لا نريد الحديث عن مستوى البحث اللساني الجامعي، ولا إشكالية التخصصات، أو الفراغ المهول الذي تركته المغادرة الطوعية، ولا الحديث عن “اللسانيات السياسية”، فالتفكير الإصلاحي التربوي يجب أن يكون تفكير الممكن وتفكير الأمل، والأمل في اللساني أكثر من السياسي. فرغم عقبات تعدد المدارس اللسانية العربية الحديثة وغياب التكوين اللساني لدى أغلب المدرسين، وصعوبة التجديد اللساني، يبقى الأمل في الإصلاح ممكنا.

“اللسانيات التربوية” ووظيفية اللغة

إذا كانت اللغة أصل البناء الإصلاحي، فهي الرابط بين البيداغوجيات واللسانيات، فالبيداغوجي يبحث عن الطرق لتدريس اللغة وتبسيط كفاياتها، واللساني يشتغل على اللغة كنسق لتحقيق التواصل الاجتماعي، فكيف يمكن للسانيات، بمختلف تخصصاتها، أن تبلور مشروعا تربويا ضمن ما يسمى “اللسانيات التربوية” نحل به المشاكل القائمة ونطرح آفاقا جديدة؟

واجهت اللسانيات التربوية على مر العصور مشكلات عديدة، أهمها الافتقار إلى مادة نحوية تعليمية ميسرة للمتعلمين، وقد كان هذا هاجس اللغويين العرب سابقا، فالجاحظ (ت 255 ه) يدعو إلى ضرورة تعليم النحو الوظيفي الذي يجري في المعاملات، ويميز بين النحـو كعلم والنحـو كتعليم، أي التمييز بين اللغة كملكة واللغة كصناعة، فلا تشغل بال الطفل بالنحو إلا بقدر ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن).

كما تؤكد هذه اللسانيات التربوية على ضرورة الاهتمـام بملكة السمـع باعتبارها الحاسة الأولى المساهمة في عملية التعلم، وتسمى ب”الانغماس اللغوي”(immersion) أو bain linguistique، فالإنسان يسمع قبل أن يتكلم.

ثم نجد مبدأ التكرار كعامل أساسي لتحقيق عملية التعلم، هذه الملكة لا تحصل إلا بممارسة كلام العرب وتكراره على السمع والتفطن لخواص تركيبه)، كما يقول ابن خلدون، وهي تقابل مفهوم الكفايـة عنــد نوام تشومسكي، وكثرة التكرار تؤدي إلى الحفـظ، ولا يحصل ذلك إلا بعد فهم كلام العرب.

إن الاهتمام بالمنطوق والمسموع قبل المقروء والمكتـوب والعمل على تنمية اللغة الشفهية يبدو واضحا في الحصص الأولى لتعليم اللغة الانجليزية، ويمكن تقديم اللغة العربية في شكل حوار يسجل على أشرطة مغناطيسية تتحول بعد ذلك إلى مخابر اللغات.

وقد استعمل ابن خلدون مفاهيم تربوية متعددة في كتابه “العبر” كالتدرج والارتقاء، والترسيخ، والارتياض والتخطيط والعرض والحاجات اللغوية، والنحو الضمني…

إن النحو الوظيفي يستطيع أن يكسر الحاجز بين “اللغة الأم” أي لغة البيت والوسط وبين “لغة المدرسة”، فهو يهدف إلى اكتساب الطفل قدرة لا تؤهله لإنتاج جمل نحوية فقط، بل كذلك لإنتاج هذه الجمل فيما يلائمها من سياقات الاستعمال)، وهي القدرة التواصلية، التي تمكِّن الطفل من الفهم والتعبير وتندرج ضمنها الملكات اللغوية والمعرفية والمنطقية والاجتماعية.

واللغة الطبيعية، من الناحية الوظيفية، يمكن أن تجيب عن العلاقة بين الاكتساب اللغوي “اللغة الأم” والتعليم اللغوي”لغة المدرسة”، وتستثمرها لتنمية قدرات التلميذ اللغوية، وتمكينه من نسق معرفي.

إن العلاقة بين الاكتساب والتعلم علاقة محاكاة، أي يمكننا في عملية التعلم خلق بيئة لغوية شبيهة ببيئة اكتساب اللغة الأم، فالتعلم الناجح هو الذي يقترب من عملية الاكتساب، فالطفل أثناء تعلمه للُّغة لا يكتسب معرفة لغوية فحسْب، بل معرفة بالقوانين والأعراف المتحكمة في الاستعمال الملائم للُّغة، في سياقات اجتماعية معينة؛ أي: إنه يكتسب نسق اللغة، وفي نفس الوقت سياق استعمال هذا النسق في مواقف تواصلية معيَّنة.

لهذا يمكن الاستفادة من النحو الوظيفي من نتائجه النظرية والتجريبية في مجال الاكتساب اللغوي، واستثمارها في مجال تعليم اللغة وتعلمها، للرفع من مستوى التحصيل اللغوي لدى المتعلمين، وتنمية قدرتهم التواصلية، بتعلُّم اللغة بنية ووظيفة.

