3. “مذكرة إلى من يهمه الأمر” واستراتيجية الانتقال المتدرج

أ‌. مقدمة لا بد منها

لابد من التقديم بين يدي بحث هذه الاستراتيجية من خلال هذه الوثيقة إلى التذكير أن صاحبها ليس سياسيا محترفا للسياسة، بل رجلا حاملا لمشروع تغييري شامل يدرك جيدا موقع قضية الحكم فيه، سواء من حيث الموقف من طبيعة الأنظمة القائمة أو من حيث النظام السياسي الكفيل بضمان واقع الحرية والأمن والاستقرار والأمان والعيش الكريم.

لذلك؛ لابد من التمييز بين معنى العملية السياسية والعملية التاريخية في حركة الرجل مع إدراك العلاقة بينهما.

فالرجل كرس كل مجهوداته لإنجاز عمليات تاريخية لا يكون فيها الموقف السياسي اللحظي إلا لبنة جزئية في صرح البناء التاريخي الذي يعني عملية تغيير جذرية وشاملة؛ أفقها الكبير إعادة النظر جذريا في نظام العلاقات الدولية (النظام العالمي) بما ينصف كل المستضعفين.

ومن هنا يجب أن تُقرأ مضامين كل مبادراته خاصة رسالة الإسلام أو الطوفان) أو مذكرة إلى من يهمه الأمر) وأخواتهما، من مبادرات عبر مؤسسات الجماعة، كـنداء حلف الإخاء) وجميعا من أجل الخلاص)… كما يجب أن تُقرأ تصوراته المتماسكة والتفصيلية والدقيقة لمفهوم المرحلة الانتقالية، ذلك أن توفره على هذا المشروع التغييري الشامل والممتد في المستقبل العريض وفر له قدرة ونظرة مستوعبة لكل لحظة يمكنها أن تقدم خدمة لهذا المستقبل؛ مستقبل الحرية والعدل والكرامة.

وبهذا يمكن التمييز بين من تعامل مع ما إشارات “العهد الجديد”، بدايات تولي محمد السادس العرش، بمنطق إصلاحي معتقدا أنها تؤشر على تغيير جوهري في طبيعة النظام القائم سياسيا واقتصاديا وبين من تعامل معها بمنطق انتهازي سياسوي؛ إذ بعد أكثر من خمسة أشهر من مراقبة سلوكات الملك الجديد، وبعد مراقبة سرعة جل القوى السياسية والمجتمعية الفاعلة في تفاعلها مع هذه الإشارات أصدر الرجل هذه الوثيقة التاريخية التي لم تفقد راهنيتها وإن مر على صدورها حوالي خمسة عشر عاما، خاصة في ظل التحولات الجوهرية التي تحدث في عالمنا، وإن بشكل عنيف في كثير من المناطق، وارتباطها بطبيعة الأنظمة السياسية القائمة.

فقد كُتبت الوثيقة بروح الرجل الداعية المحنك سياسيا، لذلك لم تكن هذه الوثيقة وعظية في شكلها ولا مضمونها، بل وثيقة مصيرية متكاملة الصياغة من حيث منهجيتها في النقد ومن حيث منهجيتها في العرض، لذلك فكل السناريوهات المستقبلية للعملية السياسية في المغرب لن تخرج عن مضمونها وسياقها، وهو ما سنحاول كشفه عبر قراءة متجددة لهذه الوثيقة وفق استحضار مستجدات الأحداث الطارئة في عالمنا ومحيطنا، لنخلص إلى اجتهاد يضع بنودا جامعة للدخول الفعلي في مرحلة انتقالية تؤسس للطريق الأخير للاستثناء المغربي.

