صدر مؤخرا عن وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني تقرير شمولي مفصل حول اللقاءات التشاورية التي نظمتها الموسم الفارط.

يتضمن التقرير المركزي الموضوعاتي 11 موضوعا مقسما إلى الإشكاليات التي تم طرحها خلال المشاورات وعناصر التحليل ثم الاقتراحات والحلول.

سأكتفي منه بموضوعين أعتبرهما عصب المشكل وسبب العطب دون التقليل من أهمية باقي المواضيع.

الموضوع الأول: السياسة التعليمية

الموضوع الثاني: القيادة والتدبير، وقد جاء ثامنا في ترتيب المواضيع، وله علاقة وطيدة بالموضوع السابع الموارد البشرية.

فمن الإشكاليات المطروحة فيما يتعلق بالموضوعين نقرأ بعضها:

– عدم وضوح الغايات والمبادئ الكبرى والأهداف من المدرسة المغربية.

– غياب سياسة تربوية مستقرة بعيدة عن تجاذبات الأحزاب السياسية.

– “السياسات الكبرى” لإصلاح النظام التربوي اهتمت بلا تمركز تدبير النظام التعليمي وتقوية العرض المدرسي وإصلاح المناهج.. إلخ، إلا أنه لا بد من الاعتراف بوجود قطبين ل”السلطة” في نظامنا التعليمي:

أ – إدارة التربية الوطنية بتوجهاتها الوطنية من جهة.

ب – المؤسسة التعليمية وقاعة الدرس، حيث يبقى الأستاذ هو المتحكم الأول فيه من جهة أخرى.

اعتراف محتشم بسلطة (المعلم) الأستاذ، وفي هذا السياق يقول الخبير التربوي والمربي الكبير الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: وما يعنينا – ونحن في حديث عن التعليم وبرامجه وملاءمته- هو معرفة وجه أساسي من الصواب في المسألة. ذلك أن من بين ثغرات المدارس التي عممها الاستقلال الوطني، والبرامج التي طورها، والمعلمين الذين كونهم تتمثل الثغرة الأفدح في جدار المنظومة في قلة كفاءة المعلم، وانعدام الباعث القوي لدى المعلم، ووضعية المعلم مع سائر الناس في دوامة السائبة العامة، ووضعية المعلم الاجتماعية غير المريحة.

)المعلم هو واسطة عقد المنظومة التعليمية التربوية. ولئن وسطنا بين التربية والتعليم الوعاء اللغوي الحامل للمعنى، فإن المعلم المربي القدوة هو الواسطة الحية في عملية التربية والتعليم.

)إن لم تكن هذه الواسطة على القدر الكبير من الكفاءة وعلو الباعث، والكرامة والرخاء في المجتمع، فالعملية كلها تنفسخ) 1 .

– عدم الامتثال في تحديد أولويات المدرسة المغربية لثوابت الأمة.

– شبه غياب لثقافة التقييم والتتبع والقيادة وآليات المحاسبة والمساءلة في تنزيل مشاريع البرنامج الاستعجالي.

– إشكاليات تدبير المؤسسات التعليمية.

– غياب توافق سياسي ومجتمعي حقيقي لكافة الحساسيات الوطنية حول المرامي والوظائف والاختيارات الأساسية للمدرسة المغربية.

ومن عناصر التحليل الواردة بالتقرير نجد:

– ربط التعليم بالمجال السياسي لخدمة فئات معينة وغياب كلي للمنتخبين عن الشأن التربوي وعدم مساءلتهم أو محاسبتهم حول مدى مساهمة المدرسة في توفير الموارد البشرية.

– إن منطق الإصلاح السليم يقتضي الانفتاح على جميع المكونات والخبرات على قاعدة الاحترام والتوازن والشراكة لتحقيق التعبئة الجماعية والمجتمعية، لأن الشأن التعليمي قضية وطنية مصيرية تهم كل المغاربة ولا مكان فيه للإقصاء والحسابات الإيديولوجية والسياسية والحزبية الضيقة.

– العنصر البشري هو أساس إصلاح المنظومة التربوية وهو في نفس الوقت منتوج لهذه المنظومة التي لم تلقنه قيم الحكامة ولم تمكنه من الجودة المطلوبة، لذا وجب التفكير في كيفية مساعدة هذه الأطر على تخطي هذه المرحلة بالوقوف على مشاكلها وإيجاد حلول لها.

– الخضوع أكثر لمنطق التراضي والتوافق بين الفرقاء السياسيين والاجتماعيين على حساب الشروط العلمية ومقتضيات وشروط التنمية.

أما فيما يخص الاقتراحات والحلول فننقل ما يلي:

– إشراك كل الشركاء في التدبير اليومي للمنظومة والتأكيد على نجاعة الالتقائية في السياسات العمومية كمدخل للتغيير المستهدف.

– استلهام مبادئ وقيم التراث الاسلامي المرتكزة على الكفاءة والأمانة في تحمل مسؤولية التربية والتكوين.

– إرساء آليات المراقبة والتتبع والتقييم والرفع من درجة الإحساس بالمسؤولية والانضباط لدى الفاعلين التربويين، مدرسين وأطرا للإدارة التربوية وتحفيز المبدعين والمجدين منهم.

حتى لا نغرق في تفاصيل هذا التقرير الذي يأتي في سياق الاعتراف بعمق الأزمة وبنيويتها، نتساءل:

– ما الذي يضمن نجاح مشروع الإصلاح الجديد المعلن عنه ولا يعلم عن تفاصيله أحد؟

– وهل ستؤخذ بعين الاعتبار الحلول والاقتراحات الواردة فيها؟

– وهل سبب الأزمة داخلي – خاص بمنظومة التربية والتعليم- أم إنه مرتبط بالمجالات الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية… وهل يمكن حل أزمة التعليم بمعزل عنها؟

إنه ما دام الفساد والاستبداد – اللذان ينتجان الاحتكار والاحتقار – جاثمين على الصدور فلا أمل يرجى من أي مشروع للإصلاح لا يركز على العنصر البشري وصلاحه.

يقول الأستاذ المرشد رحمه الله: غيرنا يهتم أول ما يهتم، وآخر ما يهتم بالهياكل والتنظيمات وتركيبات المجتمع المدني. ونركز نحن على ذلك المومن المطمئن بالإيمان والمومنة. نركز على ذلك المشمر العامل لآخرته والمشمرة. كيف هو في نفسه وخلقه، كيف هو في استقلاله الفكري والسلوكي والعاطفي بين الغافلين والمفلسين واللاعبين؟ كيف ينبغي أن يكون، وكيف ينبغي أن يربي ويعلم ويحصن وينشط وينظم؟) 2 .


[1] كتاب حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص: 168.\
[2] كتاب حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص: 124.\