مقدمة

لا يشك أحد أن الإحساس بالجمال نعمة، وفطرة مغروزة في داخل قلب كل إنسان، لكن استعمال هذا الإحساس يختلف بين الناس، فعند بعض الناس قد يتعطل، وعند بعضهم قد يستعمل بشكل مفرط، وعند بعضهم وهم قليل من يستعمل هذا الإحساس بشكل إيجابي وصحيح. فإذا كنا نؤاخذ المفرطين فيه لأنهم استعملوه بشكل سلبي، فكذلك علينا أن نعزي الفاقدين له لأنهم فرّطوا فيه.

إذا كنا نتفق أن الجمال بالمعنى والظاهر، وأنه بالمعنى أولى وأحسن، فعلينا أن نتفق أيضا بأن الواحد منهما لا يغني عن الآخر، إذ لا يمكن أن نكتفي بالجمال المعنوي دون الجمال الظاهري، كما أنه لا يمكن أن نكتفي بالجمال الظاهري دون الجمال المعنوي. فهما مترابطان لا يفترقان. وتكاملهما هو الذي يعطي للإنسان الشخصية المثالية. ذلك أنه ينبغي أن نعلم أن كل إنسان يمثل صورة متحركة بذاته يراها من حوله من داخلها بأفكارها وتصوراتها، ومن خارجها بتصرفاتها وأفعالها. لذلك من تمام الجمال في الإنسان أن يرسم صورة مثالية جميلة في الواقع.

في معرض الحديث عن الجمال نجد أقوالا وحكما عديدة قيلت عنه من قبل المفكرين والفلاسفة وغيرهم، إما تحاول تعريفه أو تحاول التحسيس به، فمثلا من هذه الأقوال والحكم: كن جميلا ترى الوجود جميلا). وفي قلب كل إنسان فنان)، أي إحساس فطري بالجمال. غير أن الجمال ليس هو الفن، هذا الأخير أعمال إبداعية بينما الجمال هو تصنيف هذه الأعمال من الأقل جمالا إلى الأعلى جمالا. ومنها أيضا أن الجمال هو الهدف الأصيل من الفلسفة في العصر الحديث، يعني أن الفلسفة تبحث عن الجمال في كل شيء. وعلى هذا نجد للجمال علما وفلسفة، وقيما ومعايير. فيقال: “علم الجمال” و”فلسفة الجمال” و”قيم جمالية” و”معايير جمالية”.

فما هو الجمال إذا؟ شعور ينبعث من الوجدان أم مجرد رؤية بالعيان؟ هل الجمال بالمعنى أم بالظاهر؟ روحي أم مادي؟ ما هي تجليات الجمال في الإنسان والكون والحياة؟ هل كل الناس يحسون بالجمال ويتذوقونه أم بعضهم فقط؟

مفهوم الجمال

الجمال نوع من الإبداع يظهر في الشكل كما يظهر في المضمون، في المظهر والسلوك، في الكون والحياة والإنسان، في الصوت والصورة والفكرة. نقصد بجمالية الصوت والصورة السّحر الحلال الذي يملأ العيون صفاء، والقلوب نقاء، والنفوس هدوءا، والعقول ذكاء. أما تجليات الجمال السلوكية فتظهر في سجدة الساجد، وبكاء العابد، وجهاد المجاهد، وحكمة الراشد، وهي أيضا تظهر على الشفاه بسمة، وعلى الوجوه بشاشة، وعلى اللسان تصديق، وعلى اليد سخاء كما يليق، وفي المظهر تنسيق، وفي المخبر تحقيق، وهي أيضا في الكون إبداع، وفي الشعر سماع، وفي الموسيقى إيقاع. فكن جميلا ترى الوجود جميلا..

الجمال تذوق ينافي العنف والفوضى، ينافي ما يخدش الحياء ويبعث على اشمئزاز النفوس.

الجمال قيّم يتقمصها الشخص ليسلك بها طريق الحياة.

الجمال ألوان منسقة عبر الفصول، وأعمال منظمة تعبر عن الأصول، وآداب تبعث على الذهول، وكلمة طيبة وابتسامة ترقى إلى مقام الوصول.

