نجاح دولة المسلمين في المستقبل رهين بمواتاة نضج البشرية العام في العيش المشترك وفق القيم الأخلاقية والسياسية الكلية، ولا مبرر لتقنعها بخصوصيةٍ تنكر على الناس اجتهادهم وعطاءهم ونماءهم. وليس معها من إضافة ما عدا نور الهدى القرآني النبوي الذي تقترحه على الناس نداء خالدا لمن شاء منهم أن يستقيم.

1- دولة الحق والقانون

تتعارض دولة الحق والقانون مع الدولة التي تتدثر بنصوص الدين لإخفاء الاستبداد والفردانية والظلم، أي الدولة الـ”تيوقراطية” التي يحكمها أناسٌ يعتبرون ممارستهم السياسية مقدسة، وسُلطتهم إلهية معينة من الله، والملوك لهم تفويض إلهي يخول لهم التصرف بأهوائهم دون حدود قانونية أو أخلاقية يقفون عندها، ذلك أن الحاكم خليفة ونائب عن الله، وبالتالي فالله وحده له الحق أن يسأله أو يحاسبه، بل مادام هو ظل الرب فالرب لا يغير ظله. أما الشعب فيُعامل كالقطيع الأصم؛ لا حق له ولا سلطة ولا رأي إلا أن يكون مدحاً وتملقاً وتبركاً.

أما في دولة الحق والقانون فحق الاختيار ثابت اعتقادا وسلوكا، حيث للجماعة الحق في اختيار من يحكمها، ذلك أن قاعدة حق الشعب في اختيار حاكمه بكل حرية هي المخرج الوحيد لنا من ظلمة الحكم المطلق) 1 ، وللفرد جميع الحقوق والحريات في إطار القوانين المتفق عليها، وعلى رأسها قانون القوانين أي الدستور ذو المرجعية القرآنية الجامعة. وطاعة الحكام بعد اختيارهم وانضباطهم للضوابط المتعاقد عليها واجبة، أما إذا أخلوا بالتعاقد فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، بل الواجب هو العصيان كما قال تعالى: ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون (الشعراء: 151-152)، والبدء أولا من مشروعية الحكم إن كان بالشورى والاختيار كما رأينا سابقا، آنذاك ننظر في سياسته، إذ الطاعة لا تكون إلا في المعروف. قال أبو حامد الغزالي: إن طاعة الإمام لا تجب على الخلق إلا إذا دعاهم إلى موافقة الشرع) 2 .

بعض الناس يتمثلون أوامر القرآن ونواهيه أحكاما جزئية تعزيرية للأفراد، ولا يرون سعتها وشموليتها ورحمتها وعدلها. ولا يرجعونها إلى محلها ضمن الكليات الناظمة لها، حيث لا تتخذ دلالتها الشرعية إلا من السياق العام والفلسفة الكلية، والشريعة مصدر الأحكام والضوابط التي توجه الفعل الفردي والجماعي، ولا شرعية للحكم إلا في إطار كليات القرآن، ولا مشروعية للسلطة السياسية إلا بالاختيار والانضباط بضوابط القرآن الكلية، قال الله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرج مما قضيت ويسلموا تسليما (النساء: 64)، يقول علال الفاسي: ما جُعلت الخلافة إلا لتنفذ أحكام الشريعة. ومهما كان النظام الذي تسير عليه الأمة المسلمة في عصورها وبلدانها فالذي يهم ليس هو الشكل، ولكن هو الدستور الذي تسير عليه والقانون الذي تحكم بمقتضاه. ولا يقبل الإسلام أن يكونا خارجين عن نطاق أصول الشريعة لتي جاءت بها المصادر الشرعية وهي القرآن والسنة الصحيحة قبل غيرهما. ولا يتصور الإسلام فصل الدين عن الدولة. لأنه إذا فصل عنها وجب أن تزول ويبقى هو، والإسلام يعتبر الدولة خادمة للناس… ولا يرضى بغير أحكام الشريعة) 3 غير أن شعار الشريعة يحتاج إلى استبصار واجتهاد لاستنباط أحكامٍ تناسب المستجدات والأقضية والنوازل الطارئة، بعد التمييز بين الملزم الثابت والدائر المتغير. دون الخروج عن الغاية من التشريع وهي تحقيق المطالب القرآنية الجامعة؛ العدل والشورى والإحسان. وما يحفظ هذه المطالب. أما الوسائل فتختلف باختلاف الحوادث والأزمنة والأمكنة.

