مدخل

تلعب الدراسات الاستراتيجية، في الدول المتقدمة، دورا رياديا في مساعدة القيادات السياسية في الوصول إلى رؤى عملية، وترشيد عملية صنع القرار السياسي، وذلك لأنها تزودهم بالمعطيات المناسبة التي تبحث في وضعية الدول الاستراتيجية، وتقيم المخاطر السياسية الحالية والمتوقعة، وتحلل عناصر القوة ومواطن الضعف من خلال منظور ارتيادي يهدف لرصد الواقع وتحليله واستشراف المستقبل.

ومن هذه الدراسات الخطيرة تقرير صدر سنة 2007 عن مركز “راند” الأمريكي، وأعدته شيريل بينارد، وعنونته بـالإسـلام الديمقـراطي المدنـي: الشركـاء والمصـادر والاستراتيجيات). وقد ترجمه إلى العربية إبراهيم عوض، وصدر عن “دار تنوير” سنة 2013 في حوالي 128 صفحة.

المركز والباحثة

تعتبر مؤسسة “راند” من أكبر مراكز الدراسات الاستراتيجية في العالم، مقره الرئيسي في ولاية كاليفورنيا. ويعمل فيها حوالي 1600 باحث وموظف يحمل جلهم شهادات أكاديمية عالية. وتبلغ ميزانيتها السنوية حوالي 150 مليون دولار أمريكي. وتصنف من ضمن أهم المؤسسات المؤثرة بشكل كبير في عملية صناعة القرار الاستراتيجي الأمريكي بسبب ارتباطها الوثيق بـ”البانتاجون” والوكالات الاستخباراتية. وأخطر ما في عملها أنها تدعم توجهات التيار المتشدد في الإدارة الأمريكية، وتصب أغلب دراساتها وبحوثها في خانة أنصار مواجهة مع الخصوم، وخاصة الإسلام.

أما المؤلفة فهي شيريل بينارد، عالمة اجتماع مرموقة. خريجة الجامعة الأمريكية ببيروت، وحاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة فيينا. مجال تخصصها أفغانستان والمنطقة العربية وقضايا التعليم، وهي نمساوية الأصل، أميركية الجنسية، يهودية الديانة. وهي زوجة دبلوماسي أميركي أفغاني الأصل من رموز المحافظين المتشددين، وتعتبر من كبار المحللين في مؤسسة “راند”، ومن ثمَّ فهي مرجع لدى الدوائر الأمريكية في حركات “الإسلام السياسي”. نشرت كتابات تتناول مواضيع المرأة المسلمة، سخرت فيها من الحجاب، باعتباره رمزا للخضوع. والتقرير الذي نحن بصدد قراءته وتقريبه يعد أبرز كتبها، وهو عبارة عن حصيلة بحث استمر ثلاث سنوات.

تنبيه

أقرأ لكم من غلاف الترجمة العربية ملاحظة ذكية للناشر تنبه إلى أن المصطلح المستخدم في هذه الدراسة يعبر عن رؤية متحيزة بطبيعتها لامبريالية تسعى لتشكيل “الآخر المسلم” طبقا لتصورات خاصة، والتي تصبغ عليها مركزية ومطلقيَّة إنسانية. فوجب الانتباه ـ بل والتحفز الشديد ـ أثناء القراءة للمعاني العميقة للمصطلحات من قبيل: “تحديث الإسلام” و”التطرف الإسلامي” و”الأصوليون” و”الشركاء”…

القضية: كيف نمنع “التطرف الإسلامي” ونتحكم في “منابعه”؟

ينطلق التقرير من انشغال استراتيجي غربي عميق؛ مفاده أن العالم الإسلامي يغرق في صراع داخلي بين مكوناته حول “تحديد طبيعته وقيَمه الخاصّة”، ذلك الصراع الذي تعتقد بينارد بأنه ستمتد آثاره الخطيرة إلى المستقبل، مما يجعلها تبني على هذا التخوف سؤالا محوريا في دراستها هذه، وهو: ما الدور الذي يستطيع باقي العالم، المهدد بآثار ذلك الصراع، القيام به، بغية الوصول إلى نتائج أكثر سلمية وإيجابية؟

ولكي تتوصل لـ”معالجة حكيمة” لهذا الموضوع، تؤكد الباحثة أن الأمر يتطلب فهما دقيقا للصراع الإيديولوجي الذي يدور داخل الإسلام، وذلك للوقوف على الشركاء المناسبين، ورسم الأهداف الواقعية، وتحديد الوسائل اللازمة لدفع هذا التطور باتجاه إيجابي).

