الإعجاز في الآفاق

هناك نماذج وآيات كثيرة تضمنها كتاب الله تعالى تبين قدرته عز وجل وعظيم صنعه في الكون، وما كانت هذه الآيات والحقائق العلمية لتكتشف لولا التقدم العلمي الهائل في مجال التكنولوجيا، مما يثبت بما لا يدع مجالا للشك إعجاز القرآن الكريم.

ومن هذه الآيات والحقائق العلمية: قضية السماء ذات الرجع، وقضية السماوات السبع وقضية الظلام في الفضاء الخارجي وقضية القوى الجاذبة ومسألة انشقاق السماء ومسألة مواقع النجوم وغيرها كثير. وسنقتصر هنا على مثال واحد فقط وهو المتعلق بمسألة الجاذبية الأرضية:

إعجاز القرآن الكريم في الجاذبية الأرضية

يقول الدكتور النابلسي:

كل شيءٍ في السماء يدور، ويدور بمسارٍ إهليلجي، يدور ويرجع، هذه الحركة الدورانية المستمرة ينشأ عنها قوى نابذة، وهذه القُوى النابذة تكافئ القوى الجاذبة، ينشأ من هذه الحركة المستمرة ما يسمَّى: بالتوازن الحركي، وهذا من آيات الله الدالة على عظمته.)يقول الله عزَّ وجل:)اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا [سورة الرعد الآية: 2].)هناك عمد، ولكنَّكم لا ترون هذا العمد، قال بعض العلماء: هذه إشارةٌ إلى قُوى الجذب فيما بين المجرَّات، وما بين الكواكب، وما بين الكتل. )أشار الله إلى الجاذبية الأرضية في قوله تعالى:)أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً [سورة النمل الآية: 61].) من جعل هذه الأشياء التي على سطح الأرض تستقرُّ عليها وتنجذب إليها؟ ما هو الوزن؟ الوزن في حقيقته جذب الأرض لما عليها، فالهواء منجذبٌ إلى الأرض، والبحر منجذبٌ إلى الأرض، وكل ما على الأرض منجذبٌ إليها، ولو أن الإنسان طار في الفضاء، فوصل إلى نقطة انعدام الجاذبية لانعدم وزنه.)تشير آيةٌ أخرى إلى هذه الجاذبية، قال تعالى:)وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ [سورة اﻹنشقاق الآية: 3-4]).

إذا تعطَّلت الجاذبية التي في الأرض، ألقت الأرض ما فيها وتخلَّت، تبعثر ما فيها، خرج منها، خرج ولم يعد) 1 .

الإعجاز في الأنفس

قال الله تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [سورة الذاريات آية 21].

يقول الطاهر بن عاشور رحمه الله (ت 1393 ه): الْخِطَابُ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ. وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ، أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ الْإِبْصَارِ لِلْآيَاتِ. وَالْإِبْصَارُ مُسْتَعَارٌ لِلتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، أَيْ كَيْفَ تَتْرُكُونَ النَّظَرَ فِي آيَاتٍ كَائِنَةٍ فِي أَنْفُسِكُمْ. وَتَقْدِيمُ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِالنَّظَرِ فِي خَلْقِ أَنْفُسِهِمْ وَلِلرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ. وَالْمَعْنَى: أَلَا تَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ أَنْفُسِكُمْ: كَيْفَ أَنْشَأَكُمُ اللَّهُ مِنْ مَاءٍ وَكَيْفَ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا، أَلَيْسَ كُلُّ طَوْرٍ هُوإِيجَادَ خَلْقٍ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلُ. فَالْمَوْجُودُ فِي الصَّبِيِّ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِيهِ حِينَ كَانَ جَنِينًا. وَالْمَوْجُودُ فِي الْكَهْلِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حِينَ كَانَ غُلَامًا وَمَا هِيَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ إِلَّا مَخْلُوقَاتٌ مُسْتَجَدَّةٌ كَانَتْ مَعْدُومَةً فَكَذَلِكَ إِنْهَاءُ الْخَلْقِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَهَذَا التَّكْوِينُ الْعَجِيبُ كَمَا يَدُلُّ عَلَى إِمْكَانِ الْإِيجَادِ بَعْدَ الْمَوْتِ يَدُلُّ عَلَى تَفَرُّدِ مُكَوِّنِهِ تَعَالَى بِالْإِلَهِيَّةِ إِذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِيجَادِ مِثْلِ الْإِنْسَانِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ بَوَاطِنَ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ وَظَوَاهِرَهَا عَجَائِبُ مِنَ الِانْتِظَامِ وَالتَّنَاسُبِ وَأَعْجَبُهَا خَلْقُ الْعَقْلِ وَحَرَكَاتِهِ وَاسْتِخْرَاجُ الْمَعَانِي وَخَلْقُ النُّطْقِ وَالْإِلْهَامُ إِلَى اللُّغَةِ وَخَلْقُ الْحَوَاسِّ وَحَرَكَةُ الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ وَانْتِسَاقُ الْأَعْضَاءِ الرَّئِيسَةِ وَتَفَاعُلُهَا وَتَسْوِيَةُ الْمَفَاصِلِ وَالْعَضَلَاتِ وَالْأَعْصَابِ وَالشَّرَايِينِ وَحَالُهَا بَيْنَ الِارْتِخَاءِ وَالْيُبْسِ فَإِنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهَا التَّيَبُّسُ جَاءَ الْعَجْزُ وَإِذَا غَلَبَ الِارْتِخَاءُ جَاءَ الْمَوْتُ. وَالْخِطَابُ لِلَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ أَوَّلَ السُّورَةِ إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ) 2 .

