لا تكاد تخلو محطة من محطات تاريخ المغرب منذ سنة 1956 إلى الآن من الحديث عن إصلاح التعليم. وبعد كل هذه المدة التي تجاوزت 54 سنة لم يعثر بعد هذا البلد على كلمة السر- المفتاح لإصلاح التعليم رغم توالي اللجن والمشاريع والمواثيق والمخططات المعتمدة في ذلك. وآخرها ما تم تنزيله هذا الموسم والذي سمي بـ”المخطط الاستعجالي” والذي قدم على أنقاض “ميثاق وطني للتربية والتكوين” ثبت فشله بعد عشر سنوات من تنزيله وبعد كل الضجيج الذي رافقه منذ سنة 2000، سنة بداية تطبيقه. بعد هذه الأربع والخمسين سنة من المحاولات الإصلاحية التي لم تؤت الثمار المرجوة، جاء هذا المخطط المستعجل ليحقق كل الإصلاحات في ثلاث سنوات لا غير!

لا بد من تسجيل ملاحظة منصفة في الحديث عن هذا المخطط وهي أن الساهر على تصميمه وإعداد خططه ومشاريعه وفروعه، نخبة من الكفاءات التربوية والإدارية في هذا البلد. وللأسف الشديد هذه النخبة تعمل بدون رأس وبدون بوصلة. كأنك أمام ثورة تعليمية إصلاحية مخلصة لكنها ثورة في رماد!

عندما صدر “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” سنة 1999، أنجزنا في مجلة (النداء التربوي) وفي هذا الباب بالذات دراسة نقدية له (العدد 7 سنة 2000) وتوقعنا فشله. وقلنا وقتئذ بالحرف وحتى لا نعود بعد عشر سنوات أو أكثر لنجد أن مشروعا كهذا قد عمق جناية “المشاريع الإصلاحية” السابقة، على التربية والتعليم في بلادنا، وإبقاء على أبواب الاجتهاد والمبادرة والإبداع مفتوحة في وجه طاقات وكفاءات هذه الأمة (…) فإننا نطالب الجهات المسؤولة بالعدول عن تنزيله في واقعنا التربوي. واعتباره من الصفحات التي ينبغي أن تطوى..) 1 .

ورغم ذلك تم تنزيله، وبعد عشر سنوات نعته اللجنة التي كلفت به، وأعلنت فشله.

واليوم نكتب في هذا العدد (العدد 18 من مجلة النداء التربوي، سنة 2011) بأن مصير هذا “المخطط الاستعجالي” هو نفس مصير ما سبقه وهو إعلان فشله سنة 2012! وبقاء مشاكل التعليم، هذا القطاع الحيوي على ما هي عليه. بل إنها تتعقد مع الزمن وتفوت الفرصة في كل مرة على أن يسهم التعليم بشكل واضح وحاسم في التربية الحقة والتنمية الحديثة المنافسة والتقدم العلمي والمعرفي والاقتصادي والصناعي والحضاري العام للبلاد.

لماذا إذن هذا الفشل المصاحب لكل “مشروع إصلاح” التعليم منذ أكثر من نصف قرن على الجلاء العسكري للاحتلال؟

سنة 1957 شكل الملك محمد الخامس “اللجنة الملكية لإصلاح التعليم” والتي أقرت رسميا المبادئ الأربعة التي رفعت غداة الاستقلال: تعميم التعليم وتوحيده وتعريبه ومغربة الأطر. وقدمت تقريرا عاما عن أعمالها أوصى بالتوحيد وبالاستمرار في مغربة الأطر ضمن مدارس تكوينية خاصة بذلك. كما أوصى هذا التقرير بجعل سنة 1963 أفقا لتعميم التعليم على البالغين سن السابعة. واقترح سلكا للإنقاذ يتم من خلاله تعليم الأطفال الذين تجاوزوا سن السابعة (من 7 إلى 14 عاما) عبر برنامج خاص. وقد بلغ عدد التلاميذ في الدخول المدرسي عام 1959 حوالي 670000 تلميذ من أصل 1.900.000 طفل مغربي هم في سن التمدرس (7-14). لكن في قضية أساسية أخرى هي اللغة أوصت اللجنة باستمرار ازدواجية لغة التدريس.

