صدر للشاب الباحث الأستاذ الدكتور إدريس مقبول في بحر هذه السنة 2014م كتاب نفيس متميز في موضوع: سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين)، نقدمه من خلال الفقرات التالية:

بطاقة الكتاب التقنية

– الكتاب صدر عن إفريقيا الشرق بالبيضاء/المغرب سنة 2014م

– يقع الكتاب في 240 صفحة من الحجم المتوسط

– قدم للكتاب المفكر الألماني المسلم الأستاذ الدكتور مراد هوفمان

محاور الكتاب

مدار الكتاب بعد الشكر والتقديم على قضايا تسع توالت وفق الترقيم التسلسلي للمؤلف يمكن تصنيفها على النحو التالي:

مقدمات: ضمت ثلاث قضايا:

– ياسين مفكرا: إثباتا لغزارة فكر الرجل ورحابة الآفاق التي ارتادها

– سؤال المعنى: بيان للإشكال المركزي في الكتاب ولمركزيته في فكر الأستاذ ياسين

– المنهاج النبوي: بيان للإطار المعرفي والمنهجي والعملي لفكر الأستاذ ياسين

قضايا الموضوع الفلسفية: وهي على التوالي أربع قضايا:

– فلسفة المعرفة

– فلسفة الإنسان

– فلسفة التاريخ

– فلسفة الجمال

وهي محاور تحليل نظرية المنهاج النبوي في موضوع المعنى:

ففي فلسفة المعرفة تحدث عن الأسس الابستمولوجية لنظرية المنهاج النبوي من خلال ثنائية الفصل والوصل:

فصل بين الاستبداد والعقل المستقيل، وما بين المعرفة والإلحاد.

ووصل بين: الفطرة والوحي، والعقل والعمران.

ومن خلال ثنائيات أخرى كالعلم مفردا وجمعا، والآيات والقيم، والعقل المعاشي والمعادي، والمنهج الفكري والتفكري، والحيوانية الاصطلاحية والمعنوية، وغيرها.

وفي فلسفة الإنسان نجد فلسفة المعنى من خلال الأسئلة الوجودية الأساسية التي عجزت الفلسفة الغربية عن الإجابة عنها: من أنت ولم أنت أنت؟ ولا كيف أنت أنت؟

ومن خلال حقيقة الإنسان الكامنة في ثنائية الملك والملكوت، ثم ركز المؤلف على المنهج الذي يتم به صناعة الإنسان من خلال بيان مركزية التربية في المنهاج النبوي وربط التحويل الإيماني بمؤسسات التربية والتعليم وضرورة تحريرها، وربط هذا التحويل الإيماني بالرحمة والمواطنة القلبية، وذلك في سياق الثنائية الكلية الجامعة العدل والإحسان، مع التحذير من المزالق الثلاثة.

وفي فلسفة التاريخ: نجد النقد البليغ للحتمية التاريخية من خلال ثنائية عبادة التاريخ وعبادة المطلق، والكشف عن معضلات تاريخ المسلمين من خلال ثنائية فقه الدين وفقه التاريخ المترابطة سلبا وإيجابا، كما نجد الحديث عن أعالي التاريخ لضمان التحرر من أسر تموجات التاريخ، والتمكن من تحقيق الواجب والعدل، ليتم بعد ذلك التركيز على عقدة تاريخ المسلمين وحاضرهم ومستقبلهم وهو الانكسار التاريخي الذي انتقد فيه القراءات التاريخية المتراوحة بين التقديس والتدنيس، واقترح القراءة الثنائية الجامعة بين الشرع والقدر بين مقتضى الكتاب المنظور ومطلوب الكتاب المسطور لتجاوز القراءات المزيفة فتتم بذلك أسلمة التاريخ، ثم تدرج بنا إلى قضايا عملية كصناعة التاريخ انطلاقا من الفعل الحركي المنظم في الواقع اقتحاما وإقداما من أجل المستقبل، لأن هذه الصناعة لا تتم إلا وسط الصخب ومعاركة الباطل.

