فيه قيم من دونها لن يكون مؤهلا لهذه المهمة العظيمة حتى ولو رفع شعار الإسلام.

وهنا يجب أن تستحضر الحركة الطلابية عموما، والإسلامية خصوصا، قضية بالغة الخطورة؛ مفادها أن القوة المجتمعية لا تبنى أبدا بالعنف، بل هو عين خرابها ودمارها وربما نهايتها.

لذلك، فالحركة الطلابية مع ولاتها الجديدة، وهي تبحث وتصنع القيادة المناسبة لهذه المهام، تتجه مباشرة إلى المساهمة من موقعها الهام في بناء هذه القوة من دون عنف وتحرص حرصا شديدا على أن لا يخترق وجودها.

فبنفس القدر الذي تحرص فيه على عدم اختراق العنف لصفها، فإنها تحرص على أن لا يخترقها نوع القيادة الشكلية الفاقدة للعمق الأخلاقي الذي يرسخ القدم في بحر التواضع والخدمة، والعمق الفكري الذي ينظر بعيدا بعيدا بعيدا.

3. هل هناك ظروف مناسبة لهذه الولادة الجديدة للحركة الطلابية الإسلامية؟

الجواب: نعم.

إن شباب فلسطين، كل فلسطين، غزة ورام الله و48 بما فيها القدس المنتفضة، وشباب مصر، خاصة حركته الطلابية، يعطي الدرس البليغ في الباب، ذلك أنهم يشتغلون في ظروف أصعب مما يمكن تصوره من بعيد، لكن استطاعوا أن يصنعوا الحدث الكبير.

فقد فاجأت الحركة الطلابية انقلاب الثورة المضادة في مصر، رغم ظروفها الصعبة، وهي تلملم جراحها رغم الضربات الأليمة والجراح المؤلمة وتبعث الأمل في شعب أزعجه كابوس القتل والتشريد الذي لا يقل عما تفعله الصهيونية في فلسطين بالشبان والنساء والأطفال.

كما فاجأ شباب فلسطين، كل فلسطين، الكيان الصهيوني بحجم ونوع الإبداع في مقاومة غطرسته.

إن الحركة الطلابية، بحكم طبيعتها وطبيعة موقعها المجتمعي والسياسي، تتوفر على إمكانيات التجدد والإبداع، ولذلك فهي تتعارض أبدا مع نموذج النمطية في العمل والاستكانة إلى أساليب قد يظهر عدم جدواها في المستقبل ما بالك في الحال المعيش.

ويمكن تلخيص العوامل في اكتشاف هذه العوامل الذاتية وتفعيلها في ثلاثة عوامل أمام هذا الإقبال الشبابي على الإسلام:

الأول: مواكبة القيادة المجتمعية لحركة الشباب عموما، وخصوصا الحركة الطلابية بما هي قطبها وعمودها، حيث توفر هذه المواكبة القدرة على التوجيه الصحيح والنصح المناسب حتى لا يكون كلامها في غير موقعه، مما يؤدي إلى اهتزاز علاقة عموم الشباب مع القيادة، وهو أمر خطير ولا ينغي حصوله باي وجه من الوجوه.

الثاني: توفير قيادة تاريخية للحركة الشبابية، وخاصة الحركة الطلابية، والحفاظ عليها باعتبار أن هذه عملية مهمة ومصيرية في حركة المجتمع.

ومن وظائف هذه القيادة ترسيخ القيم النبيلة وتحريك الحوافز السامية والحفاظ على وضوحها ووضوح الأفق الحركي من خلال ترسيخ الوعي الصحيح بالمهمة والوظيفة الشبابية الآنية والمستقبلية والمصيرية.

الثالث: بناء القيادة الوسطى والمحلية للحركة الشبابية وفق معايير الاستقامة والفتوة وفي إطار من نظام الشورى والحرية التي تجعل علاقة القاعدة الشبابية بالطليعة القيادية الشبابية علاقة المحبة والاختيار الحر، ومن ثمة المشاركة الحرة والإرادية، ذلك أن من طبيعة الشباب الشعور بعدم الرضى ومن ثم عدم الفعالية عند فرض القيادة عليه في الميدان.

وهو ما يوفر الإمكانية الهائلة على التنظيم قاعديا، حيث يشكل هذا المستوى من التنظيم والمشاركة المؤشر الحاسم على المعنى العميق والمجتمعي للحركة، ويضمن لها الامتداد والاستمرارية.

إن الفشل في إبداع الأشكال التنظيمية والهيكلية على مستوى القاعدة يعني الاهتزام الكامل لحركة الشباب عموما والحركة الطلابية خصوصا، كما يعني سقوطها في نمط الهيكلة الفوقية التي تستهلك وقتا وجهدا كبيرين وتكون قائدتهما ضعيفة وليست في مستوى الجهود والتضحيات المبذولة، ذلك أن إنفاق جهود تواصلية وتعبوية فوقية هامة يجب أن تأخذ حقها الطبيعي في الحركة وضمن واقع هيكلي منسجم في تقسيم الأدوار والمهام، لكن ما يعطي لهذا المستوى من الفعل قيمة هو حينما يكون في سياق حركة القاعدة العريضة القوية والكثيفة والمنظمة والمعبأة على قواعد الشورى والحرية والإبداع والأفق الحركي الواضح جدا.

4. رسالة خاتمة

وهكذا يمكن تقرير التالي: إن الحركة الطلابية لا معنى لها ولا قيمة إلا ضمن استراتيجية تحررية واضحة تسهر على تنفيذها قيادة راسخة القدم في بحر القيم النبيلة وبحر خدمة المستضعفين، وهو ما يعني أن هذه الحركة لا قيمة لها حقيقية في المجتمعات المسلمة إلا ضمن مشروع تغييري شامل بقيادة ربانية وليس سياسية محترفة للسياسة، وهو ما يعني أن قيادة الحركة الطلابية في مجتمع مسلم لا معنى لها إلا إذا كانت تتوفر على مؤهلات تؤهلها لتلقي قيم الربانية وتسهر من خلالها على بناء قواعد الحركة الطلابية خصوصا والحركة الشبابية عموما على قيم البذل والتضحية، حيث تعلم أن المجهود في تحصيل العلم والمقام العلمي الرفيع خدمة للأمة والإنسانية لا ينقصل عن المجهود النبيل في بناء القوة المجتمعية لرفع الحيف والظلم عن الطلاب وعن الأمة وعن الإنسانية.

ولعل هذا من الدروس الكبرى للثورة المصرية التي ساقها الله لتعيد تعليم الحركة الإسلامية دروسا ربما لا تعلم عند البعض إلا بالصدمة، وقد تكون صدمة مؤلمة. فإلى الولادة الجديدة للحركة الطلابية.

والله الموفق سبحانه للصواب.