طالع أيضا  معالم تحديث الدولة من خلال مرجعية الأمة -2-دولة تجسد إرادة الأمة

2- دولة تقسيم السُّلط

بناء على أن دولة القرآن هي دولة عدل وشورى وحريات وحقوق وقوانين فإن تقسيم السُّلط هو الوسيلة الحكيمة التي تيسر ضمان تلك القيم والمطالب. ففي القرآن الكريم لا أحد يعلو على القانون، أي أن القانون فوق الجميع، والسلطة التشريعية هي سيدة السُّلط مع حفظ الفصل التام والمنظم دستوريا بينها وبين غيرها من السلط 4 . سيدة السلط إن كانت الأُمة مصدرا لهذه السلط. والقاضي لا يحق له محاباة أحد في تطبيق العدالة والحكم بالعدل ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله بما تعملون خبير (المائدة: 9)، والتشريعات المستمدة من روح المرجعية القرآنية توكل إلى هيئة تُرشحها كفاءتها العلمية والأخلاقية والقانونية لسن القوانين في جميع المجالات.

في وثيقة الدستور –كما يُنص عليه في الدساتير الديمقراطية- ينبغي أن تُنظم جميع السلط وتُوزع وتُبيَّن حدودها، وعن الدستور وانسجاما معه تنبثق جميع القوانين التفصيلية التي تنظم حياة الناس، ومنها قوانين تنظم العلاقة بين السلط: التشريعية والتنفيذية والقضائية، حتى تستطيع السُّلط أن تراقب بعضها البعض وتحد من إطلاقها، وتتخلص الأمة من السقوط في طاحونة الدولة الديكتاتورية التي تسير بهوى الحكام ومصالحهم الاستكبارية، وتؤسس لدولة يعرف فيها كل فرد ومؤسسة حقوقه وواجباته. آنذاك يكون الرئيس كأي مسؤول في الدولة مسؤولا عن أعماله أمام الأمة وفي مجلس القضاء، ويقتص منه وتجري عليه سائر أحكام الإسلام) 5 ، على خلاف اللّعبة المقيتة والعادة الجاهلية التي تسربت إلى المسلمين من جاهليات الفرس والروم قديما، واتخذت من ملوكهم قدوة في الحكم 6 ، أقصد عاهة ولاية العهد التي أفسدت تاريخ المسلمين السياسي، و”دنس الوراثة” مرض عُضال لا يزال مِن المسلمين مَن يتغاضى عنه إن لم يبحث له عن نصوص تسنده وتزين فساده، يقول راشد الغنوشي: ويشعر المرء بالقرف من استمرار هذا العفن قائما في تراثنا الديني وفكرنا السياسي، ويضع يده مباشرة على هذه الألغام التي قوضت حضارة الإسلام وأسلمتنا إلى الانحطاط) 7 ، وكيف لا يشعر المرء بالقرف وقد كان الملك العباسي كثيرا ما يعمد إلى تولية طفل صغير على العهد، بل إن ذلك الطفل لم يكن في بعض الحالات سوى رضيع لم يشب بعد عن الطوق. والذي حدث فعلا في ذلك التاريخ هو أن الأحكام والعقود كانت تستصدر باسم أطفال صغار) 8 .

غير أن تقسيم السُّلط لا يتوقف عند السُّلط الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، كما دافع عن ذلك مونتسكيو في كتابه روح القوانين، بل هناك تقسيم آخر تفرضه طبيعة التفكير والسلوك السياسيين عند المسلمين، يقترحه الأستاذ عبد السلام ياسين، وهو تقسيم عمودي بين مؤسسة الدعوة والتربية (مُربو الأمة) وبين مؤسسة الدولة والحكم (الذين يتصدون للشأن العام)، دون تمايزٍ حديدي يفصل بين الوظيفتين، وإن كانت الهيمنة القرآنية لأهل الدعوة 9 بالتوجيه والتنبيه والرأي.

