مباشرة بعد تنصيب الحكومة الحالية بدأ البعض يطالب بالتنزيل والتأويل الديمقراطيين للدستور. قليل من هذا البعض يرفع هذا المطلب برغبة صادقة انطلاقا من بصيص الأمل الذي يدفعه للتشبث بما يحسبه خيطا ممكنا لإرادة رسمية في الإصلاح مهما كان هذا الخيط أوهى من بيت العنكبوت. أما أكثر هذا البعض فدافع المزايدة لديهم لا يخفى على أحد وهم الذين ما كانوا يوما يرون حاجة ولا داعيا حتى لمراجعة الدستور.

لكن دعونا نواجه الحقيقة الواضحة كما هي دون الاختباء وراء غبار المزايدات المكشوفة ولا سراب الأمل المنعدم. الحقيقة تكمن في الجواب عن السؤال التالي: هل الدستور ديمقراطي أصلا حتى تكون المشكلة هي مجرد الحاجة إلى تأويله أو تنزيله ديمقراطيا؟

الجواب نتلمسه من خلال استقراء المنهجية التي اعتمدت في وضع الدستور ومن خلال مضمونه.

بالرجوع إلى المنهجية نجد أن الملك عين لجنة استشارية بشكل انفرادي عوض أن تكون جماعية مجتمعية، بل إنه حدد ثوابت الدستور ومرتكزاته التي من المفترض أن يرسمها حوار وطني واسع يعبر عن الإرادة الشعبية. وحتى ما سمي بـ”الآلية السياسية” للتتبع والتشاور كانت شكلية مؤثثة فقط وليست شريكا فعليا في صياغة الدستور، ولا أدل على ذلك من أنها لم تتسلم نسخة مكتوبة من مسودة الدستور إلا ب 24 ساعة قبل تعميمه وهو ما جعل دورها لم يتجاوز المباركة.

باعتماد هذه المنهجية كنا مرة أخرى أمام دستور ممنوح كالدساتير السابقة رغم اللجوء إلى بعض الإجراءات التقنية الشكلية، مثل الآلية السياسية للتتبع، لمغازلة الضغط الشعبي الهائل الذي كانت شعارات “الهيئة التأسيسية” و”الدستور الشعبي” تملأ لافتاته ويتردد صداها في المسيرات والمظاهرات.

لكن تلك الإجراءات بقيت صورية غير مؤثرة مما انعكس على مضمون الدستور الذي جاء لتجسيد إرادة المانح عوض إرادة الشعب المنتفض، ولا حتى إعطاء قليل من الاعتبار للأحزاب السياسية باعتبارها قوى الشعب ونبضه، فقد حصر الفصل السابع من الدستور أهداف الأحزاب في “المشاركة في ممارسة السلطة” ، مجرد مشاركة بدل هدف الحكم كما هو متعارف عليه في أبجديات الديمقراطية. وحتى هذه المشاركة فهي محدودة من حيث الصلاحيات والمجالات لكنها ثقيلة من حيث تحمل الحكومة المنتخبة لكل التبعات، خاصة السلبية، مع شريك غير منتخب يمارس أوسع السلط لكن لا يخضع للمحاسبة ولا حتى المساءلة.

وفي المقابل تم منح الجهة المانحة صلاحيات واسعة ومطلقة ومركزة في أهم مفاصل السلط الثلاث: فالملك يرأس المجلس الوزاري حيث تقرر السياسات الاستراتيجية ويصادق على القوانين، وله سلطة حل مجلسي البرلمان، وعنه يصدر الأمر بتنفيذ القوانين، وممنوع على البرلمان مناقشة خطاب الملك أمامه مما يجعله المرجع المقدس في مختلف السياسات وتختفي أمامه كل البرامج والوعود. كل هذا مسيج محصن بسلط هامة منح الدستور رئاستها للملك، فهو رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئيس المجلس العلمي الأعلى، ورئيس المجلس الأعلى للأمن والقائد الأعلى للقوات المسلحة. والممارسة تؤكد أن الأمر لا يقف عند الترؤس الطبيعي لهذه المجالس مثل أي رئيس دولة لكن يتجاوزه إلى التحكم الحصري في سياسة ومخططات وتنفيذ هذه المجالات الهامة على خلاف ممارسة الدول الديمقراطية التي تمتلك فيها الحكومة صلاحية تحديد السياسة الأمنية والدفاعية من خلال وزارة الدفاع والداخلية التابعتين لها حقيقة لا شكلا. ويضاف إلى تلك الصلاحيات الواسعة سلطة التعيين في أهم المناصب.