لماذا؟

لأن الغرب ـ حسب الدراسةـ يريد أولا منع انتشار العنف والتطرف، والتحكم ـ ثانيا ـ في الأسباب التي تغذيه، وأثناء ذلك تطمح مؤسساته إلى عدم ترك أي انطباع يشير إلى كونها تعادي الإسلام.

وعلى هذا الأساس فإن الدراسة تؤكد أن العالم الغربي أصبح بعد 11 شتنبر 2001 في أمسِّ الحاجة إلى تطوير تفسير ديمقراطي معتدل للإسلام)، لأنها مقتنعة أن الإسلام دين له نفوذ ضخم لا يمكن تجاوزه، لكنه يلهم أتباعه مجموعة من الأيديولوجيات والأنشطة السياسية التي تهدد الاستقرار العالمي)، ومن ثم فإنها توصي بضرورة دعم الاتجاهات الإسلامية الأكثر سلمية وديمقراطية وحداثة. لكن السؤال الذي يؤرقها هو: “ما هي أفضل الطرق للقيام بذلك؟”

الاتجاهات الرئيسية التي تعبر عن قضايا الإسلام المعاصر

يبدأ الكتاب بفصل يعرض لما وصفته الباحثة بـالأطياف الداخلية التي تتجادل حول تفسير الإسلام وشكل المجتمع)، وتحددهم في أربعة:

1. الأصوليون: الذين يرفضون القيم الديمقراطية والثقافة الغربية المعاصرة، ويريدون دولة سلطوية متزمتة تطبق رؤيتهم المتطرفة للشريعة والأخلاق الإسلامية. إنهم نسخة عدوانية توسعيَّة لإسلام لا يتورع عن العنف.

مما يثير الانتباه هنا؛ أن الباحثة لا تفرق أثناء حديثها عن “الأصوليين” بين أطيافهم المتنوعة، التي تصل في كثير من الأحيان إلى حد التناقض؛ فهي تجمع في سلة واحدة “الجهاديين” و”النصوصيين” والحركات الإسلامية المختلفة وتتعامل معهم بمنهجية واحدة.

2. التقليديون: الذين يريدون مجتمعا محافظا، ويتشككون في الحداثة والإبداع والتطور. وتقسمهم إلى فئتين:

أ. تقليديون محافظون: يهدفون إلى الحفاظ على قواعد الإسلام وقيمه، وتكريس السلوك المحافظ ما أمكن، وهم يعتبرون إغراءات الحياة الحديثة خطرا، لذا يقاومون أي تغيير.

ب. تقليديون إصلاحيون: يؤمنون بوجوب تقديم الإسلام لتنازلات في قضية التطبيق الحرفي لتعاليمه، حتى يظل فعالا وجذابا، وهم مستعدون لمناقشة المحاولات الإصلاحية وإعادة تفسير النصوص.

3. الحداثيون: الذين يريدون أن يصبح العالم الإسلامي جزءا من الحداثة العالمية، وأن يتم “تحديث” الإسلام وتقويمه ليواكب العصر. وهم يؤمنون بـ”تاريخانية الإسلام”، وإمكانية تحديد “جوهر أساسي” للدين الإسلامي تقويه التغييرات الكثيرة.

4. العلمانيون: الذين يريدون أن يقبل العالم الإسلامي انفصال الدين والدولة، مع قصر الدين على المجال الخاص.

الغريب أنه ورغم كل هذه التقسيمات الأكاديمية، فإن الباحثة تعترف بأنه ينبغي إدراك هذه التصورات باعتبارها درجات متتالية وليست فئات متمايزة، إذ لا توجد فواصل محددة بينها) مما قد ينتج تداخلا كبيرا بينها.

قضايا مشتركة، وإجابات متباينة

تؤكد الباحثة أن القضايا التي تتعلق بـ”العقيدة” و”نمط الحياة” هي الميدان الذي تسعى كل الأطراف للانتصار لتصوراتها حتى ترسخ سيطرتها؛ فإذا أمكن لبعضها أن تخفي موقفها من العنف، فمن غير الممكن إنكارها لآرائها بشأن القيم الرئيسية أو نمط الحياة، فـتلك الخيارات هي التي تحدد هويتها وتجذب إليها أعضاء جددا).

