بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

أما بعد، إخواني الكرام، أخواتي الكريمات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبارك لكم العام الهجري الجديد، وأسأل الله عز وجل أن يعيده علينا وعليكم باليمن والخير والبركات وعلى الأمة جمعاء بالنصر والتمكين، آمين.

إخواني، أخواتي:

تجتاز أمتنا مرحلة غاية في الشدة، وتواجه تحديات كثيرة تستهدف إنهاكها والقضاء على كل محاولة من خيارها والغيورين عليها لاسترجاع حريتها المسلوبة، وكرامتها المدوسة، وقرارها المصادر. فبعد الاستعمار المباشر وما مهد له ورافقه من مآس تمثلت في إخضاع شعوبنا للمستعمرين الغزاة، وفي النهب الرهيب الذي تعرضت له أوطاننا، ولاتزال، والتجزئة التي فرضت عليها لتبقى في حالة ضعف واستتباع، جاءت حكومات الاستقلال، ووزعت الوعود يمينا وشمالا، وصدق الناس أن مرحلة أليمة قد انتهت، وأخرى واعدة قد أطلت، وارتسمت في الأفق أحلام عراض.

لكن للأسف الشديد، لم يمض وقت طويل حتى انكشف ما كان متواريا، وأدرك الناس أن الاستعمار لم يذهب بعيدا، وأنه لم يخرج حتى مكن لحلفائه وصنائعه وعملائه في المواقع النافذة ليستكمل معهم وبهم الأهداف ذاتها، وليستمر النهب، ويتواصل الاستنزاف.

وما إن تحركت الشعوب في بعض البلاد لإيقاف النزيف، والتخلص من الاستبداد والاستعباد حتى تداعى الأكلة من كل حدب وصوب لمواجهة هذا التمرد المفاجئ على أوضاع مهينة يراد لها أن تستمر، وكبح هذا التطلع الملح إلى الحرية والعدل والكرامة. لقد مضى زمان كانت المؤامرات تدبر بليل، وتنفذ من وراء ستار. اليوم كل شيء أصبح يلعب، كما يقال، على المكشوف. ففي كل يوم وفي كل لحظة تؤكد الوقائع والأفعال وحتى الأقوال إرادة المستكبرين وحلفائهم، وإصرارهم المستميت على أن تبقى شعوبنا في وضعية التابع الذليل، تعاني البؤس والهوان، والمحن والإحن، لاتخرج من واحدة إلا لتدخل أخرى، ولاتتضايق من وضع إلا أقحمت فيما هو أدهى وأمر.

لكن رب ضارة نافعة. فهذا الوضوح الذي أصبح يتميز به المشهد الدولي، وهذا التحيز السافر للسفلة والظلمة بين ظهرانينا، وهذا الصمت المخجل عن الوحشية التي تواجه بها شعوبنا، مثل ما رأينا، ولانزال، في فلسطين التي تتعرض والمسجد الأقصى المبارك للاعتداءات المتكررة من قبل الصهاينة الحاقدين، والقتل والدمار الذي يرتكبه بشار وعصابته وحلفاؤه في سوريا الجريحة، وإثارة الفتن والحروب في عدة أقطار عربية لكي لاتستقر على حال، والمحاولات الحثيثة والسافرة لإقبار ما سمي بالربيع العربي… كل ذلك، رغم ما يصاحبه من آلام، يدفع الأمة لتستفيق من سبات عميق طال أمده.

لم يعد الأمر يحتاج إلى اطلاع واسع أو جهد كبير لمعرفة العدو من الصديق. فالوقائع أبلغ من كل مقال، وأوفى بالمراد من كل خطاب، وأقدر على الإقناع من كل تحليل. ولاشك أن المعرفة الصحيحة بما يجري ويدبر لنا خطوة هامة على درب الفهم السليم بما يعنيه التغيير المنشود، وما يحيط به من متاعب وعقبات لامناص منها.