في هذه الآية الكريمة دلالة واضحة على أن الإنسان معجز في خلقه، وفي كل ما يمت إليه بصلة وأن مكونات جسمه وترابطها والعلاقة القائمة بينها تبين حجم الاتقان والدقة في الخلق، وكمثال على هذا سنبين مسألة القرار المكين التي ذكرها الله تعالى في قوله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ [سورة المؤمنون الآية: 12-13].

يقول الدكتور النابلسي: القرار المكين هوالرَّحِم، يقعُ في الوسَط الهندسي تمامًا من جِسم المرأة، فلوأُخِذَ خطّ منصِّفٌ طولي، وخطّ منصّف عرضي، لكان موقعُ الرَّحِم في تقاطُع الخطيين، هذا معنى والمعنى الثاني أنَّ هذا القرار المكين، لما سُمِّيَ الرَّحِمُ قرارًا؟ لأنَّه يفْرِزُ مادَّة لاصقةً إذا جاءتْ البُوَيْضة الملقّحة إلى الرَّحِم الْتصَقَتْ في جِداره، فهوقرارٌ لها، وليس ممرًّا، ثمّ إنّ في الرّحِم من الأوْعِيَة الدَّمَوِيّة بغزارة تفوق حدّة التصوُّر، كلُّ هذه هذه الأوعية تمدّ هذه البويْضة الملقّحة بالدّم لِيَتَغَذَّى، ولِيَنْموفي سرعةٍ، تُعدُّ أسْرعَ ما في جسم الإنسان من نسيجٍ في تكاثرُه وانقسامه.)شيءٌ آخر: هذا الجنين بِغشاءٍ رقيق، وقد بدا هذا في الصُّوَر التي أُخِذَت من الجنين مغلّف بِغِشاء رقيق، وهذا الغِشاء الرقيق معلّقٌ في أعلى الرّحِم، فهولا يتأثَّرُ بجُدُر الرَّحِمِ وفوق هذا وذاك أُحيط هذا الجنين بسائل، هذا السائل يمْتصّ كلّ الصَدمات، تصوَّر أنَّ الجنين مغلَّفٌ في غِشاءٍ رقيق، والغشاء معلّق في أعلاه بأعلى الرّحِم، وأنّ ما يُحيط بالرّحِمِ سائلٌ يمتصّ كلّ الصَّدمات، والأغْرَبُ من هذا أنَّ الرَّحِمَ كلّه معلّق في حَوْض المرأة، معلَّقٌ بأربِطَة إلى أقطار الحوض، فالرّحِم سائب، والجنين سائب، وبين الرِّحِم والجنين سائلٌ يمْتصّ كلّ الصَّدمات، كلّ هذا الشّرْح ينْطوي تحت قوله تعالى:)وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ 3 .

المبحث الثالث: الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم

سبق لنا وعرفنا معنى الإعجاز عموما، وأما معنى التشريع فقد قال الراغب (ت 502 ه): الشَّرع: نَهجُ الطَّريق الواضح، يُقال: شرعت له طريقًا، والشَّرعُ مصدر، ثُم جُعِل اسمًا للطَّريقِ النَّهْجِ، فقيل له: شَرَعَ، وشَرْع وشَرِيعة، واستعير ذلك للطَّريقة الإلهيَّ) 4 . وعليه يكون المقصود بالإعجاز التشريعي هو إثباتُ عَجْز البشر جميعًا عن الإتيان بِمثل ما جاء به القُرآن من تشريعاتٍ وأحكام، تَتَعلَّق بالفرد والأُسْرة والمجتمع في كافَّة المجالات.

