أثارني مقال لكاتب محسوب على أصحاب “الإصلاح من الداخل” يدعي فيه أن المغرب يعيش “استثناء” بين الدول العربية، على اعتبار أنه بعيد كل البعد عن القلاقل التي تجري في الشرق.

استغربت بداية لما قرأت، لكنني تأكدت تماما أن لخيار الانصهار في دواليب الحكم حماة ومدافعين. فكيف يجرؤ هؤلاء على هذا التوصيف والحال كما تعرفون؟

لا أدري هل نسي أن المغرب ما زال يحتل دائما ذيل الترتيب عالميا في تصنيفات تهتم بالاقتصاد والتعليم والصحة والسياسة، أم إنه يعيش مع من يحيى خارج “دائرة المعاناة”، الذين لا يشعرون باضطرابات البلد الاجتماعية، وما يعيشه المواطنون المغاربة من ضربات موجعة يتلقونها بمرارة واستغراب كبيرين.

إن المطلع على نقاشات الناس في منتدياته الشعبية يعرف جيدا أنه بمجيء أصحاب “الخيار الثالث” إلى دواليب الإدارة أصبحت البلاد تعيش ـ بشكل متسارع ـ على إيقاع “النكبات”.

إن الإمكانات المتاحة بين يدي أصحاب “الخيار الثالث” محدودة ومرسومة بعناية؛ إما السير في اتجاه “الغرق” في المؤسسات والعمل على “تنظيف” ما خلفه السابقون الأوائل، أو الالتحاق بركب “المؤسسات العميقة” وإرضاء أصحاب القرار الحقيقيين، أي ضرورة الاستمرار في الدفاع عن “الإصلاحات”، وهذا الأمر رهين بالسباحة ـ وبدون شروط ـ في بحر”المؤسسات” والحلفاء من الأحزاب المشاركة في الحكومة، وبذل الجهد في التنسيق والتعاون. وهذا يعني ـ من بين ما يعنيه ـ أن قدرة أصحاب الخيار المذكور على تكسير الحدود المرسومة هو من قبيل الوهم والحلم؛ فـ”الإصلاح” محكوم هنا بأمرين: إرادة “المخزن” والتحالف مع الأحزاب المشاركة في الحكومة.

لا ننكر أن أيادي أصحاب هذا الخيار كانت “نظيفة” قبل الدخول إلى “مطبخ دار المخزن”، ونرجو أن تبقى كذلك، وأن إرادتهم للإصلاح لا ينكرها أحد، لكن وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على توليهم رئاسة الحكومة، يظهر أن محاولاتهم قد اصطدمت بـ”إرادة قوية” لأصحاب المصالح الكبرى/الضيقة، وتم الإقرار ـ من طرفهم ـ بأن الواقع السياسي المغربي “معقد”، ويحتاج إلى المزيد من الجهد والوقت لتبديد كل ما من شأنه أن يعيق مسلسل الإصلاح الحقيقي؛ فحصيلة هذا الإصلاح لحد الآن لا ترقى لمستوى البرامج السياسية التي تم التعاقد مع المغاربة المنتخبين على أساسها، والذين استبشروا خيرا بنجاح أناس نظيفة أياديهم.

فما الداعي أيها “الأفاضل” أن تذهبوا في اتجاه ممارسة ما كان يمارسه “البصري ورجاله” وأن تنكروا على الناس مبادراتهم لوضع اليد على مكمن الداء، والعمل على التعريف والتنبيه للقضايا المصيرية التي سيلاقيها أي إصلاح حقيقي أمامه، سواء قاده “الإسلاميون” أو غيرهم.

من جهة أخرى تم التنصيص من عدة جهات ومؤسسات وتنظيمات وشخصيات هامة من أن الشعب المغربي لم ولن يسامح من سار في ركب الفساد أو “تولى إلى الظل” بدعوى أن هناك “حيوانات مفترسة” تمنع هذه الإصلاحات، وأنهم أصبحوا الآن غير معفيين مما آلت إليه الأوضاع من تفاوت في توزيع “الثروة الضائعة”، وإثقال كاهل صندوق الدولة بالديون التي وصلت إلى مئات المليارات من الدراهم، والإجهاز على مكتسبات أساسية ناضل عليها الأجداد والأباء، وصرف أموال باهظة على العلاوات والترقيات والتقاعدات المريحة لبرلمانيين يغطون دائما في النوم ويتغيبون عن حضور الجلسات ويبرعون في كيل التهم وتبادل الاتهامات فيما بينهم بل يمتد الأمر إلى تبادل اللكمات والكلمات البذيئة… والتغاضي عن تهريب الأموال بشكل فاضح إلى خارج الوطن.

