مقدمة

قبل الحديث عن التربية والهوية أستحضر مثلا كنا نحن الصغار نسمعه من الكبار منذ نعومة أظافرنا، كان يضربه الناس في المجتمع المغربي عندما يَشْكُلُ على الأفهام تحديد من هو السابق ومن اللاحق بين شيئين تربطهما علاقة سببية، أو يرتبط وجود أحدهما بوجود الآخر، فيقال “هل البيضة أسبق من الدجاجة أم الدجاجة أسبق من البيضة!؟” هذا التساؤل الفلسفي الوجودي السببي ينسحب على قضيتين من الأهمية بمكان في حياة المجتمعات البشرية، أولاهما التربية بما هي تنشئة وتكوين وتعليم لبني الإنسان، ثانيهما الهوية بما هي تعريف وخصوصية وثقافة وأسلوب حياة يميز كل مجتمع بشري عن سواه، فهل نستطيع الحسم في تقرير كون التربية عندنا أو عند غيرنا هي التي صنعت أو تصنع الهوية، أم إن الهوية هي التي تحدد مبادئ التربية وتتحكم في مناهجها وبرامجها؟ أم إن ثمة أمورا متداخلة بين التربية والهوية، تتكامل أو تسير في خطوط متوازية أحيانا وتتنافس أو تتناقض أحيانا أخرى؟ هذه بعض التساؤلات التي تفرض نفسها في هذا الموضوع الشائك، وهناك أسئلة غيرها مشروعة تحتاج إلى حوار هادئ وبحث عميق بين الفاعلين التربويين والاجتماعيين والاقتصاديين والسياسيين وغيرهم ممن لهم صلة بهذا الأمر البالغ الخطورة، لكي يتحمل كل مكون منهم مسؤوليته الحضارية والتاريخية، وحتى يكون الجميع على بينة من التساؤلات المحرجة الخطيرة الضرورية، من نحن وماذا نريد وكيف نتصرف ومن أين نبدأ وما هي أهدافنا القريبة ومطامحنا البعيدة وما الغاية من وجودنا؟ ولا مفر لأحد من المذاكرة والفهم والجواب.

دلالات التربية

التربية كلمة مشتقة من فعل ربَّى يربِّي وتحمل دلالات التنمية والزيادة والتنشئة والتوجيه والتعديل والتعليم والتكوين، وهي أنواع عديدة، فمنها التربية الجسدية والتربية الروحية والتربية السلوكية والتربية الخلقية والتربية العقلية والتربية النفسية والتربية الجنسية، وهلم جرا، وعندما نحصرها في المجال البشري فيَغلبُ اعتبارُها ممارسةً من لدن الراشد على الناشئ والناضج على النامي، وهذه الممارسة تتم في قالب فلسفي مجتمعي معين ينسجم مع هوية المجتمع، فعلى هذا الاعتبار يمكن القول بأن الهوية تساهم في الإمساك بتلابيب التربية، ووضع خططها ورسم ضوابطها والتحكم في مبادئها ومناهجها وبرامجها.

محددات الهوية

مما لا شك فيه أن لكل مجتمع من المجتمعات البشرية المختلفة خصوصياته الثقافية والتاريخية والحضارية التي تميزه عن غيره، ومبادئه التي يعمل على الوفاء بها، وعاداته وقيمه التي ينبذ من ينسلخ منها أو يفرط فيها، ومتطلباته المادية وحاجياته المعنوية التي لا غنى له عنها، تلك الخصوصيات والمبادئ والعادات والقيم والحاجيات هي التي تشكل بمجموعها هوية المجتمع، وذاك هو الطابع العام الذي تصطبغ به معظم مكوناته، وتعتبره من الثوابت التي لا ترتضي عنها بديلا، لكن هذا لا ينفي وجود أطراف لها رغبة في تعديل تلك الثوابت أو مصلحة في تبديلها.

فإذا سلمنا بكون الهوية هي التي تفرض المعالم الكبرى للتربية وتحدد الملامح الأساسية المرغوبة للتنشئة، فإن طبيعة التربية والتعليم في كل مجتمع مرآة عاكسة لهويته.