لست من الذين يقولون إن الربيع العربي قد تحول إلى خريف، ولا من المحبطين الذين يرددون بأن الأمل في التغيير قد تلاشى، وبأن الانقلابيين والمتآمرين على الانتفاضات المباركة والفاسدين قد تجاوزوا القنطرة، وأضحوا أمنع من عقاب الجو، واستتب لهم الأمر. هذا الخطاب جزء من الحرب النفسية التي يتولى كبرها الإعلام الرسمي، ويتابعهم في ذلك ضعفاء النفوس والذين لايرجون لله وقارا. إنما قصدي التأكيد على أن المشهد الدولي قد انفتح بدرجة مفيدة، وعلى عقلاء المسلمين أن يتدبروه جيدا، ويستخلصوا الدروس التي تفيدهم في الإعداد المطلوب في مسارهم اللاحب نحو التحرر الكامل بإذن الله. وأما مآل هذه الانتفاضات المباركة التي عرفتها بلداننا في السنوات الأخيرة، فإنها إلى خير إن شاء الله. ولسنا بدعا من الأمم التي عرفت لحظات مد وجزر، بل وتراجع قبل أن يستقر لها الأمر. سنة الله التي لاتحابي أحدا. ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا.

إخواني الكرام، أخواتي الكريمات:

إذا انتقلنا من الحديث عن المشهد الدولي العام وعن أوضاع البلاد العربية والإسلامية إلى الحديث عن بلدنا بصفة خاصة، نجد أن أبرز ما يتغنى به الحكام عندنا وشركاؤهم هو نجاحهم في إنجاز تحول ديمقراطي في ظل الاستقرار، فأضحى بذلك المغرب، على حد زعمهم، مثالا جديرا بالاقتداء. لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع هي أن بلدنا لايختلف في العمق عما عليه الحال في أكثر البلاد العربية والإسلامية، إلا من حيث الصور والأشكال وطرق التصريف. تماثلت الأنظمة الحاكمة، فتماثلت بالضرورة مخرجاتها وأهدافها وأساليبها في التحكم والتسلط.

فقد زعموا عندنا أنهم أخرجوا دستورا جديدا فوق ما تنتظره جل الأحزاب السياسية، وهذا صحيح، بل وفوق ما يطمح إليه جل المغاربة، وهذا كذب صراح. وزعموا أن هذا الدستور قد أفرز حكومة جديدة، وهذا صحيح شكلا لا مضمونا، وزعمت هذه الحكومة أنها جاءت ببرنامج متكامل توافقت عليه مع شركائها المحترمين جدا لمطاردة الفساد والتخفيف من معاناة الناس. لكن سرعان ما انكشف الغبار، وتبخرت الشعارات، ووجد الناس أنفسهم وجها لوجه أمام الحقيقة الصادمة وهي أن النظام الحاكم لايزال كما كان دائما، يدير شؤون البلد بالأسلوب نفسه، والعقلية ذاتها التي درج عليها منذ عقود، وأن الفساد لايزال يحتل مواقعه، آمنا مطمئنا، بل ازداد تمددا، لم ينزعج إلا قليلا أيام الحراك الشعبي، وأن حتى بعض التنازلات البسيطة التي وقعت مكرا وخداعا سرعان ما تم التراجع عنا، على عادة المخزن. المتأصلة الذي يسخو بالوعود عند الشدة، وينقلب عليها عند أول فرصة. يعد ويمني وما يعد إلا غرورا.

ورغم توالي الشكاوى والاحتجاجات جراء السياسات المتبعة التي أرهقت الناس، وأتعبتهم وأضافت إلى آلامهم القديمة آلاما جديدة، فإن النظام وبمختلف مسؤوليه، سواء منهم من يحتل المواقع النافذة أم الهامشية مثل الحكومة والبرلمان، يصرون على تسمية الأشياء بغير أسمائها الحقيقية، لا أدري أغباء أم اقتناعا بما يعتقدونه صوابا حتى وإن لم يشاطرهم الرأي عموم الناس، أم تدليسا وخداعا على ملة من يجعلون الله عز وجل أهون الناظرين إليهم. فالزيادات المتكررة في أثمان المواد الغذائية الأساسية، وفي فواتير الماء والكهرباء والمحروقات، وما يترتب على ذلك من ارتفاع بالضرورة في أثمان سلع أخرى وخدمات تتطلبها حياة الناس… كل ذلك يدخل في إطار برنامج الإصلاح المزعوم، وبدعوى أنها إجراءات كانت ضرورية لتفادي الكارثة، وكأنما يعيش الشعب المغربي في بحبوحة من العيش، وبحجة أن الصناديق فارغة وليس هناك أي خيار آخر.

