يعاني المغرب على غرار الكثير من البلدان لسنوات طويلة عجاف من قلة التساقطات المطرية، ما سبب انخفاضا مهولا في الفرشة المائية وخزانات السدود، ولم يؤثر الجفاف سلبا على المردودية الزراعية فحسب، بل وبات يهدد الساكنة بندرة الماء الصالح للشرب. وإذا كان للتغيرات المناخية التي يشهدها كوكبنا دور كبير في ما يحدث، فإن لتلك التغيرات بدورها علاقة بفعل البشرية، ولا تنفك عن المسؤولية فيما آلت إليه الأوضاع البيئية على الكوكب.

يبدو شعار الردع عن الإسراف في استهلاك الماء، الذي اعتمده المكتب الوطني للكهرباء والماء في المغرب، تُكأةً لإعلان الحرب على جيوب المواطنين، فقد أقدم على زيادات غير مسبوقة في فواتير الماء، المادة الحيوية الضرورية التي لا غنى عنها للفقير ولا للغني، ولا للحضري ولا للبدوي، ولا لأي كائن حي، وامتصاص ما تبقى من أرزاق المواطنين بعد الزيادات الصادمة التي عرفتها قبل ذلك أسعار المواد الحيوية الأخرى، إن بقي فعلا هناك رصيد لدى غالبية سكان البلاد، الذين تعرضت قدرتهم الشرائية لضربات تلو ضربات، وبالخصوص في الآونة الأخيرة.

زعم المسؤولون عن المكتب أن التسعيرة الجديدة العجيبة التي تم اعتمادها تهدف إلى ردع الناس عن الإسراف في استهلاك الماء، ودفعهم إلى الاقتصاد مراعاة لظروف الجفاف ومقتضيات المصلحة العامة للبلاد، حيث يتعين على من يتجاوز قدرا معينا تسديد ثمن باهض “جزاء وفاقا”، وعليه سوف ينحصر المسددون للفواتير الغالية في الطبقة الغنية، ولا بأس في ذلك بالنظر لقدرتهم على الأداء، أما الفقراء فسوف يرغمون على الاقتصاد، ولن يطالهم لظى الفواتير! هراء لا أساس له من الصحة، يراد منه حجب الجشع المحموم الذي لا حدود له لقوم مترفين يعيشون من البذخ ما لا يخطر ببال أهل الخيال!

في بلادنا يحجم المسؤول عن محاسبة من دونه عن لصوصيته ويتغاضى عن نهبه، خشية أن يفضحه، لمعرفته القريبة بتجاوزاته الأكثر فظاعة وخباياه الأشد قبحا، وهكذا يتواطأ القوم من أدناهم في سلم المناصب إلى أقصاهم على مؤامرة الصمت وتقاسم “غنائم” الشعب المنكوب، إنها سلسلة فاسدة من الغش والرشوة والسرقة والمحسوبية والزبونية تغل رقاب المغاربة، يحرسها سيف الاستبداد، ومن يجرؤ على المعارضة أو الاستنكار أو المظاهرات فمصيره المحاكمات والسجون والغرامات، حرصا على بركة الأمن والاستقرار وحفاظا على سلامة الثوابت والمقدسات!

الحفاظ على الماء، كالحفاظ على سائر النعم، والنهي عن التبذير، خلق وتربية وقيم وثقافة، وعند المسلم فوق ذلك كله دين من الدين، فقد قال الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء: إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين (آية 27)، ونهى سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الإسراف حتى في الوضوء ولو كان المتوضئ على نهر عظيم، فما بالك وقت القحط والجفاف، ولذلك فالأمر يتطلب توجيها وتربية وبرامج دراسية وقدوة حسنة، والتغيير المنشود نحو الصلاح ينبغي أن يكون تغييرا شاملا لجميع الميادين والدواليب، ويستحيل إصلاح جانب بمعزل عن الجوانب الأخرى. أما الرهان على غلاء فواتير الماء وغيرها من الأسعار لإرغام المواطنين على الاقتصاد، فهو محض تمويه وخداع. إنها تصرفات فاقدي الحكمة والتعقل، وقرارات من لا تتجاوز نظرتهم أصابع الأقدام، أعمتهم المصلحة الأنانية المتمتعة المتنعمة القريبة عن تبصر المستقبل والآفاق، كما غرتهم خرافة “الاستثناء” المغربي في أحداث ربيع الشعوب، فِعَالٌ لا شك لا تحمد عقباها، قد تأتي نيرانها على الأخضر واليابس لا قدر الله.