فما دور التربية والتعليم بالمقابل في ضمان الحفاظ على الهوية وحمايتها أو على العكس من ذلك العمل على تغييرها أو مسخها؟ وهل من عوامل أخرى تؤثر على الهوية سلبا أو إيجابا، دعما أو هدما، ترسيخا أو مسخا؟

هذه بعض القضايا التي سوف يتم التطرق إليها في هذا العرض، وهناك قضايا أخرى ذات صلة بها لا مناص من استحضارها، أرجو أن تكون هذه المحاولة إثارة للمزيد من التفكير العميق والبحث الجاد في موضوع نراه من الأهمية بمكان خاصة في هذا الزمان، حيث تسود عولمة كل شيء وفي كل ميدان، وأضحت هوية المغلوب عرضة للذوبان.

تأثير التربية على الهوية

إذا كانت الهوية تعريفا وتوصيفا لطبيعة مجتمع ما في مختلف جوانب حياته، فإن التربية بما هي مبدئياً سلاح للحفاظ على الهوية، هي إذن عمليةٌ تعليميةٌ وتكوينية وتوجيهية تستهدف جعل الناشئة في خدمة الهوية، إذ تطمح الأجيال السابقة وتجتهد في تنشئةِ الأجيال اللاحقة تنشئةً من شأنها الحفاظ على الإرث والتراث، والدود عن القيم والمبادئ، بما لا يتنافى مع بذل الجهد والسعي الدؤوب لتطوير الوسائل وتحسينها وتسخيرها لدعم نفس الغاية، ذلك في حضن أمة تعتز بجذورها وهويتها وحضارتها وتخشى عليها عوامل التبديل والتغيير التي من شأنها أن تنتج نسخا ومسخا لما تعتبره ثوابت لا ينبغي التنازل عنها ولا التساهل فيها، ومن مسؤولية الراشد تربية الناشئ على الوفاء بمقتضياتها، وتثبيت ركائزها وتحقيق غاياتها.

بيد أن التربية رغم أن من وظائفها الحفاظ على الهوية، فيمكن استخدامها عكسيا، وذلك بجعلها وسيلةً لتنمية وتكوين نمط حضاري مدني آخر من الفكر والسلوك، والشعور والوجدان، لدى الخلف بما يصطدم مع مراد السلف وراحته وطمأنينته وتطلعاته، ولا ينسجم مع الهوية الأصلية الأصيلة؛ إن الذي يسعى هذا المسعى التغييري لهوية أمة من الأمم، أو مجتمع من المجتمعات، لا يكاد يخرج عن أحد الأصناف الخمسة الآتية:

1) خصم من خارج حدود الأمة جغرافيا أو شعوريا.

2) منبهر بما عند غيره، غير راض عن حاله ومحتقر لبيئته التي نشأ في أحضانها.

3) متمرد على قومه منسلخ عن أصالته لحساب أجندات أجنبية.

4) إما لدواعي موضوعية، علمية كانت أو أخلاقية أو فلسفية أو حضارية.

5) ونظام مستبد لا تسعفه هوية المجتمع في تثبيت حكمه، فيسعى لإرساء هوية بديلة لا تضايق مآربه.

ترى هل ينبغي النظر بالضرورة إلى هذه الأصناف الخمسة أو لبعضها نظرة تخوين واعتبارها عامل هدم وتخريب؟ أم هناك حالات صحية منها تحتمل من الإيجابيات أكثر مما يمكن أن تتضمنه من السلبيات؟ وهل شهدت البشرية لكل منها أو لبعضها أمثلة ونماذج في تاريخها؟

1) أما خصوم الأمة من خارج حدودها الجغرافية، فبديهي أن يخططوا لإيجاد مواطئ أقدام جغرافية وفكرية وثقافية وفلسفية داخلها لأجل تسهيل السيطرة على مقدراتها وغير ذلك من الأهداف الاستعمارية، وقد يتخذون معزوفة قيم الحقوق والحريات والديمقراطية مطية للركوب عليها لضرب القوى المناوئة كما يتعامل الغرب “الديمقراطي” مثلا مع إيران وكوريا الشمالية والصين، لكونها قوى منافسة له على النفوذ والتوسع والمصالح الاستراتيجية، وعليه وجب تصدير الفوضى “الحقوقية” و”الأخلاقية” للنيل من استقرارها وعرقلة تعاظم أدوارها الدولية، وقد يلجأ الخصوم إلى خيار القوة العسكرية ضد أمة ضعيفة لأجل تركيعها ونهب خيراتها كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية حين أبادت الآلاف المؤلفة من الأبرياء في مدن وقرى أفغانستان مسوقة لذلك بأكذوبة محاربة الإرهاب، وحين دمرت البنية التحتية للعراق تحت ذريعة تحرير الكويت، ثم احتلاله متذرعة بخرافة إزالة أسلحة الدمار الشامل الوهمية، مستعملة أسلحة غاية في الوحشية والفتك، كاليورانيوم المنضب الذي تصطلي بنار تبعاته وعاهاته ولا تزال الأجيال الحالية والقادمة إلى ما شاء الله.

