تسارعت الأحداث في عالمنا العربي وتعددت القراءات لواقعنا المأزوم. وتحول الطموح العربي إلى انهزام وانبطاح، وأصبح الحلم العربي مزعجا والربيع العربي خريفا…

عمل على تأسيس ذهنية القطيع في المنطقة العربية خبراء لهم دراية في فنون الترويض والاقتياد، وذلك بإذكاء روح الفتنة والتفرقة بين الشعوب وتأسيس منظومة فكرية جديدة تبعض الشعوب العربية طوائف دينية وقبائل جغرافية وأجناسا لغوية متنافرة ومتصارعة باسم الدين أو الحدود أو اللهجة…

استعصى على المتأمل لما يقع في زمننا المعاصر التمييز بين الحق والباطل، ومعرفة الكاذب من الصادق، لما يرى ويسمع صباح مساء عبر وسائل الإعلام من صور دمار واقتتال بين إخوة الأمس في العروبة والإسلام، أعداء اليوم حسب درجة الولاء للشرق أو الغرب.

منذ كارثة رابعة بأرض الكنانة، وما آلت إليه الأوضاع في أرض الشام والعراق واليمن… يعيش العالم العربي عبثا سياسيا ممنهجا، ووأدا للثورات العربية الفتية، واغتصابا لمبادئ الديمقراطية التي تقوم على العدالة والكرامة والحرية… واقع يعرف اليوم فوضى عارمة، خلطت فيه الأوراق وانقلبت فيه الصور، حيث أصبح الظلم عدلا والقتل مباحا، فمشاهد الدماء والأشلاء البشرية المتناثرة مألوفة ومبثوثة بشكل تلقائي في القنوات الإذاعية والشبكات العنكبوتية، كما أن ظاهرة الانقلابات العسكرية على المجتمعات المدنية التي كانت بالأمس القريب مذمومة ومستهجنة، أضحت اليوم مستساغة في المنتظم الدولي الذي أصبح هاجسه المصالح المتبادلة بين أطراف اللعبة السياسية الكبرى تحت رعاية الأمم المتحدة التي أنشئت للسهر على تحقيق حقوق الإنسان وأمنه السوسيو ثقافي، إلا أنها أصبحت تؤمّن أركان الاستبداد.

هذا ما أكدته رئيسة الأرجنتين في كلمة لها في الأمم المتحدة نهاية شهر شتنبر الماضي، مستنكرة انقلاب الموقف الدولي في مجموعة من القضايا الساخنة والمفتعلة كالقضية السورية والفلسطينية وطريقة التفاعل مع الربيع العربي… كما استهجن الرئيس التركي اعتلاء زعماء الانقلاب منبر الأمم المتحدة ضدا على إرادة الشعوب التي عافت الفساد والاستبداد، واستنكر كذلك الصمت الدولي غير المبرر تجاه الجرائم الإسرائيلية خلال القصف على غزة. بينما زعماؤنا العرب التي تعيش دولهم على صفيح ساخن، يجلسون على أريكتهم يستمعون لإملاءات السيد الأمريكي يلقنهم دروس “المرحلة الجديدة” في الحكامة والحكم الراشد، ويضع لهم استراتيجية جديدة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خاصة مع ظهور دمى قابلة للانفجار وإحداث الخراب والدمار وهي تحمل راية الإسلام وشعار الدولة الإسلامية!

مرحلة جديدة وصفها ريتشارد ن.هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية بأنها حقبة جديدة أقل خضوعا للنظام وأقل سلمية… فمنطقة الشرق الأوسط اليوم تعيش المراحل المبكرة من النسخة المعاصرة من حرب الثلاثين عاما، حيث تعمل الولاءات السياسية والدينية على تأجيج صراعات مطولة ووحشية أحيانا داخل وعبر الحدود الوطنية…).

عصر من الفوضى تراكمت فيه المشكلات السياسية والاقتصادية، وتداخلت فيه الأزمات العالمية بالإقليمية، كما برزت فيه منظومة جديدة للقيم المجتمعية التي تقوم على قاعدة المصالح وامتلاك مصادر القوة ولو تمت بتأسيس منظمات إرهابية أو مليشيات مسلحة أو شركات كبرى أو منظمات غير حكومية… تسعى من أجل تدعيم أركان الفساد والاستبداد.

حماس الإسلاميين في زمن الربيع العربي، وعدم استيعاب القواعد العامة للعبة السياسية في واقع غير مستقر دفعت بعضهم للمغامرة في تسيير دواليب الحكم، بدعوى المساندة الشعبية القوية. لكن ذلك غير كاف لحفظ التوازن في زمن الطوفان، لأن الغريق – الدولة العميقة – يبحث عن مخرج ولو على حساب المبادئ الكبرى التي أسست عليها الدولة المدنية، ويخرج من سفينة النجاة قراصنة، أصحاب مشروع – الدولة الإسلامية – يحملون الراية السوداء تبشر بقطع الرؤوس وزرع الرعب في مشرق الأرض ومغربها. بذلك يفر الناس من مشروع غير متكامل الأركان.

خلال تقويمه لموقف حركة النهضة التونسية، طالب الدكتور عبد الله النفيسي الحركات الإسلامية بعدم التورط في محاولة الوصول إلى السلطة في ظل هذه الأجواء الداخلية والإقليمية والعالمية لأسباب ترتبط بالغثائية، أي اللهو واللعب والفساد والعبث.

إن مشاركة الإسلاميين اليوم في الحكم، في غياب الشروط المشروطة التي تضمن العمل بمشروع واضح ومتكامل دون إملاء، وتضمن المحاسبة الدقيقة بعد الأداء… مغامرة غير محسوبة النتائج. ولا تعدو أن تكون هذه المشاركة تزيينا للمشهد السياسي وامتصاصا لغضب الأمة على الاستبداد ودائرته، وفي الأخير يُسْتَدرجُ الغلمان إلى مغاوي العنف ومهـاويه، ويقصَفون قصفا فظيعا كما فُعل بالإخـوان من جبهة الإنقـاذ في الجـزائر في التسعينيات، ليتفرَّد حُداة التغريب نوابُ التخريب بالساحة، يتخذون صنائع لهم يدمرون البلاد والعباد يقَتّلون ويذبحون.

تجربة معاصرة كافية لاستخلاص الدرس البليغ والحكمة البالغة ذكر بها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في كتابه: “العدل: الإسلاميون والحكم” عساها تكون عبرة لمن يأتي بعدهم، ويبني مشروعه بتؤدة ورفق، في زمن الفتنة والعبث.