الفصل الثاني: أنواع الإعجاز في القرآن الكريم

لقد كثر القول بين العلماء في وجوه الإعجاز في القرآن وتنوّع هذه الوجوه وتعددها، وأيا كان ذلك القول فالقرآن معجز بكل ما يتحمله هذا اللفظ من معنى، فهو معجز في ألفاظه وأسلوبه، ومعجز في بيانه ونظمه، ومعجز بعلومه ومعارفه، ومعجز في تشريعه وصيانته لحقوق الإنسان.

قال السيوطي (ت 911 ه) في الإتقان في علوم القرآن): اختلف أهل العلم في وجه إعجاز القرآن.. فذكروا في ذلك وجوهاً كثيرة كلها حكمة وصواب وما بلغوا في وجوه إعجازه جزءاً واحداً من عشرة معشاره فقال قوم: هو الإيجاز مع البلاغة، وقال آخرون: هو البيان والفصاحة، وقال آخرون: هو الرصف والنظم، وقال آخرون: هو كونه خارجاً عن جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر مع كون حروفه في كلامهم ومعانيه في خطابهم وألفاظه من جنس كلماتهم، وهو بذاته قبيل غير قبيل كلامهم وجنس آخر عن أجناس خطابهم حتى إن من اقتصر على معانيه وغير حروفه أذهب رونقه، ومن اقتصر على حروفه وغير معانيه أبطل فائدته، فكان في ذلك أبلغ دلالة على إعجازه، وقال آخرون: هو كون قارئه لا يكل وسامعه لا يمل وإن تكررت عليه تلاوته، وقال آخرون: هوما فيه من الإخبار عن الأمور الماضية، وقال آخرون: هو ما فيه من علم الغيب والحكم على الأمور بالقطع، وقال آخرون: هو كونه جامعاً لعلوم يطول شرحها ويشق حصرها) 1 .

وقال الزركشي في البرهان: أهل التحقيق على أن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال لا بكل واحد على انفراده، فإنه جمع ذلك كله فلا معنى نسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع) 2 .

المبحث الأول: الإعجاز البلاغي

قال الباقلاني (ت 403ه): إنَ من لم يبحر في معرفة أساليب الكلام ووجوه تصرف اللغة وإن كان من أهل اللسان العربي، فهو كالأعجمي لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن إلا بمثل ما يعرف به الفارسي، وهو(أي العربي) ومن ليس من أهل اللسان سواء) 3 .

ذهب الرافعي في تعريفه للإعجاز البلاغي إلى أنه: أسرار الوضع اللغوي التي مرجعها إلى الإبانة عن حياة المعنى بتركيب حي من الألفاظ يطابق سنن الحياة في دقة التأليف وإحكام الوضع وجمال التصوير وشدة الملاءمة) 4 .

وقال الامام الخطابي: إن عمود هذه البلاغة التي تجتمع لها هذه الصفات، هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به الذى إذا أبدل مكانه غيره جاء منه:

)إما تبدل المعنى الذى يكون منه فساد الكلام، وإما ذهاب الرونق الذى يكون معه سقوط البلاغة) 5 .

إذن فالإعجاز البلاغي هو وضع كل حرف وكل كلمة في موضعها لإفادة المعنى المراد الذي أراده الله تعالى، ولا يمكن أن يؤدي هذا المعنى بغير ذلك، لأن القرآن الكريم كلام الله تبارك وتعالى.

طالع أيضا  الإعجاز في القرآن والسنة أنواعه وقضاياه (3)

ومن ذا الذي يستطيع أن يتعمق في النفس البشرية فيعلم خفاياها وما يصلحها حتى يضع اللفظ في موضعه الذي يؤدي المعنى المراد غير الله سبحانه وتعالى؟

وهذا الأمر واضح جلي في كتاب الله تعالى. وسأذكر مثالاً واحداً لبيان الإعجاز البلاغي في وضع الحرف في موضعه.

في قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ هود/58.وقوله: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَهود/94.

وقوله: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُو الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ هود/66.

وقوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُود هود/82.

فهذه أربع آيات وردت في قصص الأنبياء في سورة “هود” وتجد الحق جل وعلا ابتدأ آيتين منهما بالواو في قصتي: (هود، شعيب – عليهما السلام)، وابتدأ الآيتين الأخريين بالفاء في قصتي (صالح، ولوط عليهما السلام)، فما سر هذا التغاير؟ وهل يمكن وضع الواو في موضع الفاء أو العكس؟

أقول وبالله التوفيق:

لو تأملت لأدركت سر الإعجاز البلاغي في ذلك، فالفاء تفيد الترتيب والتعقيب والسرعة، ولما كان الوعيد بالعذاب في قصتي (صالح، لوط) عليهما السلام محدداً بميقات معلوم ووقَعَ العذابُ عقيب الوعيد في الميعاد المحدد كان العطف بالفاء في هاتين القصتين؛ لإفادة التعقيب ووقوع العذاب في الموعد المحدد دون تأخير، ففي قصة صالح قال الله تعالى فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ هود/65، وفي قصة لوط قال الله تعالى: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ هود/81.