خلخلة المنظومة القيمية والثقافية لأمة مستهدفة والتأثير عليها بما يخدم مصالح الأقوياء يتطلب ترسانة من وسائل الإعلام المضلة والأفلام المنتقاة والمنظمات الهدامة والضغوط الاقتصادية والضربات العسكرية، وهلم جرا.

وهناك خصوم للأمة بين ظهرانيها تتغذى أجسادهم في كنفها، أما ولاؤهم الحقيقي وجهدهم الفكري وسعيهم العملي فكل ذلك مسخر لمصالح أعدائها، جسد هنا وروح هناك، فلا يدخرون جهدا في العمل ضد هويتها وضربها وتخريبها من الداخل.

2) أما المنبهر بالغير، فيسعى لانتحال نحلته، ويتمنى الاتصاف بأوصافه، وتَمَثُّلِ جوانبَ من ثقافته وفلسفته، في ذات الوقت الذي يستشعر فيه التنقيص من هوية بني جلدته وبيئته وواقعه، والأمثلة لذلك كثيرة ومتنوعة، نجدها في كافة مكونات المجتمع وفئاته، الممتدة من السياسي المثقف والمفكر المنظر إلى الشاب والمراهق، وإلى الأسرة والطفل، فيعمل هذا وذاك على تغيير هويته وهوية قومه بما أوتي من إمكانات تحت تأثير تربية تشربها ممن أعجب به، بهذا تكون التربية الخارجية عاملا من عوامل التأثير في الهوية الأصلية سلبا أو إيجابا، إذ يمكن أن يكون ذاك السلوك تقليدا أعمى ضرره أكبر من نفعه، حذر رسول الله محمد بن عبد الله عليه وعلى آله أفضل الصلوات وأزكى التسليمات أمته من ذلك عندما قال: “لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى إذا دخلوا جحر ضب دخلتموه”، وها نحن الآن معشر أبناء الدول المتخلفة لا نتبع سنن الذين من قبلنا فحسب بل نقلد أيضا الكثير من مظاهر الحضارة الدوابية المعاصرة في غثها مع الأسف لا في سمينها، وفي سلبياتها لا في إيجابياتها، كما يمكن أن يكون المسعى التغييري للهوية تعويضا لنمط من الفكر والحياة بما هو أفضل منه وأرقى.

3) هناك فاعلون منسلخون من أصالتهم لا لشيء إلا لكونهم مأجورين وموظفين لحساب أجندات أجنبية أو فئوية أو طائفية، هؤلاء لا خلاق لهم ولا دين ولا ملة، والغاية تبرر لديهم كل وسيلة، لا هَمَّ سوى جلب المصالح المادية الخاصة، ولتندثر هوية قومهم ولينمح تاريخهم من الوجود! فهم بمثابة معاول هدم لهوية الأمة عبر بث أفكار ومبادئ تحتقر مقوماتها وآدابها لأجل تغييرها أو النيل منها، المصلحة الشخصية أولى عندهم من كل شيء، أولئك أضل من الأنعام سبيلا.