وهذا ما يجعل هذه المواد من الدستور، على قلتها، هي كل المتن بحكم جمعها لمعظم السلط، فيما تبقى باقي الأبواب والمواد هامشا على المتن.

فأين هي الديمقراطية في منهجية وضع الدستور وفي مضمونه حتى نطالب بتنزيلها؟

فلتكن المطالبة إذن بالممكن لا بالمستحيل. وقد أثبت الواقع طوال عقود الاستبداد، في المغرب وفي مختلف الدول العربية، أن مطلب التأويل أو التنزيل أو المراجعة الديمقراطية للدساتير مستحيل ممتنع أو في أخف الأحوال سراب وأوهام. وهو أيضا مستحيل بالنظر إلى طبيعة النص الدستوري الذي يضع الصلاحيات الأساسية خارج يد الحكومة، وهذا ما يجعل ما يذهب إليه رئيسها عبد الإله بن كيران من تأويل وتنزيل للدستور صحيحا مائة في المائة، وهو منسجم مع نفسه ومع الدستور عندما يكرر أنه فقط مساعد للملك وأنه مجرد رئيس حكومة.

ويبقى الممكن الواقعي الواضح هو مطلب التأسيس الديمقراطي للدستور، لأن من يمتلك سلطة التأسيس للدستور يمتلك فرض مضامينه وهو المرجع في تأويله والضامن في تنزيله.نعم ممكن لأنه تحقق خلال موجة أولى قصيرة من الحراك الشعبي في الدول التي انحازت فيها القوى المجتمعية إلى صف الشعوب فكانت البداية الصحيحة، وكل المؤشرات الواقعية تؤكد أن القادم أفضل وأصح وأقصر زمانا وأقل كلفة مهما طعن من الخلف أو رمي في طريقه من قشور الموز أو الأشواك أو الألغام من قبل الأنظمة أو بقاياها أو المستفيدين من بقائها لتعطيل وإرباك حركة التغيير العميقة، والعمل بكل الوسائل لتحويل دول الربيع العربي إلى ساحات للحروب والفتن واتخاذها نماذج لتهديد الشعوب بتخييرها بين القبول باستمراء العيش تحت الاستبداد بلا كرامة ولا حقوق ولا سيادة وبين ثمن الانتفاض لاستعادة كل ذلك مثلما فعلت كل الشعوب التي صعدت إلى قمة التنمية وكانت بداية الصعود امتلاكها السيادة والحرية والكرامة، والتي تشكل نموذجا يوميا ومجاورا تقارن شعوبنا نفسها بها وترى الفرق الشاسع بين ما يعيشه أولائك من تنمية واستقرار وعيش كريم نتيجة المستوى العالي من الديمقراطية الحقيقية المحروس بالسيادة الشعبية، وبين الوضع المتردي الذي نرزح تحته بفعل الاستبداد والفساد رغم ما حبانا الله من إمكانيات. بهذه النماذج، الجارة بل الأقرب إلينا جغرافيا، نقارن أنفسنا لا بالنماذج البئيسة التي تتخذ فزاعة لكبح أي أمل في التغيير. والواقع أن كل ما ينصب من عراقيل وإرهاب ومشوشات أمام حركة التغيير تنتج مفعولا عكسيا للمراد منها وتشكل أكبر مغدي للموجات التالية من الحراك المجتمعي الذي تزداد شروط استعاره يوما بعد يوم، وفي قلب هذه الشروط الإصرار على الاستبداد والفساد وتوابعهما من تعمق الأزمات واشتداد معاناة الشعوب وانكشاف جميع الشعارات الزائفة وانتهاء أمد كل الطرق الملتوية واحتراق كل أوراق المناورة.