طالع أيضا  معالم تحديث الدولة من خلال مرجعية الأمة -1-الدولة استخلاف للإنسان

خاتمة

نخلص مما سبق أن دولةً عصرية راشدة سواء سميناها دولة المدينة أو دولة الجماعة أو دولة مدنية – لا مشاحة في الألفاظ – مشتركٌ إنساني لا تختلف فيه الملل والثقافات، فهي مطلب إنساني وحكمة بشرية وأصل من أصول التعايش الجماعي. فمطالب العدل والحرية والحق والسّلام مطالب كونية لا تخص قوما دون آخرين.

كل وسيلة تكتشفها البشرية تخدم المقاصد القرآنية فهي مشروعةٌ مشروعية ما لا يتم الواجب إلا به. فالتداول على السلطة مثلا حكمة بشرية تعصم الجماعة من الاستبداد، وتمنحها مناعة ضد التسلط الأبدي، وتمكنها من التطور وتجويد تدبير الشأن العام، ورفض الظلم والديكتاتورية وحفظ حقوق الإنسان وضمان الحريات العامة وفصل السلط ومشاركة الشعب في القرار والإنجاز والعدل في القسمة مزايا وركائز يثمنها القرآن ويحييها إن هي بُنيت على أساس التقوى، وتوجت السير التربوي الأخلاقي للفرد والجماعة، وتمثله فكرا وسلوكا جماعة المسلمين وطليعتها المجاهدة الحكيمة. دون أن تتحول شعارات القرآن سوطا للنفوس المكفهرة الفاشلة تستعملها لتغطية الاستبداد وسرقة الحق وتعطيل الشورى. إن ركائز دولة القرآن لا يمكن أن تكون ضرورة سياسية، ولا احتراما للتراث، ولا اقتناعا بجدوى المذهب الاقتصادي السياسي الاجتماعي للقرآن، ولا قهرا على رقاب الأمة باسم القرآن. إنما عماد دولة القرآن الإحسان، أي موقف جماعة المسلمين من ربهم موقف العبيد المطيعين. شمولية العبودية التي لا تبعض فتشرك بالله وأمر الله جزئية في الحاكمية، أو التشريع، أو الأخلاق، أو الفكر، أو الاقتصاد، أو السياسة، أو النظام الاجتماعي. عبودية لله شاملة، لا شمولية إيديولوجية تستعبد الإنسان) 10 .

والحمد لله رب العالمين.


[1] ياسين عبد السلام، مذكرة إلى من يهمه الأمر (رسالة إلى الملك محمد السادس)، المغرب، 2000م، ص: 31.\
[2] أبو حامد الغزالي، فضائح الباطنية، تحقيق عبد الرحمن بدوي، الدار القومية، القاهرة، 1964م.\
[3] الفاسي علال، دفاع عن الشريعة، مطبعة الرسالة، ط 4، 1999م، ص: 58.\
[4] ينظر: مصطفى كمال وصفي، النظام الدستوري في الإسلام مقارنا بالنظم العصرية، مكتبة وهبة، القاهرة، ط2،1414ﻫ/ 1994م، ص: 98.\
[5] الغنوشي راشد، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مرجع سابق، ص: 301.\
[6] ينظر: العاملي محمد بن سماك الأندلسي، رونق التحبير في حكم السياسة والتدبير، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1424هـ/2004م، ص: 32.\
[7] المرجع نفسه، ص: 161.\
[8] بنسعيد سعيد، الفقه والسياسة، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1982م، ص: 104.\
[9] ينظر تفصيل العلاقة بين الدعوة والدولة في: ياسين عبد السلام، العدل؛ الإسلاميون والحُكم، دار الأفاق، المغرب، ط 3، 1422هـ/2001م، ص:69-102، ونظرات في الفقه والتاريخ، دار لبنان، بيروت، 1428هـ/2007م، ص: 118-123، وجماعة المسلمين ورابطتها، دار لبنان، بيروت، 1432هـ/2011م، ص: 13-39.\
[10] ياسين عبد السلام، القرآن والنبوة، مرجع سابق، ص: 25-26.\