4) هناك من يسعى إلى تغيير هوية أمة من الأمم لقناعات فلسفية أو حضارية أو دينية أو علمية أو أخلاقية أو لقضاء مآرب أخرى، فعندما يبدو له من خلال مرجعيته الجديدة أن هناك خللا ينبغي تصحيحه، يتخذ من التربية والتعليم والإعلام وغير ذلك من الوسائل المتاحة سبلا لتبديل الهوية أو تعديلها، والأمثلة في الموضوع لا حصر لها وغير خافية على من يتفحص التا ريخ وله إلمام بالصراعات الحضارية وتدافعها وتداولها، أكتفي بذكر أربع أمثلة منها:

– كان الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام كلما ابتعث الحق سبحانه جل جلاله أحدهم، وجد أمته على نمط من الحياة يتخلله انحراف سلوكي أو معاملاتي أو أخلاقي أو اعتقادي أو تعبدي أو غير ذلك، مما يستلزم تصحيحا وتصويبا، فيتخذ نبي الله من التربية الرحيمة المتدرجة والتعليم الرفيق سُبُلاً لإرساء أسلوب حياة جديد طيب بديل، ومن الترغيب والترهيب وسيلتين لحمل البشرية على الاستقامة ابتغاء وجه الله والدار الآخرة وخوفا من شدة الحساب وسوء المآل، فبذلك تغير التربية النبوية هوية الأمة وتنقلها من حال إلى حال، إمام الأنبياء وخاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان القدوة الناصعة والمثل الأعلى في ذلك، فقد أرسى أساس أعظم وأروع حضارة في العالمين، وشيدها على أنقاض جاهلية عبثية دوابية فاسدة مهلكة.

– ثاني الأمثلة يتجلى في سلوك معتنقي الحضارة الشيوعية وعقيدتها الإلحادية، فقد كان الشيوعيون خاصة في أوج قوة الاتحاد السوفياتي يعملون على تربية الطفل منذ نعومة أظافره على الكفر بالله تعالى وبغيبه ونبذ جميع الأديان ونكرانها، يأتي الراشد المعلم المربي فيقول للطفل الصغير “أطلب الله أن يعطيك تفاحة!” فيفعل الطفل، غير أنه لا يرى تفاحة تهبط إليه من السماء كما يتصور بعقله وإدراكه! وعندئذ يقول له المعلم “أطلب مني أنا أن أعطيك إياها!” وما أن يفعل الطفل حتى يسارع المعلم المضل إلى تلبية الطلب وإهداء التفاحة إلى الصبي البريء! بمثل هذه الأساليب التربوية التعليمية، وبغيرها المتمثلة في القهر والإرهاب تمت إبادة حضارات شعوب في ظل الاتحاد السوفياتي وتم طمس هوياتها لفرض هوية أخرى طيلة سبعة عقود من الزمان.

– ثالثها قصة كليلي المشهورة الذي اجتهد لتفنيد الفكر الخرافي الذي فرضته الكنيسة على عموم الناس يومئذ، فأعلن أن الأرض دائرية وتدور حول الشمس، مما أغضب رجال الدين الذين ضغطوا عليه وهددوه كي يتراجع عن فكرته، لكنه صمد ورفض فقتلوه، وترك قولته الشهيرة قبيل إعدامه “ومع ذلك فهي تدور!” وبذلك ترك للعالَم ثورة علمية ذات أبعاد حضارية عظيمة، مات العالِم، لكنه استطاع أن يغير بسلوكه وعلمه وجرأته هوية أمم جاهلة راضخة خاملة، فقامت من ظلمات الجهل المطبق إلى نور المعرفة العلمية.

– رابع الأمثلة هو ثورة مفكري عصر الأنوار الذين غيروا هوية أوروبا من بلدان تعيش في ظل الحرمان والهوان، وفي ظل الاستبداد الوراثي، وفي ظل الدين الكنسي الأفيون، إلى أمم تسودها قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الآدمية، ما ساعد على التقدم والرقي في مختلف الميادين، وإلى حياة الترف والرفاهية، ثم إلى النزوع إلى الهيمنة والسيطرة على الأمم المغلوبة، هي إذن هوية التنعم التمتع وتبادل الحقوق داخليا، ممتزجة بذهنية الاستعلاء إزاء الأمم الضعيفة والاستخفاف بحرماتها وسحقها ونهب أرزاقها، هوية منافقة مزدوجة المعايير، يتنادى القوم لنصرة الديمقراطية هنا ولتكريس الاستبداد هناك، المسألة مسألة مصالح وليست مسألة مبادئ، تتفرج الحضارة الغربية على سفك دماء مئات الآلاف بل وتساهم وتشجع إذا كان الضحايا مسلمون، بينما تهب جحافلها العسكرية لنجدة امرؤ نصراني أو يهودي يُحتملُ تعرُّضُه للأذى في ناحية من بقاع المعمور! هوية صنعها الفكر الكافر آلت إلى الترف والغرور ثم الاستكبار والدمار.

