تعيش الأحياء المحاذية للملاعب المغربية على وقع خطر داهم يتجلى في الآلاف من الشباب المراهقين المغاربة الذين يتابعون مباريات الكرة وسرعان ما يفرغون أحزان الهزيمة وأفراح النصر شغبا وتهشيما للممتلكات والأشخاص. ورغم الإنزال الأمني الكبير بمختلف لا يجد هؤلاء السكان والتجار بدا من إغلاق المحال التجارية أو ركن السيارات في أماكن بعيدة، مما يخلق حالة استنفار قبل المباريات وبعدها. ويمكن القول إن ظاهرة شغب الملاعب لم تنل حقها من التحليل والدراسة، لكن تحديد المسؤوليات قد يرسم لنا بعض إشارات الحلول الممكنة لاحتواء هذه الظاهرة على الأقل، لأن معالجتها يتطلب مدة زمنية طويلة تقارب مدة نشوء وتطور هذه الظاهرة.

من يمارس الشغب؟

هم شباب مغاربة أغلبهم في سن المراهقة، ينتسبون لطبقات اجتماعية فقيرة وينتمون للأحياء الشعبية التي تعرف أوضاعا مزرية، خضعت للتعليم العمومي المغربي ويظهر أن غالبيتهم متعثرون دراسيا. هذه الفئة التي تمارس (الشغب) هي التي تجب أن تكون محط عناية ،كما أن جميع المقاربات يجب أن تأخذ بعين الاعتبار خصوصية هذه الشريحة المستهدفة وحاجياتها مع مراعاة المرحلة العمرية التي تمر منها. إن هذا التشخيص يحيلنا إلى تحديد بعض الدوافع المباشرة التي تكون شرارة لاندلاع تلك الأحداث المأساوية خصوصا وأنها تنجم عن غياب التجهيزات داخل مدرجات الملاعب أو التدابير الأمنية التي تمس في كثير من الأحيان الكرامة الإنسانية. لكن الأهم من ذلك هو البحث عن تلك الأسباب العميقة المفرزة لمثل هذه الظواهر والتي تحتاج لاستراتيجية متكاملة في العلاج.

خطط للعلاج أم ردود أفعال؟

لم تفلح المقاربات الرسمية التي تستهدف هذه الظاهرة في الحد منها أو على الأقل التقليل منها، إذ لا تعدو أن تكون ردود أفعال بعد أحداث الشغب. بحيث يكون الدافع من وراءها هو الحرج الذي تستشعره الجهات الرسمية جراء تشويه صورة البلاد في الأوساط الدولية والإقليمية، ثم الرسائل السلبية التي تبعثها مثل تلك الأحداث عن مستوى المنظومة التربوية والتعليمية وتفكك البنية الاجتماعية للبلاد. لذلك لا تتجاوز هذه الإجراءات في الغالب الأعم المستويات التالية:

– المقاربة الأمنية عن طريق عسكرة الملاعب والطرق المؤدية إليها، ثم عن طريق سن مجموعة من القوانين الزجرية في حق المخالفين. إلا أن الإفراط في استعمال الأداة الأمنية والعقابية اتجاه هذه الفئة يؤدي -عن طريق التجربة – إلى حالة من الاحتقان سرعان ما تنفجر عند أول شرارة.

– سياسة الاحتواء عن طريق تأسيس مجموعات المشجعين والمحبين للنوادي (les ultras)، والتي تحاول استيعاب هؤلاء المشجعين وتوجيه الحماس الجماهيري في اتجاه البناء لا الهدم. غير أن ضعف القدرة التأطيرية ثم اهتمام هذه التجمعات بالأمور الفلكلورية والشكلية يجعلها تبتعد عن أداء مهمتها التوعوية.

– الحملات التحسيسية والتي تبقى في مجملها هزيلة من حيث الكم والكيف. إذ يلاحظ غياب الخطاب التوجيهي والإعلاني عن الإعلام السمعي البصري والاقتصار على بعض أعداد البرامج التلفزيونية أو المقالات المختصة لكن وبشكل محتشم وظرفي.

واستحضارا للأسباب التي أنتجت هذه الظاهرة وأخذا بعين الاعتبار إلى ما تطلبته من مدة زمنية ليست بالقصيرة لكي تستقر على وضعيتها الحالية، يتبين أن الحلول الممكنة تتطلب استراتيجية واضحة المعالم ومتكاملة في خطواتها، يتداخل فيها التربوي والنفسي والإعلامي.

شأنها كباقي الظواهر الاجتماعية يتطلب معالجة شغب الملاعب إعادة النظر في السياسة الرياضية للبلاد، بحيث يجب أن تتحول من وسيلة ترفيه واحتواء إلى وسيلة تربوية وتهذيب الأخلاق. لكن الاعتماد على هذه الواجهة وحدها قد لا يفي بالمقصود ومن ثم يجب الاهتمام بالجانب الحملات التحسيسية في المؤسسات التعليمية والأحياء الشعبية التي ينحدر منها هؤلاء المشجعون. ويبقى السلاح الإعلامي بأنواعه أساسيا في معالجة هذه الظاهرة.

إن المقاربات التي تتوسل بالحلول العاجلة ستبقى دون المستوى المطلوب، ولن تستطيع القضاء على الظاهرة كونها يتظافر فيها التربوي والسياسي والإعلامي مع الزجري طبعا.