الجمال حب لمظاهر الطبيعة واخضرارها، ولأمواج البحر وعلوّها، ولقمم الجبال ومعانقتها لأجواء السماء الصافية، حب لزقزقة العصافير وتغريدها، ولخرير المياه وانسيابها.

من يحب العنف في حياته، ويفتقر إلى الإحساس تجاه الآخرين، من يعيش الفوضى في عمله، ويكره الطبيعة بالإساءة إليها، من يفتقد التوازن في شخصيته، من ليس له تذوق للأشياء المحيطة به، فليبك على نفسه فقد حُرم خاصية من أعظم الخصائص المكونة لشخصية الإنسان، ألا وهي الإحساس بالجمال وتذوقه في الحركات والسكنات، في معاني الأشياء وأوانيها، في الوجود والموجود.

إن كل ما يصدر عن الإنسان من أصوات وأقوال، وكل ما يصدر عنه من سلوكيات وأفعال، وهو يتحرك في الواقع، وهو يتعامل مع الآخر، وهو يتفاعل ويتواصل، إنما هو بكل ذلك يرسم صورة عنه في الواقع قد لا تبدو له ولكنها تبدو لجميع من حوله. فمن راسم لصورة جميلة تملأ العين، وترضي الرب، وتبعث في القلوب انشراحا، ومن راسم لصورة باهتة لنقص في الأداء، أو رداءة في الأضواء، أو ضعف في الألوان، أو عور في بعد النظر، صورة تؤذي البعيد وبالأحرى القريب، تخدش المحيط الذي تُرسم فيه أو تنتمي إليه، ثقيلة على النفوس النقية، تنفر منها، تتعب القلوب التقيّة تكرهها.

يا حسرة على العباد! غفلة أم عدم الرؤية؟

كون فسيح، فيه من الإبداع والإحكام والإتقان ما يذهل العقول، ويحير الألباب. لكن من كثرة اعتياد الإنسان على النظر إليه صباح مساء، في كل ما تحمله الأرض أو متعلق بالسماء، أصبح لا يدرك دلالات ما تقع عليه العين من أشكال هندسية وصور رائعة، وما تسمعه الأذن من إيقاعات موسيقية وأنغام هادئة.

يغيب عن بعض الناس حقيقة مهمة أن للإنسان بهذا الكون علاقة وطيدة، وأية علاقة! ما أعظمها! إنها علاقة تفاعل تتجلى في الأخذ والعطاء، وعلاقة تواصل تتجلى في تبادل الأسرار والأخبار عبر الزمان والمكان. هذه العلاقة اكتوت بنار المدنية وأضوائها وألوانها واكتساحها لليخضور، حتى أنها غطّت عن العيون رؤية حقيقة الوجود لإدراك عظمة الواجد الأحد الفرد الصمد. عن رؤية هذا الكتاب المنشور إعجازا إلهيا وهداية بجانب الكتاب المسطور دعوة ورسالة.

أنواع الجمال

إن الجمال كغيره من الأسرار الوجودية فيه الثابت وفيه المتغير، فيه الجميل بذاته وفيه الجميل بغيره. فالجمال الثابت هو الجمال المعنوي، فالأخلاق الجميلة ثابتة، فالصدق والوفاء والأمانة والتسامح والرحمة كلها أخلاق ثابتة، ومظاهر الطبيعة الخلابة أيضا ثابتة، فالأزهار والورود والجبال والأنهار والأشجار والطيور كلها تبقى بأسمائها وجمالها. أما الجمال المتغير فهو الذي يتطور عبر الزمان والمكان. فما هو جمال في زمان ومكان قد يصبح قبيحا أو أقل جمالا في زمان ومكان آخر. ويتجلى هذا أكثر في الاختراعات والمصنوعات.