طالع أيضا  الإعجاز في القرآن والسنة.. أنواعه وقضاياه (2)

وما يدل على عظمة التشريع القرآني وإعجازه أن الذي ظهر في الجزيرة العربيَّة قبل أربعةَ عَشَرَ قرنًا من الزمان، كان عكس هذا القانون البَدَهي تمامًا، فقد ظهر فجأة بين تلك الجماعات البدائيَّة قانون متكامل، يتناول الحقوق المدنية، والأحوال الشخصية، ويرسم صُورة للعلاقات الدَّوليَّة، ويضع نظامَ الحرب والسلم، ويضع نظامًا للعلاقات الماليَّة والسياسيَّة وهكذا، تشريعٌ مُتكامل لا يَترك من أُمُور الحياة صغيرة ولا كبيرة إلاَّ عالَجها وقنَّن لها، هذا في الوقت الذي كان فيه عَرَب الجزيرة لا يعرفون شيئًا عن معنى المجتمع الذي يحتاج إلى قانون، فلم يأْخُذُوا بنصيبٍ وافر من العلم أوالحضارة، مِمَّا يعد خُطُوات أساسية لا بُدَّ من اجتيازها قَبْل وضع القانون العام) 5 .

يقول الدكتور النابلسي: رأى العلماء أن في الصوم وقاية وعلاجاً من أمراض كثيرة، فبعض الأمراض المستعصية قد يكون علاجها في الصوم، كالتهاب المعدة الحاد ّ، وإقياء الحمل العنيد، وبعض أنواع داء السكري، وارتفاع التوتر الشرياني، والقصور الكلوي الحابس للملح، وخنّاق الصدر، والالتهابات الهضمية المزمنة، وحصيات المرارة، وبعض الأمراض الجلدية. )الصوم علاج لبعض الأمراض، ولكنه إذا طبق كما شرعه النبي عليه الصلاة والسلام فهو وقاية من أمراض كثيرة) 6 .

ثـم يـقـول: من الفوائد المادية للصوم أن المعدة والجهاز الهضمي تأخذ إجازة في رمضان، ويستريح جهاز الدوران والقلب، والكليتان والتصفية، هذه الأجهزة الخطيرة التي إذا أصابها العطب انقلبت حياة الإنسان إلى جحيم، فإذا توقفت الكليتان توقفاً مفاجئاً، فإنه شيء لا يحتمل، وإذا أصيب القلب بالضعف، وضاقت الشرايين، وتصلبت، واحتشى القلب فالأمر عسير، هناك أمراض تصيب القلب لا تعد ولا تحصى، هناك أمراض متفشية تصيب الأوعية، هناك أمراض كثيرة تصيب المعدة والأمعاء، وأمراض تصيب الكبد، وأمراض تصيب جهاز البول، هذه الأجهزة الخطيرة من جهاز دوران وهضم، وجهاز طرح الفضلات، هذه الأجهزة يكون الصيام وقاية لها، لا نقول: إن الصيام علاج وحسب، ولكنه وقاية) 7 .

الفصل الثالث: الإعجاز في السنة النبوية

تُعَدُّ الإشارات العلمية الواردة في السنة النبوية من أبرز الدلائل على أن محمدًا هو رسول الله وخاتم الأنبياء والمرسلين؛ لأن سبقه العلمي من قبل ألف وأربعمائة عام، وفي بيئة بدائية لا تملك مفاتيح العلم والمعرفة، بالإضافة إلى أميّته يقطع الطريق أمام القائلين بأن محمدًا رسول الله قد تلقَّى هذا العلم من بحيرا، أو ورقة بن نوفل، أومن غيرهم، كما أنه يُثبت بما لا يدع مجالاً للشكِّ أن المصدر الوحيد الذي اصطفى منه محمد رسول الله تعاليمه هو الله جلَّ في علاه.

طالع أيضا  الإعجاز في القرآن والسنة.. أنواعه وقضاياه (1)

المبحث الأول: ضوابط التعامل مع الإعجاز العلمي في السنة النبوية

وللتعامل مع قضية الإعجاز العلمي في السُّنة النبوية ضوابط يجب أن تراعى؛ منها:

_ اختيار الأحاديث المحتوية على إشارات إلى الكون ومكوناته وظواهره.