5) صنف آخر لا يقل أهمية عما ذكر، يتمثل في حكام الاستبداد والطغيان الذين لا يألون جهدا في ضرب هوية الأمة في عزتها وأنفتها باستعمال وسائل غاية في الخسة لقتل الوعي والشهامة والمروءة في الشعوب، شهد التاريخ البشري أمثلة عديدة لذلك، وتعيش الأمة الإسلامية اليوم أنصع الأمثلة في حكام الجور والوقاحة والجرأة على الله ورسوله ودينه، فتراهم يقومون بتغيير البرامج الدراسية ومسخها بما يشرعن في عقول الناشئة حكم السيف والرضوخ، واستعمال فتاوي فقهاء البلاط لإضفاء طابع القداسة على الحاكم في عمق الشعور واللاشعور لدى عامة السذج، وبتشجيع الميوعة الأخلاقية ونشر الانحراف في أوساط الشباب، وما إلى ذلك من ألوان الموبقات التي تفتك بمناعة المجتمع حتى لا يقوى على النهوض لاسترجاع كرامته المسلوبة وانتزاع حقوقه المهضومة من بين مخالب الاستبداد الجشعة وأنيابه النتنة.

تحَكُّمُ الهويةِ في مسار التربية

اليابان في عصرنا مثال واضح لأمة تعتز بهويتها وتشد عليها بالنواجد، ومن اطلع على البرامج التربوية التعليمية في تلك البلاد سيقف على العجب العجاب، وسيجد بلا شك صعوبة في فهم أنى لتلك العقول العلمية التكنولوجية الجبارة أن تدين بالديانة البوذية وتصدق بها وترضخ لها وتستسلم، سيادة الروح البوذية بحمولاتها الفلسفية والأخلاقية والاجتماعية في البرامج التربوية والتعليمية من أدنى المستويات الدراسية إلى أعلاها لا مجال لمناقشته، رغم الانفتاح على الثقافات الأوروبية والعالمية، فالشخصية اليابانية على العموم وفية لهويتها أينما حلت وارتحلت، طريقة تعاطي الإنسان الياباني مع اللباس والتقاليد والطقوس والأخلاق والمعاملات والرياضات والعادات والعبادات، تميزه عن غيره، وليس للتربية والتعليم أن يسبحا ضد تيار الهوية ” المقدسة” بل أن يكونا خادمين طيعين بين يدي قداستها.

قرأت مؤخرا قصة غريبة لشرطي فرنسي سلم على زملائه مزاحا باللغة العربية، فتعرض المسكين لعقوبة قاسية في بلاد حرية التعبير! ولا ندري ما الذي بلغ بالسلطة الوصية في فرنسا إلى هذا الحد، هل هو كره لغة الضاد وهوان أهلها، أم هو الحرص على لغة بلاد ثقافة الأنوار؟ على كل حال فالانتصار للهوية الوطنية وارد لا مراء فيه، والاعتزاز بها حاضر لا ريب فيه، الهوية الفرونكفونية تعاني وتقاوم لأجل البقاء في ظل المنافسة الشرسة للحضارات واللغات الصاعدة، معتمدة على برامج تربوية وبيداغوجية وتعليمية وطنية في فرنسا، وعلى الوسائل الاقتصادية والعسكرية لضمان استمرار نفوذها في المستعمرات القديمة، ولك أخي القارئ الكريم أن تتأمل كيف ينتشي المثقفون المغاربة والجزائريون وغيرهم من أهالي مستعمرات فرنسا، وكيف يفتخرون عندما يحدث بعضهم بعضا بلغة المستعمِر، خاصة إذا كان يتقنها ويتمثل حركات وإيماءات ونظرات الناطقين بالفرنسية، إنه الاستلاب الثقافي في أبشع صوره، استشعار النقص يجعل المغلوب ينتحل نحلة الغالب، كما عبر عن ذلك ابن خلدون رحمه الله، مفخرة علماء الاجتماع المسلمين، ولا يدري مثقفونا المغفلون أن اللغة الفرنسية قد تجاوزها الآن ركب اللغات، لكن هوية النظام الحاكم لبلادنا قد شرعنت لنا هذا النمط التربوي شئنا أم أبينا، على هذه فشد يدك يا أخي، لنعلم مصدر الداء قبل الحديث عن الدواء.