أما في قصة شعيب وهود فقد كان الوعيد غير محدد، بل كان وعدا مفتوحا، وكان بين الوعد ووقوع العذاب زمن، فكان العطف بالواو التي تفيد مطلق الجمع.

طالع أيضا  الإعجاز في القرآن والسنة.. أنواعه وقضاياه (1)

قال تعالى في قصة هود: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ هود/57.

وقال تعالى في قصة شعيب: وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوك َاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ هود/93؛ فتجد الوعد ههنا غير محدد بميقات محدد فكان العطف بعدها بالواو، وليس بالفاء، وهذا سر من أسرار التعبير القرآني المعجز الذي يضع الحرف في موضعه دليلا على أنه كلام الله تعالى. 6

ووجه الإعجاز البلاغي في ذلك:

مما تقدم تبين لنا أن الحق جل وعلا وضع كل حرف في موضعه لتأدية المعني المراد بحيث لو وضعنا الواو موضع الفاء أو العكس لكان هناك خلل في المعنى المراد، أو عدم تناسب مع السياق، وبالتالي لن يؤدي المعني المقصود، وفي هذا دليل علي أنه كلام الله تعالى المعجز حيث تجد كل حرف في موضعه ليؤدي المعنى المقصود المناسب للسياق وهذا لا يقدر عليه إلا الله (عز وجل).

المبحث الثاني: الإعجاز في الآفاق والنفس

سننطلق في مبحثنا حول الإعجاز في النفس والآفاق في القرآن الكريم من قول الله عز وجل: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ سورة فصلت آية 53.

قال الإمام الطبري (ت 310 ه): حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: )سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ قال: آفاق السموات: نجومها وشمسها وقمرها اللاتي يجرين، وآيات في أنفسهم أيضا) 7 .

يقول الدكتور النابلسي: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم: انظر إلى القلب، في فعله وأثره، وغرضه ووطره، وقدرِه وقَدره، وحيطانه وجدره، ومنافذه وحجره، وأبوابه وستره، وكهوفه وحفره، وجدوله وغديره، وصفائه وكدره، ودأبه وسهره، وصبره وحذره، وعظيم خطره، لا يغفل ولا يغفو، ولا ينسى ولا يسهو، ولا يعثر ولا يكبو، ولا يخمد ولا يخبو، ولا يمل ولا يشكو، وهو دائبٌ صبور، بأمر الذي أحسن خلقه، وأعد له وعدته، وأقود فيه جذوته وقدر له أجله ومدته، يعمل من دون راحةٍ، ولا مراجعة ولا توجيه. لقد صدق الله العظيم إذ يقول: سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ:

)وانظر مع سيدنا علي رضي الله عنه وهو يقول: انظر إلى النملة في صغر جثتها، ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا بمستدرك الفكر، كيف دبت على أرضها، وصبت على رزقها، تنقل الحبة إلى جحرها، وتعدها في مستقرها، تجمع من حرها لبردها، ومن وردها لصدرها، مكفولة برزقها، مرزوقة بوسقها، لا يغفلها المنان، ولا يحرمها الديان، ولوفي الصفا الوابد، والحجر الجامد، ولو فكرت في مجاري أكلها، في علوها وسفلها، وما في الجوف من شراسيف بطنها، وما في الرأس من عينها وأذنها، لرأيت من خلقها عجبا ولقيت من وصفها تعبا، فتعالى الله الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها، لم يشركه في فطرتها فاطر ولم يعنه على خلقها قادر) 8 .


[1] الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي ج 1 ص 108.\
[2] البرهان في علوم القرآن للزركشي ج 2 ص 106.\
[3] إعجاز القرآن – أبو بكر الباقلاني ص: 113 (بتصرف).\
[4] إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ص 109.\
[5] نقله عنه الباقلاني في إعجاز القرآن ج 1 ص 16.\
[6] من مقال بعنوان: الاعجاز البلاغي في القراءات القرآنية للدكتور: محمود بن عبد الحميد شمس. منشور بموقع معهد القراءات القرآنية www.studyqeraat.com\
[7] جامع البيان في تأويل القرآن ج 21 ص 493.\
[8] آيات الله في الآفاق للدكتور النابلسي ص 5 و6.\