ليت الأمر كما يقول رئيس الحكومة، إذن لهان الخطب ولما كان هناك من داع لعتاب أو ملام، ولكن الحقيقة التي يعرفها رئيس الحكومة ومن معه، لاسيما وقد أمضوا في مواقع المسؤولية مدة كافية مكنتهم من معرفة ما هنالك عن قرب، أن هناك خيارات أخرى كان يمكن أن تغني عن اللجوء إلى جيوب المستضعفين من هذا الشعب المسكين. فلماذا لم تتصد حكومتنا الموقرة لبؤر الفساد وما أكثرها، ولإصلاح قطاعات تتعرض لنهب رهيب وتفوت على خزينة الدولة الملايير كان يمكن أن توظف في مشاريع تعود على البلد بالخير الوفير؟ وأذكر هنا بعض الأمثلة على سبيل المثال لا الحصر التي تحدثت عنها تقارير ووسائل إعلام وطنية ودولية:

1) هناك شركات كبرى ورؤوس غلاظ يعصون الله ما أمرهم ولايؤدون ما بذمتهم من ضرائب تقدر بالملايين إن لم تكن ملايير الدراهم. فلماذا لاتطالبهم الحكومة بالقضاء؟

2) وهناك مؤسسات تقدر مداخلها بملايير الدراهم ومع ذلك لا تدفع ولو سنتيما واحدا لخزينة الدولة بدعوى أنها مؤسسات غير ربحية، والحقيقة غير ذلك كما يعلم الجميع. فلماذا لاتتم مراجعة الوضعية القانونية لهذه المؤسسات أو تراجع ممارستها لتنسجم مع وضعيتها القانونية؟

3) وهناك مؤسسات تغولت حتى أصبحت بحجم الأمبراطوريات تسبح في الملايير. فهل تخضع هذه المؤسسات للرقابة والشفافية؟ وما بال الفضائح المالية تترى وقد أزكمت رائحتها الأنوف؟ أليس وراء هذه الأكمة الكثير مما ينبغي القيام به؟

4) وهناك قطاع المناجم وفي مقدمتها قطاع الفوسفاط الذي ما أكثر ما يفتخر بأن المغرب يتوفر على ثلثي أو ثلاثة أرباع الاحتياطات العالمية ويعتبر المغرب هو المصدر الأول لهذه المادة الحيوية. فهل تمثل مساهمته ومساهمات المناجم الأخرى في الخزينة القدر الحقيقي المتعين؟

5) وهناك الأموال المهربة إلى الخارج وتقدر بعدة مليارات من الدولار. ويبدو أن هذه الهواية لم تعد قاصرة على أفراد معدودين في النظام، بل انخرط فيها أفراد كثر. فلم لاتسترجع هذه الأموال أو أقصى ما يمكن منها؟

6) وهناك مقالع الرمال والأحجار، والصيد في أعالي البحار وما يعرفه هذا المجال من نهب رهيب يفوت على الخزينة مليارات الدراهم، ناهيك عن الاستنزاف الفظيع التي تتعرض له ثرواتنا الطبيعية، إذ أن الكميات المستخرجة تكون عادة فوق المسموح به قانونا، مما ينذر بكارثة بيئية خطيرة، فضلا عن الضرر الذي يتهدد آلاف الأسر التي يشتغل معيلوها في هذه القطاعات.