الجميل بذاته هو الذي تجتمع فيه جميع أوصاف وعناصر الجمال بالتمام والكمال دون أن نحتاج إلى مقارنته مع غيره لأنه لا يوجد ذلك الغير. فالله تعالى جميل بذاته. أما الجميل بغيره فهو الذي لا ترى عليه علامات الجمال إلا بمقارنته مع غيره سواء في دائرة الأمثال أو في دائرة الأضداد. فمظاهر الطبيعة يكون بعضها أجمل من بعض بالمقارنة مع مثيلاتها. فنقول ونحن نقطف وردة من وسط مجموعة من الورود: هذه وردة جميلة! لأنها تتميز عن غيرها في الجمال. وكذلك ينطبق الأمر عند الناس لاختيار بعضهم البعض عند الزواج مثلا. والأخلاق جميلة كلها بالمقارنة مع أضدادها، فنقول: إن الصدق جميل لأن الكذب قبيح، والأمانة جميلة لأن الخيانة قبيحة، والمحبة جميلة لأن الكراهية قبيحة، وهكذا جميع الأخلاق الجميلة الأخرى.

وفي الجمال أيضا نجد إلى جانب هذه الأنواع الأربعة الجمال الخالص والجمال الغير الخالص. فالجمال الخالص مرتبط بالذوق، عندما يحس الإنسان بشيء بأنه جميل فإنما يحكم عليه بتذوق جماله. هذا الجمال الخالص من مميزاته أنه لا يثير فكرة ولا يبعث على عبرة. بينما الجمال الغير الخالص مرتبط بالعقل، عندما يرى الإنسان شيئا ويحكم عليه بأنه جميل إنما يحكم عليه بالعقل وليس بالذوق. وهذا الجمال الغير الخالص من مميزاته أنه يخضع لمعايير تجعله جميلا، وهذه المعايير ترتبط بالقيمة والنفعية.

معادلة صغيرة، إذا أردت أن تعرف من له إحساس بالجمال ومن يفقده فانظر إلى شخصين: أحدهما يمرّ على الأشياء تستوقفه للتأمل والتعبير، والآخر يمرّ عليها مرور الكرام لا يردّ لها بالا. نستنتج من هذه المعادلة أنه عندما أحس بجمال استوقفني فإن هذا الإحساس يمرّ بثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: الشعور بالجمال ويكون بالقلب.

المرحلة الثانية: الاستمتاع به ويكون بالعين.

المرحلة الثالثة: التعبير عنه ويكون باللسان.

وهذه المراحل كلها إنما تتم في لحظات فقط.

فإن كان هذا الإحساس بالجمال يمرّ بثلاث مراحل فإنه أيضا يتأثر بعدّة عوامل تجعله يختلف من إنسان لآخر، من هذه العوامل وعلى رأسها: العامل النفسي للإنسان والعامل الثقافي المرتبط بالمحيط. هذه العوامل لها دور رئيسي في عملية إدراك الجمال وتذوقه.

فلسفة الجمال

ناقش الفلاسفة عبر التاريخ قضية الجمال كل فيلسوف من زاويته الخاصة. فهناك من تطرق إلى كون الجمال قضية نسبية لا يمكن أن تجتمع جميع عناصره إلا في الآلهة، فهي الأعلى جمالا أو ذات الجمال المطلق. وهناك من تطرق إلى كون الجمال محكوم بالغائية أي بالنفعية. فنقول هذا شيء جميل إذا كان نافعا وإلا كان قبيحا. وبهذا يكون الإنسان الجميل هو الإنسان الفاضل صاحب الإيمان القوي والسمت الحسن، هو الإنسان المثالي.

وهناك من توصل من خلال دراساته وأبحاثه إلى أن حب الجمال هو الجمال الحقيقي، وأن الجمال المحض والمطلق هو الله، ليتصور في النهاية أن أي شيء جميل في هذا الكون إنما يستمد جماله من الله منبع كل جمال.

وهناك فيلسوف آخر توصل من جانبه إلى أن الجمال الحقيقي يوجد في عالم المثل، في المعقول، في العالم الروحي، أما ما نراه في واقعنا وأمام أعيننا من جمال ونحس به إنما هو مجرد صورة تعكس ذلك الجمال الحقيقي. وتتم هذه الصورة المعاكسة عن طريق المحاكاة تماما كما تحاكي أعمال الفنان جمال مظاهر الطبيعة.