قد يقولون بأننا وجدنا “الدار خربة” ونحن نحاول “الإصلاح” ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، لكن ما الداعي لتزييف الحقائق والسير في ركاب المستبدين والتحول الغرائبي على مستوى المبادئ والخطاب، واستغلال الفراغ السياسي الذي تعيشه الساحة للعبث بمصير مكتسبات الكثير من المغاربة، وتضخيم منجزات ليست ذات أهمية؟

إن الحل يقع أساسا في حوار وطني يقوده “عقلاء الوطن”، تحدد له أرضية للعمل المشترك، وتدعى له كل الأطراف.

لقد عبر صاحب المقال عن دعواه بكون المغرب “وحده من يتمتع بوضعية مريحة”. ترى على من تنطلي هذه الأقاويل الموغلة في الوهم؟ وعن أية “وضعية مريحة” يتحدث وجميع المؤشرات تكذب هذا الادعاء؟

كان بالأحرى تحليل الأمور وفق منطق “المنهزم الشريف” الذي مارس اللعبة بشرف، لكنه خرج منهزما، رغم أني أومن أن الحكم على التجربة قبل متم ولايتها سابق لأوانه، لكن وكما يقول المثل المغربي: “من الخيمة خرج مايل” و”النهار الزين كايبان من صباحو”.

أليس من السابق لأوانه التبشير بالوضعية المريحة قبل المحاسبة والتمحيص من قبل الشعب؟ أليس جديرا بأن يكون خطاب “الخيار الثالث” متريثا إلى حين انتهاء ولايته ويتم التقييم؟

ألا تُمنع أنشطة الجمعيات والمحاضرات والندوات، وتُكذب التقارير الدولية عن حقوق الإنسان، ويحاكم القضاة النزهاء، وتمنع هيئات سياسية مغربية كثيرة من نشاطاتها، وتوصد أبواب تأسيس الجمعيات أمام مناضليها وتعتبر الدفاع عن حقوق ومكتسبات المواطنين العمال والموظفين “تشويشا” والتهديد والوعيد سيرا على نهج “البصري ورجاله”، ويعتقل المناضلون عيانا وتطلق الأحكام القضائية المتسرعة الظالمة في حق شباب خرجوا يناضلون من أجل “مستقبل” ينصف أبناءهم وأحفادهم؟ أين أصحاب “الإصلاح من الداخل” من هذا كله؟ ألم يدركوا بصمتهم وتزييفهم للأمور قد يجنون على “خيار له رجالاته ومبادئه الأصيلة”.

عن أي تجربة ناجحة واستثنائية يتحدثون؛ ونحن في مغرب التراجعات والزيادات، والاستمرار في مسلسل التهريج السياسي، والتسابق للتخندق في خندق حكومة أو معارضة صاحب الجلالة إرضاء للمخزن وتحقيرا للخصوم في الساحة السياسية والفكرية والإيديولوجية؟

ألم تسبقكم “الأحزاب السياسية التاريخية” لهذه الاستنتاجات، ثم أقرت أخيرا أنها كانت لعبة مورست لتمرير”التناوب” والانتقال السلس للسلطة في مغرب كان يوشك على “السكتة القلبية” على حد تعبير المرحوم الحسن الثاني؟

وهل تسمية الأشياء بغير مسمياتها هو ما تصفونه بـ”الوضعية المريحة” و”خيار الإصلاح الناجح” و”التجربة المغربية الاستثنائية”؟ هناك التراجعات، وإنهاك المغاربة بالزيادات، والغلاء، ومحاولة الرفع من سن التقاعد، والإسراع للاقتراض من الخارج، وإثقال كاهل صندوق الدولة بالديون…

هل نسمي ضرب القدرة الشرائية لأفراد المجتمع، وإثقال كاهل المواطن بما لا يطيق “إصلاحا”؟ وهل يعتقد المسبحون بحمد “الخيار الثالث” أن المشاركة السياسية من الداخل هي الأجدى والأنفع للتغيير وللإصلاح ولو على حساب المبادئ وحقوق المواطنين؟

فليحذروا حتى لا يأتي عليهم وقت لا يجدوا فيه خيارا آخر غير”التقاعد السياسي المبكر” والانبطاح أمام أول عاصفة، وليستعدوا بعد حين لحجز مكانهم في مقعد “السياسيين المتقاعدين”، وليستفيقوا من أحلام اليقظة التي لا يرون فيها غير الوعود البنفسجية والإصلاحات الهلامية.

فعلا، لقد شكلتم الاستثناء بدخولكم “الدار الخربة” تريدون إصلاحها. نعم لقد وُفِّقتم في أن تكونوا دعاة “للإصلاح من الداخل” وأعطيتم المثال الواضح أنكم لم تستطيعوا أن تنفذوا ما توافقتم مع ناخبيكم عليه، بل زدتم طينه بلة بتوقيعكم على سلسلة قرارات حكومتكم المجحفة بالاستمرار في قهر المواطن، وتحطيم أحلامه في “الإصلاح الجديد” الذي بشرتم به.