ب. “مذكرة إلى من يهمه الأمر” واستراتيجية الانتقال المتدرج

يجد القارئ، خاصة المعتمد على أدوات المنهجية الأكاديمية السائدة في مجال علم السياسة، صعوبة ومشقة في اكتشاف المضامين السياسية المباشرة في خطاب الإمام عبد السلام ياسين، رحمه الله، ذلك أن الرجل لا يخاطب الواقع من موقع التحليل الجزئي للقضايا السياسية، بل من موقع الواعي بأن المرحلة تحتاج إلى عملية اجتهادية كبرى تغطي كل المجالات وفق نظرة متكاملة وشاملة مهمتها الأساسية عرض كليات العلم والعمل الكفيلة بالتأسيس للعملية التاريخية الضرورية في هذه المرحلة وتكشف بوضوح عن الأفق الجامع في أبعاد الحركة التاريخية الثلاث: البعد القطري، والبعد العربي الإسلامي، والبعد العالمي.

من هذا المنطلق سنتخاطب مع الوثيقة، موضوع البحث، من حيث هي محاولة لعرض السؤال الجوهري في المرحلة بالمعنى القطري (المغرب) ومحاولة اكتشاف استراتيجيتها في بناء مرحلة انتقالية عميقة وصحيحة المنطلق من خلال ثلاثة محاور، دون أن نغفل أن هذا البحث ليس رجوعا إلى الوراء وسقوطا في فخ التفكير الإصلاحي كما توهم البعض خطاب المذكرة ساعة صدروها، بقدر ما هو محاولة للتأسيس إلى مرحلة جذرية في بناء الخطاب السياسي المفترض في قيادة عملية التغيير والإصلاح في المغرب لقطع الطريق على خطابين يهددان جملة الخطاب السياسي الإيجابي في مغرب اليوم، بل الواقع المغربي، وهما خطاب العنف الذي أطل على المغاربة ولو من بعيد حيث تزكيه بعد خطابات الكراهية وبعض العمليات القذرة التي لا يعلم من يسهر عليها ويؤجج نارها، وخطاب الإقصاء والتهميش والإصرار على تأبيد القبضة الاستبدادية على المغاربة ووضعهم أمام الخيار الوحيد؛ خيار الاستسلام لهذه القبضة. وكلا الخطابين يغديهما الوضع الاجتماعي والاقتصادي والمالي السيئ، فضلا عن الوضع الدولي والإقليمي المرتبك ظاهريا والمعرض حقيقة لاستراتيجيات التفتيت والتمزيق والتشرذم.

طالع أيضا  الطريق الأخير إلى الاستثناء المغربي أو سؤال المرحلة الانتقالية في مغرب اليوم بين استراتيجية العدل والإحسان وتكتيكات النظام(1)

المحور الأول: سؤال الأزمة السياسية في علاقتها بالنظام السياسي القائم مع الملك محمد السادس

بدأت المذكرة بالحديث عن شخص الملك محمد السادس من خلال الصفة التي روجت لها آلة الإعلام الرسمية “ملك الفقراء”، مؤكدة (المذكرة) الجانب الإنساني لملك كان بالأمس أميرا لم يفلت من قساوة الوالد وأجهزته البصرية، مشيرة إلى الحماس الجماهيري في الاستقبالات التي تنظمها آلة المخزن لزيارات الملك في المناطق المختلفة حيث تعبر عن حاجة هذه الجماهير إلى قيادة صادقة تحتضنها وتعبر عن حقيق طموحاتها. للملك الشاب محمد السادس رصيد من المودة تكنها له شبيبة مغربية اكتشفت فيه صاحبا لها، رمزا لتحررها، بشرى لها بمستقبل يبش في وجهها بعد عبوس. فخلال الأسابيع الأولى من حكمه، وأينما ساقته حملته التدشينية، كان الملك الشاب على موعد مع الحماس الفتي الجياش) (ص 3).

هذه الإشارة إلى المعنى الإنساني لشخص الملك لا تنم عن سذاجة في التحليل، بقدر ما تكشف على أن الرجل لا يغفل البعد البشري في طبيعة الأنظمة الاستبدادية؛ وهو ما يعني أن رمز النظام حينما يقدم على عمل جوهري لتغيير هذه الطبيعة الاستبدادية، كما حدث في التاريخ مع تجارب كثيرة من قبيل تجربة عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، يمكن أن يعول عليها كمقدمة لعمليات متتالية ومتدرجة تنجز واقع الحرية والعدل للمجتمع، وفي نفس الوقت تكشف أنه لا يمكن الرهان على هذا المعنى الإنساني في الشخص ما لم يبرهن عمليا ووفق إجراءات جذرية ومتدرجة على مقاومته الصارمة للنزعة الغريزية في التسلط وممارسة الحكم المستبد مهما زينته له بطانة السوء.