وتبقى هذه الأقوال مجرد معرفة، فإن كانت ولا بد منها حتى يستفيد منها الإنسان، فإنها لا تغني عن ضرورة إحساس الإنسان بالجمال في ذاته ومن حوله، في حياته لحظة بلحظة، وفي كل شيء، فيستمتع به ويعبر عنه بكل حرية وبكل أسلوب مناسب.

التلاعب بالجمال

وصلت بعض المؤسسات والشركات التجارية في بعض الدول إن لم نقل في أغلبها في استخدام الجمال إلى حدّ التلاعب الذي يُفقده حقيقته، وذلك بتوظيفه توظيفا سيئا في الحركة التجارية جلبا للزبناء ورفعا للأرباح ونيلا للشهرة. يتم في هذه المؤسسات استدعاء الشباب والشابات الموصوفين بالجمال والرشاقة تحت دعوى التوظيف، ثم وفق مقاييس ومعايير جمالية لديهم يختارون من بينهم من سيناسب التسويق لمبيعاتهم بجسده أمام الناس. أما الذين لا يتوفرون على تلك المعايير فإما يطردون وإما يوظفونهم في دهاليز مغلقة بأقل الأجور لوضع ملصقات الماركة على السلع وملء بها الصناديق. تماما كما يفعل وأكثر بل وأفظع في مؤسسات عارضي الأزياء ومعلني الإشهار. إذ يتم اختيار أفضل جمال من بين الأفضل. يتم هذا خلسة في الظلام دون مراعاة لقوانين التوظيف، ودون أدنى رقابة من رعاة حقوق الإنسان والمؤسسات الحكومية المسؤولة.

إن هذا التلاعب في نظري أكبر إساءة يعرفها التاريخ لحقيقة الجمال، لأنه بكل بساطة يميز بين الناس بما يملكونه من جمال جسدي وهو ليس من إبداع أيديهم بل من إبداع خالقهم، وهذا تمييز عنصري جديد يميز بالصفات الخلقية بدل الذكاء والخبرة والتجربة والشهادة العلمية، تمييز كما يسيء إلى حقوق الإنسان يسيء إلى قيم الجمال الحقيقية. 1 .

لم تعد اليوم للشهادة العلمية والكفاءة المهنية قيمة تُذكر لدى مؤسسات التشغيل وشركات التوظيف، بل الأولوية عندها لمواصفات الجمال. حتى أصبح الحديث في الأوساط الثقافية عن نوع جديد من الشخصية تسمى: “الشخصية التسويقية” التي حلّت محلّ “الشخصية الادخارية”. فالشخصية التسويقية هي الشخصية التي تعرض واجهتها المزينة والمزوقة والمنمقة على الآخر ليقبلها رغم ما تخفيه من نقص على المستوى العلمي، ومن فراغ على المستوى الأخلاقي، ومن ضعف على مستوى الخبرة والتجربة. بينما كانت الشخصية الادخارية هي الشخصية التي تتمتع بمميزات علمية وأخلاقية عالية وبخبرات جيدة تدفع الآخر ليكتشفها ويبحث عنها من خلال وسائل خاصة.

خاتمـة

أختم بهذا الحديث الذي اشتهر على ألسنة المسلمين كثيرا، لكن الكثير منهم لا يفقه معناه ومغزاه. الحديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه ، وأحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، وغيرهم. ونصه كما عند مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر”، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، قال: “إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس”. وأما معنى جملة إن الله جميل يحب الجمال فقد قال المناوي رحمه الله في شرحها كما في كتابه فيض القدير: إن الله جميل أي له الجمال المطلق جمال الذات وجمال الصفات وجمال الأفعال، يحب الجمال أي التجمل منكم في الهيئة، أو في قلة إظهار الحاجة لغيره، والعفاف عن سواه.


[1] هذا تعليق على برنامج تلفزيوني “اختيار الأفضل من بين الأفضل” أذيع على قناة Tv5.\