“اللسانيات التربوية” والقواعد التوليدية

إذا كانت الملكة اللغوية في النحو الوظيفي ملكة تواصلية، فإنها في النحو التوليدي، مع نوام تشومسكي، قدرة ذهنية تتجسد في إنجاز معين، والهدف هو دراسة العقل الإنساني الذي يصف المقدرة اللغوية ويفسر ظاهرة اكتساب اللغة الأم، حيث يستطيع الطفل تعلم النسق اللغوي لجماعته اللغوية في فترة وجيزة نسبيا لا تتعدى أربع أو خمس سنوات بدون معلم، فهو يستخلص هذه المعرفة اللغوية الهائلة من سماعه لقومه، ولهذا يرى اللساني المغربي التوليدي، الفاسي الفهري، أن الطفل يجب أن لا يتعلم لغة أجنبية عليه قبل ست سنوات الأولى، ويرى تشومسكي أن ذلك يرتبط بوجود قواعد كلية في جميع اللغات، universel grammar وأن هناك علاقة بين العقل الإنساني وهذه القواعد الكلية، وأن الطفل يولد وعنده نظرية عن طبيعة اللغة الإنسانية شأنه في ذلك شأن عالم اللغة، وأن على اللساني اكتشاف نظرية اللغة التي يولد بها الطفل.

إذن هدف اللساني التوليدي هو الكشف عن هذه القواعد الكلية، الموجودة في النصوص اللغوية التي يمكن ملاحظتها وتفسيرها، أي البحث عن المعرفة اللغوية التي تجعل النص ممكنا.

لقد كان النص العربي نسقا تنسجم فيه الذات مع واقعها، فلم يفرض النحاة ولا اللغويون ولا العروضيون على اللغة تصورهم لما يجب أن يكون، بل كانوا يصفون القواعد كما هي موجودة في النص وكما يقولها العرب، ذهب أحد اللغويين يستقرئ قاعدة الجمع من البدوي مرجع اللغة آنذاك، فقال له: ما جمع سكين، فأجاب سكاكين، ما جمع دكان؟ دكاكين، ما جمع عثمان؟ فقال: عثمانون، ثم استدرك: عثامين، فسأله اللغوي: لماذا لم تجمعها على الوزن السابق؟ فأجاب: أتريدني أن أقول شيئا ليس من لغتي؟) وفي سياق العروض سئل أبو العتاهية عن أوزانه التي لا تخضع لبحور الخليل بن احمد الفراهيدي، فأجاب: علينا أن نقول وعليكم أن تقعدوا)، والعرب لم يكونوا يعرفون لا الفعل ولا الفاعل ولا المفعول إلى حدود القرن الثاني الهجري حيث بدأ تقعيد النحو مع أبي الأسود الذؤلي، ومن هنا كان تقعيد اللغة يتم بناء على السلوك اللغوي وبالاعتماد على النص، الشيء الذي يغيب في النسق اللغوي عند العرب في عصرنا، حيث نخلق تفكيرا قواعديا جافا وأحيانا مصطلحيا أحيانا نسمي المادة: الدرس اللغوي وأحيانا علوم اللغة، ونعني بهما نفس الشيء) دون التفكير في اللغة ولا في بنيتها السطحية ولا العميقة.

لم يقف البحث اللغوي سابقا عند البنية السطحية للجملة العربية، فقد سبق تشومسكي في ذلك، إذ شملت تحليلاته “المستتر” أي العناصر اللغوية الموجودة وغير الظاهرة في البنية السطحية، وتضمنت ظواهر التقديم والتأخير ونظرية العامل، والمحذوف وهي تحليلات اشتغلت عليها اللسانيات التوليدية في النصف الثاني من القرن العشرين، ويمكننا أن نصوغها من جديد في قالب بيداغوجي بسيط.

أما بعد

إن المدخل اللساني بمختلف تخصصاته التي ذكرنا والتي لم نذكر هو مدخل واحد من مداخل الإصلاح التعليمي، فلا أحد يملك عصا سحرية أو يمكن أن يحل المشكل لوحده، فالأمر يرتبط بمشروع نسقي للدولة والنخبة والمجتمع،

والمطلوب أن يكون الإصلاح حاجة واحتياجا ذاتيا، وليس دعوة آتية من الخارج، ولا شعارا مرحليا مصلحيا، وإذا حددنا “الحاجة” و”الاحتياج” أمكن حينئذ تحديد الأهداف المرجوة منه، ثم تعيين الوسائل الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف، ولا بد من التوافق والتعاقد بين كل الفاعلين والمعنيين بحقل الإصلاح التعليمي، وجمع أكبر قدر ممكن من المعطيات حول تطلعات المجتمع المغربي، واختبار المرجعيات النظرية، والمقاربات التربوية، وذلك لربح رهانات التنمية والتقدم، ومجابهة التحديات الوطنية والعالمية الجديدة.

إن تعدد المتدخلين وتنوع مجالات تخصصهم وتداخل المصالح وتجدد المعارف العلمية والتكنولوجية وتغير النظريات التربوية يجعل المهمة صعبة مما يتطلب الاستشارة الواسعة وسعة الصدر وتغليب المصلحة العامة ونكران الذات.