في المغرب الأقصى، هوية الماسكين بالزمام بعد رحيل عساكر فرنسا هي التي تسري في الشعب رغم مقاومة المصلحين. صنائع الاستعمار غيروا ويغيرون هوية البلد من حياء وحشمة إلى ميوعة ووقاحة، ومن عفة وطهارة إلى فحش وفجور، ومن ورع إلى جشع، وهلم جرا، تربية استعمارية صنعت جيلا من المثقفين المغربين استأمنهم المستعمر على مصالحه قبل الاستقلال الصوري “الاحتقلال”، وأجلسهم على سدة الحكم، ونفذ وارثو الاستعمار مخططاته التربوية والتعليمية والإعلامية، فأفرزت فينا هوية جديدة ممسوخة تحت ظل الاستبداد، خمر وعري وربا ورشوة وقمار وسرقة وسباب وفظاظة ووقاحة وفاحشة في واضحة النهار على مرأى ومسمع من العباد، قبل الاستعمار كان الوضع معاكسا ومختلفا تماما كما يقال بمائة وثمانين درجة عما هو عليه الآن، أسلحة المغربين الفتاكة المجدية التي سخروها شر تسخير لتحقيق تلك الطوام كلها هي التربية والتعليم والتقليد والإعلام.

ويحق لنا أن نتساءل كيف أصبح الفسوق والمنكر معروفا متعارفا عليه عاديا في المجتمع؟ من المسؤول عن هذه الثقافة السائدة؟ لنقف أخي القارئ قليلا ونفكر في أمر التربية والتعليم بالمغرب، لو كان الأمر بأيد أمينة مستقلة نزيهة خبيرة، هل ستصل البلاد إلى هذا الحضيض على المستوى الثقافي والأخلاقي والعلمي والتكنولوجي الذي وصلت إليه؟ كلا والله، يكفي الزائر للمغرب أن يتجول قليلا في أي شارع بمدينة مراكش أو الرباط أو البيضاء أو غيرها ليتعجب أشد العجب، وليتساءل هل هو فعلا في بلاد الإسلام أم في بلاد العم سام، المغرب الحبيب يُرغم على الانسلاخ من هويته الأصيلة لصالح هوية تلامذة الاستعمار بمخطط تربوي تعليمي إعلامي محكم، وهو الشيء ذاته الذي تفرضه أمريكا على أفغانستان الصامدة، لكن بقوة الحديد والنار، كما سعت لذلك في حق العراق الشهيد بطرق ماكرة أخرى لم تسلم منها أيضا بلدان الخليج المأسورة بقيود جلادي أمريكا المحكومة بسلطان عملاءها، وكما يفعل الاحتلال الصهيوني الهمجي لطمس معالم وهوية بلاد فلسطين الجريحة النازفة بكل الوسائل الجهنمية الشيطانية المتاحة منذ سنة 1948 م.

خاتمة

قضيتا التربية والهوية هَمَّانِ حضاريان متداخلان في حياة الأمم والمجتمعات البشرية لا تنفك إحداهما عن الأخرى، ومن الصعب على مفكر عميق الفكر أو منظر ثاقب النظر أن يجيب ببساطة عن التساؤلات الفلسفية من قبيل مَنْ مِنَ المسألتين تصنع من؟ ومن منهما تسبق من؟ لكن هذا لا يمنعنا إن كانت لنا إرادة صادقة وعقدنا عزما ماضيا، ولا يمنع أية أمة باحثة جادة، من إيجاد الأجوبة عن الأسئلة المصيرية والوجودية، من نحن؟ وماذا نريد؟ وأين نبدأ الإصلاح لتحقيق الصلاح؟ وماهي أهدافنا القريبة ومرامينا البعيدة؟ وما الغاية من وجودنا؟

دون إيجاد الأجوبة العلمية العملية الدقيقة لهذه الأسئلة المحرجة والعمل بمقتضياتها لن نعدو أن نكون كَمًّا مُهْمَلاً في العالمين.