ورغم مشكل الازدواجية اللغوية التي استمرت بعد ذلك، ورغم اقتصار استيعاب المدرسة على البالغين سبع سنوات فقط، وتعثر ما اصطلح عليه سلك الإنقاذ، فإن بداية الستينات (1960-1964) والتي تزامنت مع المخطط الخماسي الأول، قد شهدت تطورا ملحوظا لقطاع التعليم. فمن حيث أعداد التلاميذ انتقلت من 300.000 سنة 1956 إلى 1.300.000 سنة 1964، والتي أظهرت أنه في حالة الاستمرار بهذه الوتيرة، فإن الحد من مشكل الأمية وإخراج مجتمع متعلم ومثقف سيكون إنجازا مهما لدولة الاستقلال وسيسهم بالتأكيد في التنمية بكل أبعادها.

المصدر التاريخي للخلل!

في شهر غشت من سنة 1965 سيتخذ الملك قرارا كانت مضامينه مدمرة على قطاع التعليم. تم تصريفه على شكل مذكرة أصدرها الديوان الملكي. وقد وصفت هذه المذكرة ما تم إنجازه في موضوع التعليم إلى حدود 1965 أنه كان دائما يتسم بالتسرع والارتجال) 2 . وأن ارتفاع عدد التلاميذ يمثل مشكلا كبيرا للدولة!!

وتحدثت المذكرة عن الإنفاق الذي سيتزايد على التعليم بتزايد الأعداد واتخذت قرارا بألا يتجاوز عدد التلاميذ الموجودين في المدارس الابتدائية 1.564.000 خلال العشر سنوات الموالية (1965-1975) وهذا يعني أن العدد السنوي للتلاميذ الجدد الذين سيقبلون بالابتدائي خلال العشرية ينبغي ألا يتجاوز: 36.000 تلميذا) 3 .

لقد تم إرجاع سبب هذا التراجع المجحف عن تعليم أبناء الشعب المغربي إلى الأعباء المالية في وقت كان يشهد فيه المغرب نهبا مستمرا لثرواته بكل أنواعها المعدنية والفلاحية والبحرية من قبل بقايا الاحتلال، ومن قبل من كانوا متعاونين معه ومن قبل النظام نفسه الذي جمع ثروات كانت تكفي لتعليم وإطعام أضعاف مضاعفة لشعب المغرب بأكمله!!!

كما ذكرت المذكرة الملكية سببا آخر غاية في السفاهة والانحطاط والتخلف وغياب أي بعد أو حس تنموي وحضاري حيث صرحت بأن الثقافة العليا حلية للفكر ولا نرى موجبا لنشرها في الوقت الراهن) 4 .

هكذا بكل بساطة يتخذ قرار مصيري بالحد من السقف العلمي والتعليمي لجماهير من أبناء هذا الوطن لنجني الآن الثمار المرة المتمثلة في النسبة العالية للأمية (أكثر من 55%) وفي محدودية الفئة العالية الثقافة والتي تعد ضرورية في كل انبعاث مجتمعي تنموي متعدد الأبعاد (الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والصحية والتكنولوجية والبحثية…).

إن مضمون هذه المذكرة هو ما تم تصريفه في الندوة الصحفية المعروفة بندوة محمد بنهيمة وزير التعليم آنذاك في 16 ابريل 1966 التي أعلن فيها عن تنزيلات عملية مفعلة للمذكرة المشؤومة وأطلق على هذه الإجراءات اسم “المذهب الجديد للتعليم”!!

كانت نسبة التمدرس سنة 1956 تمثل 17% وانتقلت خلال عشر سنوات بفضل ما بذل من مجهودات تعليمية إلى 47% سنة 1965. وكان يمكن أن يتواصل نمو هذه النسبة إلا أن “المذهب الجديد” تراجع بها إلى 33% سنة 1975: وهذا يعني أن 67% من الأطفال المغاربة البالغين سن التمدرس (7-14 سنة) في السبعينات لم يسعفهم الحظ في ولوج المدرسة 5 .

إذا كانت المذكرة الملكية ومذهبها الجديد قد أجهزتا على الجانب الكمي العددي للتعليم، فإن إصلاح 1985 الذي جاء في سياق برنامج التقويم الهيكلي للاقتصاد الوطني، قد أتى ليواصل الحد من التوجيه للتعليم العالي. ولكن أيضا وأساسا على الجانب النوعي للتعليم الوطني والذي ورغم المشاكل التي كان يعاني منها فإنه حافظ على مستوى جيد لمردودية النوعية من حيث المستوى التعليمي للخريجين.