فإذا كان “الأصوليون” يسعون لإقامة مجتمع هرمي متقشف دقيق التنظيم، يتمسك كل أفراده بتعاليم الإسلام حرفيا، ويتم فيه إزاحة المرأة من المجال العام، مجتمع شمولي، يعتقد بوجوب تدخل الدولة لإكراه الأفراد على التمسك بالسلوك الإسلامي، ويعملون من أجل أن يسود هذا النظام كل العالم، فإن “التقليديين” ينظرون إلى المجتمع الإسلامي الأول باعتباره نموذجا مثاليا من الواجب احتذاؤه، وإن لم يحاولوا بالضرورة تطبيق مبادئه، إلا أن الإصلاحيين منهم يعيدون تأويل الممارسات التي تبدو إشكالية اليوم أو تجنبها.

أما الحداثيون فلا يرون في الممارسات الإسلامية الماضية إلا جزءا من السياق التاريخي الدائم التغيير، بمعنى أنهم لا يرغبون أبدا في إعادة إنتاج مجتمع صدر الإسلام. ويتطلعون إلى مجتمع يعِّبر فيه أفراده عن تدينهم بالطريقة التي تروقهم، ولا يجدون أي حرج في القيام بتغييرات ومراجعات حتى فيما يعتبر من الثابت في الدين.

أما العلمانيون فإنهم يرفضون جملة وتفصيلا الممارسات التي تتعارض مع مكتسبات الحداثة، ولا يشغلون بالهم مطلقا بمقتضيات الإسلام. وإذا كان المعتدلون منهم يحصرون الدين في المجال الخاص، فإن المتطرفين منهم يعادون الدين كلية.

الدولة الإسلامية: نموذج للقضايا المحورية والمواقف العقدية إزاءها

خصصت الباحثة في آخر الكتاب جدولا بأهم القضايا المحورية داخل الإسلام والمواقف العقدية إزاءها، وحددتها في: حقوق الإنسان والحريات الفردية ـ تعدد الزوجات ـ الحدود الجنائية الإسلامية ـ الحجاب ـ ضرب الزوجات ـ وضع الأقليات ـ مشاركة النساء في الحياة العامة ـ الجهاد ـ مصادر التشريع، لكني سأكتفي هنا بتقريب حديثها عن مسألة “الدولة الإسلامية”.

توضح الباحثة أن “الأصوليين المتطرفين” يعتقدون بأن الدولة الإسلامية ينبغي أن تكون عالمية، وأن توجِّه كل ألوان السلوك، وأيّما أمر ليس فيه نص صريح فلا بد من رأي “سلطة دينية”.

أما “الأصوليون النصوصيون” فيرون أن الإسلام يمكن أن يتحقق في دول مجزأة منفصلة، وإن كانوا يؤمنون بأن الأمة العابرة للقوميات هي الحل المثالي.

ويفضل التقليديون في حالة انعدام الدولة الإسلامية العيش داخل مجتمع إسلامي ينصاع فيه للكبار والأسرة وقادة المجتمع الدينيين.

وإذا كان الحداثيون يؤكدون أن الإسلام لم يدِّع يوما بأنه جاء لتكوين دولة، على اعتبار أنه منهج وفلسفة جاء يهدي الفرد ويحمله كاملة المسؤولية عن سلوكاته وقراراته وسط جماعة دائمة التغير تموج بأفكار عقلانية، وأشخاص لا يكفون عن التساؤل، فإن العلمانيين لا يرون في الإسلام إلا دينا يهتم بالأمور الخاصة، ومن ثم على الدولة الالتزام بالسماح له، لكن على المسلمين – باعتبارهم مواطنين – الالتزام بالقانون المدني، والتأقلم مع العصر الذي يعيشون فيه. أما العلمانيون المتطرفون فإنهم ينظرون إلى باعتباره قوى رجعية في المجتمع، ينبغي إزاحته.

البحث عن شركاء لترويج “إسلام ديمقراطي”

في الفصل الثاني من الكتاب تبحث الباحثة في الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة لإيجاد شركاء لترويج ما تعتبره إسلاما ديمقراطيا، وتشير إلى أن ذلك يحتاج إلى جهود طويلة المدى، وتعترف بأن “الإلقاء بكل الثقل” في الصراع القيمي الحالي يستلزم تحديد الغايات بعناية تجنبا لأية تداعيات غير مقصودة.

وبعد طول مناقشة وتحليل، تخلص الباحثة إلى “المنهج المركب” التالي، والذي تعتبره الأرجح والأكثر فاعلية.

البدء بدعم الحداثيين:

– نشر أعمالهم وتوزيعها بأسعار مدعمة.

– خلق زعامات ومثل للاحتذاء.

– تشجيعهم على الكتابة للجماهير العريضة وللشباب، وليس الكتابات الأكاديمية فقط.