7) وهناك قطاع العقار، وما أدراك ما قطاع العقار، والأرباح الهائلة التي يجنيها قوم أصبحوا أباطرة دون أن يؤدوا المستحقات الحقيقية للدولة. أضف إلى ذلك الاستغلال الغابوي والتفويتات التي تتم بأثمان رمزية لأشخاص معينين فيكسبون الملايير دون أداء الواجبات المستحقة للدولة.

بوسعنا أن نسترسل في تعداد قطاعات أخرى تعرف فسادا مهولا، ولكن ليس قصدنا الاستقصاء، إنما الغرض التأكيد على أن مجالات الفساد في بلدنا كثيرة، ولو تمت معالجتها لما كان بلدنا يعيش هذه الضائقة التي يشتد خناقها على المغاربة، والمستضعفين خاصة، يوما بعد يوم. وإني أتساءل، كما يتساءل كثير غيري، كيف يرجى لبلد أن ينهض وهو يعرف هذا الفساد الرهيب، علما أن ما خفي منه قد يكون أعظم مما هو معروف؟ وكيف نمني الناس بالإصلاح وبالغد الأفضل ونحن لم نر بعد أي خطوة ولو محتشمة في الاتجاه الصحيح تعطي بصيصا من الأمل؟ لا عجب ينتهي بلدنا إلى ما نرى، يراوح مكانه بين عجزين، عجز “حكومة صاحب الجلالة” عن اقتحام معاقل الفساد والقيام بما يلزم، وعجز “معارضة صاحب الجلالة” عن تقديم بديل يحظى بثقة الناس وباحترام الناس.

لقد تعرضنا باقتضاب لمجال المال والاقتصاد وما تعرفه مواردنا الطبيعية من سوء استغلال واستنزاف، فضلا عن الزبونية والتهرب من أداء الحقوق، وليست المجالات الأخرى بأحسن حالا. خذ مثلا قطاع التعليم الذي توليه الأمم المتقدمة غاية الأهمية، وتنفق عليه بسخاء لاقتناعها بأنه أساس التقدم والازدهار، وانظر إلى التخبط الذي يعيش فيه منذ الاستقلال وإلى اليوم. تخبط طويل امتد منذ تأسيس اللجنة العليا لإصلاح التعليم سنة 1957 وتواصل طوال العقود الموالية التي عرفت تأسيس اللجنة الملكية لإصلاح التعليم سنة 1958، وإنشاء لجنة التربية والثقافة سنة 1959، وانعقاد المناظرة الوطنية بالمعمورة سنة 1964، وإحداث المجلس الأعلى للتعليم سنة 1970، وانعقاد مناظرة إفران الأولى في السنة نفسها والتي لم تحرج بنتيجة، وانعقاد مناظرة إفران الثانية سنة 1980، وتشكيل اللجنة الوطنية المختصة بقضايا التعليم سنة 1994، ثم مشروع الميثاق الوطني للتربية والتعليم سنة 2000، ثم المخطط الاستعجالي لسنوات 2009- 2012، ثم بعد أن أقر الجميع بفشل كل المحاولات السابقة، ها نحن نسمع من جديد دعوة رسمية لإصلاح التعليم.

ضاعت جهود وأموال طائلة بدون جدوى لأكثر من خمسة عقود، ولايزال العبث مستمرا. تنقض اللجنة اللاحقة ما أبرمته السابقة، وقد تجتمع لجنة لأيام ولاتخرج بنتيجة تذكر، أو تقترح مشروعا فيقبر، أو يشرع في تنفيذ مجموعة من الإجراءات ثم سرعان ما يتراجع عنها، أو تطبق بعض السياسات لكن بدون فعالية أو لانعدام الشروط الضرورية لنجاحها، وهكذا… وفي كل مرة تأتي الدعوة لإصلاح التعليم ونعود لنبدأ من الصفر. وينسى البعض أن الشيء من مأتاه لايستغرب، ينسى أن التعليم جزء من كل، ومحال أن يصلح الجزء إذا كان الخبث مستشريا في الكل.