لقد عمدت إجراءات 1985 ضمن مخطط التعليم الأساسي بتسع سنوات والثانوي بثلاث سنوات إلى الانتقال الآلي للتلاميذ وتجاوز شرط المعدل قصد ولوج القسم الموالي مما أفرغ تقديرات الأساتذة من كل مضمون وأصبح الانتقال خاضعا مباشرة للخريطة المدرسية المتحكم فيها إداريا. والنتيجة الكارثية لهذا المخطط الانهيار الملحوظ للمستوى العام للتلاميذ وعدم قدرة غالبيتهم على مسايرة البرامج.

كما عمل المخطط على الحد من ولوج التعليم العالي وذلك بالنص على توجيه 20% نهاية السلك الأول (الابتدائي) إلى التكوين المهني وتوجيه 40% إلى السلك الثاني (الإعدادي). كما نص المخطط أيضا على توجيه 40% من تلاميذ السلك الإعدادي إلى التعليم الثانوي وتوجيه 40% للتكوين المهني. أما حال التكوين المهني ببلادنا فتلك قصة أخرى!!

ومنذ ذلك الحين إلى الآن تفاقمت الاختلالات في المنظومة التربوية لذا يمكن حصر مظاهرها الكبرى في:

– غياب مشروع تربوي تعليمي وطني مجمعة عليه كل الأمة.

– النسبة الكبيرة للأمية نتيجة عدم تعميم التعليم.

– نقص المردودية الداخلية نتيجة تراجع المستوى التعليمي للتلاميذ.

– غياب نظام تكوين مستمر وفاعل لهيئات النظام التعليمي بكل أنواعها.

– نقص المردودية الخارجية المتمثل في نقص الاستجابة لحاجيات سوق الشغل.

– الاكتظاظ ونقص التجهيزات في المؤسسات التعليمية.

– ضعف مستوى الإبداع والبحث العلمي في المنظومة التعليمية نتيجة لنقص الإنفاق على التعليم.

– عدم نجاعة الحوار لهيئات المنظومة التربوية تبعا لعدم إشراكها وانخراطها في برامج “إصلاح” هذه المنظومة.

– تضخم الإدارة التربوية على المستوى المركزي وعلى مستوى الجهات (الأكاديميات) في مقابل النقص الكبير في الطاقم الإداري الضروري في معظم المؤسسات التعليمية.

فالأكاديميات تبدو مؤسسات شبه مشلولة ولا يرى لها أثر في تدبير الشأن التربوي على مستوى الجهات، لأن كل مهامها المرتبطة بالامتحانات كان يقوم بها إما مكاتب في النيابات الإقليمية أو الجهة المكلفة بالامتحانات على المستوى المركزي في حالة الامتحانات ذات الطابع الوطني.

إن مثل هذه الأكاديميات في نظام جهوي حقيقي تمثل وزارات جهوية حقيقية تشرف على تدبير مسؤول وحقيقي للتربية والتعليم على مستوى الجهة، كما هو الحال مثلا في الأنظمة الفدرالية كألمانيا وماليزيا التي تشتغل بنظام تربوي لا مركزي تبعا لتدبير سياسي غير مركزي في سياق نظام ديمقراطي حقيقي، وهذا هو مربط الفرس ومكمن الداء في التعليم وفي غيره من القطاعات الحيوية في هذا البلد.

إن المغرب لا تنقصه الطاقات والكفاءات المبرمجة والمخططة ولا المفكرة ولا الكفاءات التنفيذية. كما لا ينقص المال الكافي للنهوض بقطاع التعليم.

إن مشكل الإصلاح التعليمي بالمغرب يتمثل في غياب إرادة الإصلاح وكفى.

إن أطرافا ما في هذا البلد حريصة أن يبقى الجهل والأمية يعششان في عقول فئات عريضة من أبناء هذا الشعب. وهناك من لا يريد أن تشيع الثقافة الوطنية البانية العليا وسط أكبر عدد من المتعلمين الذين قدر لهم أن يلجوا المدرسة.

فكيف تقوم للمغرب قائمة تنمية وتقدم وريادة في عالم التنافسية المعرفية والعلمية، في غياب تعميم التعليم وإخراج كفاءات ومهارات عالية التخصص في الميادين المختلفة.

النموذج الماليزي

ماليزيا ملكية دستورية انتخابية فيدرالية ديمقراطية، نالت استقلالها سنة 1957، وتضم حوالي 30 مليون نسمة. ولها مجلس نواب يتألف من 192 عضوا ينتخب كل خمس سنوات. ولها مجلس شيوخ يضم 69 عضوا يعينون كل ثلاث سنوات. وتتكون فيدرالية ماليزيا من 13 إقليما وثلاث ولايات فيدرالية منها 9 ملكيات محلية.