_ التثبُّت من معرفة درجة الحديث، واستبعاد كل الأحاديث الموضوعة.

_ جمع الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد؛ لأن بعضها يفسر بعض.

_ فهم النص أو النصوص النبوية وفق دلالات الألفاظ في اللغة العربية، ووفق قواعدها.

_ فهم النص النبوي في ضوء سياقه وملابساته، وفهمه في نور القرآن الكريم؛ لأن أحاديث رسول الله شارحة لكتاب الله، ومبيِّنة لدلالات آياته 8 .

كما أنه ينبغي ألاَّ يُؤَوَّل حديث لرسول الله لإثبات نظرية علمية تحتمل الشكَّ والصواب، ولكن يجب التعامل فقط مع الحقائق العلمية الثابتة.

المبحث الثاني – مثال للإعجاز في السنة النبوية – حديث الذباب

يقع الذباب على الفضلات والمواد القذرة فينقل الكثير من الجراثيم والأمراض، وربما وقع على طعام الإنسان وشرابه فلوثه بما يحمله من هذه الجراثيم، وقد أرشد النبي – صلى الله عليه وسلم – من أراد أن يأكل أو يشرب من الطعام الذي وقعت فيه ذبابة، أن يغمس الذباب فيه بعد وقوعه حرصاً على صحة الآكل والشارب، وحفاظاً على الطعام والشراب من التلف، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء” رواه البخاري، وفي رواية لأبي داود: “وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء”.

وهو حديث ينبغي على المسلم أن يتلقاه بالقبول والتسليم وألا يعارضه بعقله القاصر، لأنه قد ثبت وصح عمَّن لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فكيف وقد جاءت حقائق العلم والطب الحديث بتصديقه وتأكيد ما فيه؟!.

فقد أثبتت الدراسات والأبحاث أن الذبابة المنزلية مصابة بطفيلي من جنس الفطريات، وهذا الطفيلي يلازم الذبابة على الدوام، وهو يقضي حياته في الطبقة الدهنية الموجودة داخل بطن الذبابة بشكل خلايا مستديرة فيها إنزيم خاص، ثم لا تلبث هذه الخلايا المستديرة أن تستطيل فتخرج من الفتحات أومن بين مفاصل حلقات بطن الذبابة، فتصبح خارج جسم الذبابة، ودور الخروج هذا يمثل الدور التناسلي لهذا الفطر، وفي هذا الدور تتجمع بذور الفطر داخل الخلية، فيزداد الضغط الداخلي للخلية من جراء ذلك، حتى إذا وصل الضغط إلى قوة معينة لا تحتملها جدر الخلية، انفجرت الخلية وأطلقت البذور إلى خارجها بقوة دفع شديدة إلى مسافة (2 سم) خارج الخلية، على هيئة رشاش مصحوباً بالسائل الخلوي، ولهذا الإنزيم الذي يعيش في بطن الذبابة خاصية قوية في تحليل وإذابة الجراثيم. وعلى هذا فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام، وألقى بالجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب أو الطعام، فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم هوما يحمله الذباب في جوفه قريبا من أحد جناحيه، فإذا غمست الذبابة في الطعام أحدثت هذه الحركة ضغطاً داخل الخلية الفطرية الموجودة في جسم الذبابة، مما يزيد من توتر السائل داخلها زيادة تؤدي إلى انفجار الخلايا، وخروج الأنزيمات المضادة للأمراض، فتقع على الجراثيم التي تنقلها الذبابة بأرجلها فتهلكها وتبيدها، ويصبح الطعام طاهراً من الجراثيم المرضية.

ومما ينبغي أن يُتَنبه له حتى لا يبقى هناك مجال للمشككين في الحديث، أن الأمر في الحديث إنما هو أمر إرشاد لا أمر وجوب فالنبي – صلى الله عليه وسلم – لم يأمر من وقعت ذبابة في طعامه أو شرابه أن يستمر في الطعام والشراب، وإنما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم من أراد أن يأكل من هذا الطعام أو الشراب الذي وقعت فيه الذبابة أن يغمسها فيه، وأما من لا يريد الأكل أو الشرب بأن تعاف نفسه منظر الذباب إذا وقع في الطعام أو الشراب فلا يلزمه الاستمرار، ولا يكون بذلك مخالفاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.