– دمج آرائهم في مناهج التعليم.

– نشر آرائهم وتفسيراتهم، وذلك لمنافسة آراء وفتاوى الأصوليين والتقليديين الذين يمتلكون مواقع إلكترونية ودور نشر ومدارس.

– طرح “العلمانية” و”الحداثة” باعتبارهما الخيار الثقافي البديل أمام الشباب الساخط.

– المساعدة في تطوير منظمات المجتمع المدني من أجل تعزيز الثقافة المدنية.

ومن الحداثيين التي توصي الباحثة باحترامهم و”ترميزهم”، بل تقديمهم كـ”أبطال ملهمين للحريات المدنية” نجد خالد أبو الفضل ومحمد شحرور وشريف ماردين وبسام طيبي وهاشم آقاجاري … وغيرهم.

دعم التقليديين ضد الأصوليين

– نشر انتقادات التقليديين للعنف والتطرف الأصولي.

– إحباط أية تحالفات بينهما.

– تشجيع التعاون بين الحداثيين والتقليديين.

– تدريب التقليديين وإعدادهم للمناظرة مع الأصوليين.

– زيادة وجود الحداثيين ونشاطهم داخل المؤسسات التقليدية.

– تشجيع انتشار التصوف وتقبل المجتمع له؛ على اعتبار أنه يمثل التفسير الفكري المنفتح للإسلام. فمن خلال الشعر والموسيقى والفلسفة يستطيع التقليد والممارسة الصوفية والقيام بدور الجسر الذي ينقل هذه المجتمعات خارج نطاق التأثيرات الدينية.

وفي هذا السياق توصي الباحثة بـ”احترام” ما يطرحه “فتح الله كولن”، باعتبار أفكاره نسخة من الحداثة الإسلامية متأثرة تأثرا قويا بالتصوف، ولأنه يؤكد أيضا على أهمية التنوع والتسامح ونبذ العنف.

مواجهة الأصوليين ومخالفتهم

– الاعتراض على تفسيرهم للإسلام وإبراز أخطائهم.

– الكشف عن صلاتهم بالجماعات والأنشطة غير القانونية – فضح ما يرتكبونه من عنف.

– تشجيع الصحافيين على التحري على حالات الفساد، والأعمال اللاأخلاقية في أوساطهم.

– تشجيع الانقسام وسطهم.

تنبيه: الغريب – رغم كل هذا – فإن الباحثة تشير إلى أن الغرب يمكن أن يدعم الأصوليين “لاعتبارات تكتيكية عابرة”، لكنها لا تفصح عن نماذج لهذه الاعتبارات.

دعم العلمانيين على نحو انتقائي

– تشجيع التعامل مع الأصولية كعدو مشترك، وتثبيط أي تحالف علماني للقوى المناهضة للغرب على أسس قومية.

– تأييد فكرة الفصل بين الدين والدولة في الإسلام، وأن ذلك لا يعرض الدين للخطر، بل يزيده قوة.

وفي نهاية هذا “المنهج المركب” تنبه الباحثة إلى أنه مهما يكن المنهج أو المزيج من المناهج المختارة فإننا نوصي بتنفيذ ما يتم اختياره بتأن، مع التنبه للقيمة الرمزية لبعض القضايا، والمعنى الذي يمكن أن يفسر به اتخاذ صانع القرار الأمريكي لبعض المواقف حيال هذه القضايا، والتداعيات الناجمة على هذه المواقف على الأطراف الفاعلة الأخرى، بما في ذلك مخاطر الإضرار بمن نسعى للتعاون معهم أو تشويه سمعتهم، وتكاليف الفرض الضائعة والنتائج غير المقصودة للمواقف والتحالفات ذات الإغراء على المدى القصير).

توصية هامة: تغذية فشل الإسلاميين في الحكم

أثناء بحثها عن “المنهج الحكيم” الذي يمكن للولايات المتحدة أن تتبعه للترويج لما سمته بـ”الإسلام الديمقراطي”، أشارت الباحثة بأن لديها من المؤشرات ما يثبت عجز الأصوليين المتطرفيين حين ينتقلون من المعارضة إلى السلطة عن الاحتفاظ بدعم شرائح عريضة من الشعب بما يتسم به أسلوبهم من طغيان وتصلب). وعليه، فإنها توصي بأن يتم تغذية هذا الفشل والاستفادة من رد الفعل الارتجاعي العنيف؛ فالشعوب التي تتعرض للأصولية القمعية بشكل خاص قد يكون رد فعلها التنبه إلى ما للحداثة والعلمانية من جاذبية).