لا عجب ينعكس هذا التخبط وهذا الارتجال سلبا على مدارسنا وجامعاتنا، وعلى نوعية التعليم الذي يتلقاه أبناؤنا وشبابنا. مدارس بدون مضمون، بل بضمون يشتت ولايجمع، ويحطم ولايبني النشء بناء متوازنا، معرفيا وروحيا وأخلاقيا، ولايكسبه المهارات اللازمة والفهم السليم ليكون من صناع الحياة.

منظومتنا التعليمية تكرس الإحباط والفشل وعدم الاكتراث، وناشئتنا متروكة في العراء، نهبا لتجار المخدرات وشبكات الدعارة. لاغرو يكثر الضحايا، وتتفشى في أوساط التلاميذ والشباب سلبيات كثيرة غريبة عن ديننا وقيمنا، وتنتشر ممارسات تحاكي أسوأ ما عند المجتمعات البعيدة منا دينا وثقافة وتصورا للكون والحياة والإنسان. وقد ساعد على تفشي هذه السوءات الإعلام الفاسد الذي يتفنن في تسويق الرداءة، وكل ما يفسد الذوق، ويحطم المعاني النبيلة، والقيم السامية اللائقة بالكرامة الآدمية. إنه باختصار، يا سادة ويا سيدات، إعلام نظام الفساد والاستبداد، وتعليمه، واقتصاده، وقضاؤه، وإدارته، وثقافته، وفنونه، وفهمه لحقوق الإنسان والحيوان. الكل يسقى بماء واحد، وبعضه أنكى من بعض. والله المستعان.

ومن القضايا الأخرى الدالة على أن هناك إصرارا لا يني للتمكين لنظام الفساد والاستبداد وتحصينه مسألة الانتخابات التي يثور حولها نقاش كبير هذه الأيام، وما ينبغي القيام به لضمان الشفافية والنزاهة اللتين ظلتا مفقودتين في كل الانتخابات التي عرفها المغرب منذ الاستقلال وإلى يوم الناس هذا. بيد أن التزوير الذي كان يمارس بصورة فجة في المراحل الأولى لم يعد كذلك في السنوات الأخيرة. هذا لايعني أن التزوير قد انقطع، وإنما أصبح يمارس بطرائق أخرى وعبر تقنيات متعددة. وبعبارة أخرى لم يعد التزوير فوضى كما كان من قبل، وإنما أصبح منظما أكثر. وهذا يذكرني بقصيدة للشاعر حافظ إبراهيم رحمه الله يقول في مطلعها:

لقد كان فينا الظلم فوضى فهذبت *** حواشيه حتى بات ظلما منظما

يكفي أن تستبدلوا بالظلم الزور للحصول على المراد مع الإبقاء على نفس الوزن.

ومن الآليات التي استعملت ولاتزال للتحكم في نتائج الانتخابات ما يلي:

1) غياب التمثيل المتساوي للسكان: ولئن كانت بعض الدول تسمح بتفاوت طفيف وعند الضرورة وشريطة ألا يتجاوز 20℅، فإن التفاوت الحاصل في التقطيع المعتمد عندنا كبير وفي عدة حالات كبير جدا ولا ضرورة له إلا الرغبة في إعمال أداة مهمة من أدوات التزوير. ومن ثُم فإن التقطيع غير المتوازن للدوائر الانتخابية لا يزال من الوسائل المستعملة لضمان خريطة سياسية متحكم فيها سلفا.