وفي فلسفة الجمال: أبان أن الذوق والجمال حاجيات نفسية وجب تلبيتها كما تلبى الحاجيات المادية وأن قوام الإبداع الفني في اجتماع الرحمة والحكمة اجتماع العقل والقلب، وإدراك النسبة بين الجمالين: الجمال المطلق وهو الله تعالى والجمال النسبي المادي في المخلوق الذي يهفو إلى الجمال المطلق بروحه وفطرته إيمانا وتعبدا مع اليقظة الإيمانية.

ومن فلسفة الجمال الحديث عن التربية على الجمال من خلال الجماليات النبوية القائمة على البساطة المريحة للنفس في النظافة واللباس والسلوك، ثم ركز على النقد الفاضح للرؤية الغربية في الفن القائمة على الجمالية الوثنية الموروثة عن الإغريق والدوابية الحداثية الهابطة.

خاتمة: وهي عبارة عن أهم النتائج التقييمية التي خلص إليها البحث، وتضم ما يميز فكر الإمام ياسين في نظر المؤلف من:

– أصالة في المبنى والمعنى والتجديد في الوظيفة والإعمال.

– غزارة فكرية وعمق روحي.

خلص المؤلف من خلال جولته التحليلية في ثنايا نظرية المنهاج النبوي إلى أن الأستاذ ياسين أصيل في لغته ومفاهيميه التحليلية متميز بانفتاح كبير على جديد الأفكار استطاع أن يستوعبها وأن يفيد منها وأن ينتقدها وينقض ما فيها من عبث المنافي للمعنى، متميز كذلك بالقدرة على مراجعة أفكاره، له غزارة فكرية نادرة عالج مختلف القضايا والإشكالات الفلسفية العميقة بعمق روحي وعلمي كبيرين.

منهج الكتاب

اعتمد المؤلف في إدارة قضايا الكتاب السابقة بمنهج علمي جمع بين:

– استقراء المادة العلمية من مختلف مظانها الأصلية والتبعية.

– الوصف الدقيق لخريطة فكر الأستاذ ياسين في موضوع الكتاب.

– التحليل العميق لتصورات الأستاذ ياسين ومواقفه ولقضايا الفكر الغربي الفلسفية.

– التعليل للمواقف والأحكام والسلوك.

– المقارنة بين فكر الأستاذ ياسين ومواقفه وبين أفكار الفلاسفة الغربيين وفلاسفة مسلمين سابقين ومعاصرين وعلماء مسلمين كبار.

– التأصيل لعدد من القضايا الواردة في فكر الأستاذ ياسين.

– النقد المؤسس المتئد لبعض الأفكار والتصورات التي لا تتفق ورأي المؤلف.

– التوثيق الأمين للنقول والأفكار والنصوص الشرعية في الهوامش بالمنهج المعتمد أكاديميا.

مرجعية الكتاب

استقى المؤلف مادة كتابه أصالة من مجموع مكتوبات الأستاذ ياسين التي صاحبها المؤلف أمدا بعيدا وجالسها كثيرا وتأمل فيها طويلا، ومن مرجعية فلسفية وفكرية واسعة تميزت بالتنوع والتعدد اجتمع فيها القديم بالحديث، والتراث الإسلامي بالتراث الغربي، كما تجاورت فيها المراجع العربية بالفرنسية والأنجليزية، وهي مراجع أحسن المؤلف توظيف نقولها وبعض أفكارها لقراءة متن نظرية المنهاج النبوي.

المؤلف

– صاحب همة عالية وعزيمة لا تلين وشكيمة قوية، وحجة دامغة ونظار عتيد وجريء في قول الحق والدفاع عنه، مقاوم شرس للظلم والاستبداد، نهم القراءة، ينتقي بعناية ما يقرأ، سيال القلم.

– متخصص في لسانيات تحليل الخطاب العربية لكنه مشارك متميز في عدد من حقول المعرفة كالفلسفة وعلوم العربية وعلم القراءات وعلوم القرآن وعلم الأصول والفقه وعلم الكلام وغيرها، وهو حافظ لكتاب الله، ومجود له.

– انكب مؤخرا على دراسة نظرية المنهاج النبوي بعناية خاصة وبتركيز شديد، فكان هذا الكتاب الذي نقدمه الآن ثمرة أولى من ثمار ما انقطع إليه بارك الله له في الجهد والوقت وجعله خير خلف لخير سلف.