طالع أيضا  الإعجاز في القرآن والسنة.. أنواعه وقضاياه (2)

خاتمة

وبعد كل هذه الحقائق المبهرة، ماذا يمكن أن أقول؟ وبم أختم هذا العرض الذي ما هو إلا قطرة من محيط؟

1/ الإعجاز في القرآن الكريم والسنة النبوية هو وسيلة لإعلاء شأن هذا الدين في نظر المسلمين وغيرهم، ووسيلة يفتخر كل مسلم من خلالها بأن الله قد منّ عليه بالإيمان والهدى، وليعلم بأن الإسلام هو دين العلم.

2/ الهدف من دراسة الإعجاز ليس هو الإعجاز بحدّ ذاته، بل الهدف منها زيادة الإيمان والتثبيت اليقيني، إذ أن المعجزة هي وسيلة وليست غاية. وينطبق هذا الكلام على كل وجوه الإعجاز، فعندما نتأمل كتاب الله وما تضمنه من قصص وأوامر ونواه وأحكام وتشريعات وحقائق علمية وكونية، ندرك أن القرآن أكبر مما نظنّ.

3/ إن الله تعالى كما نظّم وأحكم وحفظ كل شيء في هذا الكون، كذلك نظّم وأحكم وحفظ كل شيء في هذا القرآن. وكما أنه تعالى قد وضع البراهين المادية التي تدلّ على وحدانيته في هذا الكون، كذلك أودع في كتابه هذه البراهين العلمية لتكون دليلاً على وحدانيته وقدرته. قال الله عز وجل: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران آية: 7].

وختاما: أرجو من الله تعالى أن يكون هذا العرض وسيلة لكل مؤمن أحب القرآن وتعطّش لروائعه وعجائبه، ليزداد إيماناً مع إيمانه، ويزداد حباً لمن أُنزل عليه القرآن عليه صلوات الله وسلامه، ويزداد ثقة بدينه وانتمائه لهذا الدين الحنيف، ويزداد يقيناً بالله ولقائه ووعده.

لائحة المصادر والمراجع

_ إعجاز القرآن لأبي بكر الباقلاني، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار المعارف، مصر، ط 5 سنة 1997 م.

_ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية لمصطفى صادق الرافعي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 8، سنة 2005 م.

_ آيات الله في الآفاق للدكتور أبي راتب النابلسي، كتاب الكتروني منشور على موقعه: www.nabulsi.com.

_ آيات الله في الإنسان للدكتور أبي راتب النابلسي، كتاب الكتروني منشور على موقعه: www.nabulsi.com.

_ الإعجاز العلمي في السنة النبوية د زعلول النجار منشور على موقع: www.elnaggarzr.com.

_ الاتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل ابراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 1974 م

_ البرهان في علوم القرآن لبدر الدين الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل ابراهيم، دار إحياء الكتب العربية، بيروت، ط 1، سنة 1957 م.

_ التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، تونس، سنة 1984 م.

_ جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، سنة 2000 م.

_ كتاب العين للخليل بن احمد الفراهيدي، تحقيق: د مهدي المخزومي، دار ومكتبة الهلال.

_ القاموس المحيط للفيروز أبادي، تحقيق: محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 8، سنة 2005 م.

_ كشاف اصطلاحات الفنون لمحمد بن علي التهانوي، تحقيق: د علي دحروج، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، ط 1، سنة 1996 م.

_ الكليات لأيوب بن موسى الكفوي، تحقيق: عدنان درويش، مؤسسة الرسالة، بيروت.

_ المعجزة والإعجاز في القرآن د سعد الدين صالح، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر، سنة 1993 م.

_ المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دار القلم، دمشق، ط 1، سنة 1412 هجرية.

_ مقاييس اللغة لأحمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1979.


[1] آيات الله في الآفاق للدكتور النابلسي ص 25 و26.\
[2] تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور ج 26 ص 354.\
[3] آيات الله في الإنسان للدكتور النابلسي ص 89.\
[4] المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني باب شرع ج 1 ص 450.\
[5] المعجزة والإعجاز في القرآن، د/سعد الدين صالح، (ص: 219 – 220).\
[6] كتاب آيات الله في الإنسان للدكتور النابلسي ص 74.\
[7] المصدر نفسه ص 74 و75.\
[8] الإعجاز العلمي في السنة النبوية د زعلول النجار ص 26.\