انتقلت ماليزيا في ظرف 25 سنة من قائمة الدول السائرة في طريق النمو إلى دولة صناعية وهي الآن من الدول الصناعية الجديدة من الجيل الثاني بعد النمور الأسيوية. وتمتلك قوة عاملة ماهرة ومدربة ويبلغ متوسط النمو الاقتصادي السنوي بها: 7% ولا يزيد معدل التضخم فيها عن 3 على 4 % سنويا فقط. ولا تتجاوز نسبة الفقراء فيها 10% من السكان. كما يبلغ متوسط الدخل الفردي أكثر من 8000 دولار سنويا 6 كما لا تتجاوز البطالة في ماليزيا 3.8%.

ويعتمد الاقتصاد الماليزي على المخططات الخماسية (انطلق المخطط الخماسي التاسع سنة 2006). وتعتبر سنة 2020 تحديا وحافزا حقيقيا لأنها جعلت من هذه السنة سنة التحول الكلي إلى دولة حديثة ومتطورة. وهي الآن منتج عالمي رئيسي للمكونات الإلكترونية (les semi-conducteurs). وهي أول بلد من دول جنوب شرق آسيا التي صنعت سيارة من اختراع وتركيب ذاتي: فكرة وتصميما وتصنيعا (سيارة مرونة من نوع بروتون PROTON).

وإجمالا يمكن إرجاع هذا التقدم الذي حققته ماليزيا إلى الأسباب التالية:

– دور الإسلام في الحفاظ على الأسرة وفي التحفيز على العمل والتفاني في خدمة الوطن وفي استيعاب التنوع العرقي والثقافي. واعتباره قوة أساسية في التنمية.

– الديمقراطية: فرغم كون ماليزيا ملكية إلا أن تدبير الشأن العام تباشره الحكومة المنتخبة المسؤولة أمام المواطنين وأمام مجلس النواب والشيوخ. وتكافؤ الفرص مضمون للجميع بدون استثناء ودون محسوبية.

– القانون: تحرص ماليزيا على احترام القانون وتطبيقه على المستوى الفردي والمؤسساتي وعلى مستوى الدولة بشكل عام. ومن يثبت عليه مخالفة القانون يعاقب كيف ما كان موقعه في السلطة أو الأمة.

– التعليم: يتفق أغلب من تطرقوا لدراسة النموذج الماليزي أنه أدى ويؤدي مهمة أساسية وحاسمة في تطور البلد وفي إنجاز المكتسبات التي تفخر بها الآن ماليزيا. وقد عمل التعليم على نقل ماليزيا من مجتمع زراعي تغلب عليه الأمية، وغياب التأهيل المعرفي والعلمي والتقني، إلى مجتمع متعلم صناعي مؤهل ومنافس لأحدث النماذج التقنية والعلومية.

والملاحظ أن أغلب رؤساء الوزراء الذين تعاقبوا على الحكم منذ الاستقلال سنة 1957 إلى اليوم هم وزراء سابقون في التعليم.

هذا نموذج لدولة مشابهة للمغرب في ظروف وتاريخ الاستقلال وعدد السكان. انطلقت نهضة ماليزيا بقلوب وعقول وسواعد غيورة على هويتها ووطنها بكل جدية وفعالية. انطلقت ماليزيا موظفة خيرات البلد في تنمية الوطن وروح المواطنة. وحققت ما ذكر. وليست المثال الوحيد في الوقت الذي يتخبط المغرب في مشاكل التخلف والأمية والفساد وتبديد الثروات وإهدار الطاقات والكفاءات والارتجال والاستعجال على كل مستوى.

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

مقال نشره الأستاذ محمد حمداوي، مفتش التعليم الثانوي، في مجلة “النداء التربوي”، عدد 18، سنة 2011.


[1] النداء التربوي العدد 7 السنة 2000، ص: 19-20.\
[2] مقال نشر في العدد 18 من مجلة النداء التربوي سنة .2011\
[3] السياسة التعليمية ورهانات المستقبل، لحسن مادي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء .ط. الأولى ص: 68.\
[4] المرجع السابق ص: 69.\
[5] المرجع نفسه ص 69.\
[6] كلمة السر في نجاح النموذج الماليزي، مجلة الوعي الإسلامي العدد 47 صفر 1431، فبراير 2010، ص6.\