2) اعتماد لوائح انتخابية يسهل التلاعب بها: فالإصرار على لوائح قديمة فيها الأموات والأحياء، وغير مستوعبة لكل من يحق له التصويت، ولاتخضع إلا لمراجعات بسيطة لا يكون لها كبير أثر، والرفض القاطع لتجديد هذه اللوائح بناء على البطاقة الوطنية كل ذلك يفضح ما يبيتون من سوء نية للتلاعب بنتائج الانتخابات، ولا سيما نسبة المشاركة. يقول العارفون إنه إذا ما اعتمدت البطاقة الوطنية، فإن عدد من يحق لهم التصويت سيرتفع إلى حوالي 25 مليون. وبما أن أغلبهم يقاطعون هذه الاستحقاقات المنظمة على الطريقة المغربية، لاقتناعهم بعدم جدواها، فإن نسبة المشاركة ستكون متدنية جدا، ولن تتجاوز في أحسن الأحوال خمسة ملايين، أي 20℅ فقط. وهذه النسبة ستزري بهذه الانتخابات وبشرعيتها وشرعية النظام عموما الذي يحتاج لتجميل صورته أن تكون نسبة المشاركة أعلى من ذلك. وهذا ما يفسر التمسك باللوائح الحالية التي يقدر عدد المسجلين فيها بحوالي 13 مليون. فحتى وإن لم يذهب إلى صناديق الاقتراع إلا 5 ملايين، فإن ذلك يعني حوالي 40℅. وهو رقم سيقول الفاهمون إنه محترم جدا ولا يتحقق حتى في بعض البلاد الديمقراطية. وإذا لم تستح فاصنع ما شئت أو قل ما شئت.

3) ومن الممارسات التي دأبت عليها السلطات المخزنية أثناء الانتخابات إغراق البلاد بعدد كبير من مكاتب التصويت. وهذا يجعل من مراقبة الانتخابات وشفافيتها أمرا مستحيلا، إذ لا يستطيع كل حزب أن يغطي كل هذه المكاتب. يزعمون أن هذا الإجراء هو لتقريب المكاتب من المصوتين، على وزن تقريب الإدارة من المواطنين، وتسهيل عملية الانتخاب. لكن المقصود كما يعلمه الجميع هو تسهيل عملية العبث بصناديق الاقتراع.

4) الاقتراع الفردي أو شبه الفردي يعتبر هو الآخر من العوامل التي تؤثر على نزاهة الانتخابات في بلادنا بما يتيحه من استعمال للمال من قبل سماسرة الانتخابات. ومن المعلوم أن النظام المعمول به الآن يجعل الأغلبية الساحقة من الدوائر، حوالي 90℅، تخضع للانتخابات الفردية.

5) وهناك أيضا العتبة الانتخابية المتدنية (6℅) التي تؤدي إلى البلقنة والتشتت وتحول دون قيام مجالس منتخبة منسجمة، وغير ذلك من التقنيات المستعملة لتفادي المفاجآت والتأكد المسبق من حصول النتيجة المرجوة.

والخلاصة، في كلمة، هي أن الرهان على التغيير من داخل هذه الشروط هو تعلق بالسراب وترويج للأوهام ليس إلا. ومن ينتظر من نظام الاستبداد أن يعطيه حرية وعدلا وكرامة كمن ينتظر من العلقم أن يعطيه عسلا. لقد أكدنا غير ما مرة ولا نزال، كما يؤكد كثير غيرنا، أن مشكلة المغرب تكمن أساسا في نظامه السياسي، وأن الأزمات الخانقة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أرهقت البلاد والعباد ما هي إلا إفراز طبيعي لنظام سياسي عتيق أضاف إلى الاستفراد بالسلطة والثروة تقريب المداحين المتملقين، وإقصاء الأحرار والمخلصين. نظام عاجز عن معالجة الأزمات التي يتخبط فيها هذا البلد، فأحرى أن يقوده إلى نهضة حقيقية، بل إنه يعتبر، كما يتحدث كثيرون اليوم، العائق الرئيس لأي مشروع تنموي حقيقي. لذلك سواء ذهبت الحكومة الحالية وجاءت أخرى مكانها أم بقيت، وسواء اشتغل فيها النزهاء وأهل المروءة أم انضم إليها من لاخلاق لهم وأخلاق، فإنه محكوم عليها منطقيا وعمليا بالفشل. وسيستمر تغول الفساد، وتتواصل معاناة الناس، إلا أن يقوموا لله ويتعاونوا جميعا ليؤسسوا لتحول سياسي حقيقي، ومغرب جديد، مغرب الحرية والديمقراطية والعدل والكرامة.

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون صدق الله العظيم.

والحمد لله رب العالمين.

السبت 21 محرم 1436 الموافق ل 15 نونبر 2014