القضية النبيلة التي يناضل في سبيلها كل مواطن حر يسكنه هدف سامٍ تتطلب منا جميعا حدا أدنى من الصراحة والنزاهة الفكرية حتى نكشف عن الحقائق المنكَرة، ونوقظ العقول الغافية. )نعم أم لا؟ هل نحن مطالبون، باعتبارنا مواطنين مهتمين بمستقبل بلدنا، بإدانة الغش والغشاشين؟ نعم أم لا؟ هل للملك الشاب الحق في الإصغاء لأصوات غير انتهازية قبل أن يحوله الميل الغريزي لكل أمير يتهالك الكل على إطرائه إلى طاغية غشوم؟) (ص 8).

تدلل هذه الفقرة، وأخواتها، على الوعي لدى الرجل بأن بنية النظام كما هي قائمة ما لم تتخذ بكل جرأة في حقها إجراءات عميقة، مع التدرج طبعا، لن تلبث هذه النزعة الانسانية البادية على شخص الملك أن تخبوا وراء فعل آلة الإطراء والتقديس ذات التاريخ الطويل وتفلح في حجبها نهائيا ليستفيق المغاربة بعد على أن شيئا لم يتغير وأن دار لقمان على حالها.

ففي الوقت الذي دعت الوثيقة إلى الاستمرار في كنس هذه البنية تماما بعد إبعاد شخص الوزير البصري وفق عملية متدرجة جامعة تؤسس لواقع جماعي في بناء مستقبل حقيقي للحرية في المغرب، كانت منتبهة تماما إلى أن الراجح هو أن هذا الكنس سيكون شكليا وسطحيا وأن شبكة الفساد والمفسدين ستكون هي صاحبة القبضة على الأمور لترجح كفة بناء لعبة جديدة في الشكل لكنها بنفس المضمون والآليات والأهداف والغايات؛ لن تلبث الصورة المزركشة والنية الحسنة للسلطة الرمزية الجديدة أن تخونهما الإكراهات الاجتماعية الاقتصادية، والجوارح المستنسرة المتحفزة للاستماتة في الدفاع عن امتيازاتها والمحافظة على الظروف السياسية المُمَكِّنة لعهد الجمود. سيبذل محركو الدواليب خلف الستارة، الفاسدون المفسدون المتمرسون بأساليب التعمية والتزييف كل ما في وسعهم لمناهضة الإرادات الشابة المبتدئة.

طالع أيضا  الطريق الأخير إلى الاستثناء المغربي (2)أو سؤال المرحلة الانتقالية في مغرب اليوم بين استراتيجية العدل والإحسان وتكتيكات النظام

)لا يمكن للنية الحسنة المتفتحة أن تصمد أمام دهَاء الثعالب العجوزة، ولا يمكن استهلال صفحة جديدة وزرع حقل جديد مع جيل هَدَّه اليأس بالاعتماد على ثقافة العلاقات العامة. لا يمكن أن نمعن في ذر الرماد في عيون العالم و المغرب على شفا جرف هار، كما لا يمكن أن ننسج على منوال العهد البائد بعد أن دقت ساعة الحساب) (ص 3).

المحور الثاني: عوامل فشل تكتيكات النظام في التدبير الاستبدادي للمرحلة

تشير الفقرة السابقة إلى بعض عوامل فشل تكتيك النظام في الانتقال إلى بناء مقدمات حقيقية لمرحلة انتقالية جامعة، وما دام هناك خطأ في المقدمات فستكون النتائج من جنسها.

إن فساد بنية النظام على مدى عقود من الزمن، بل قرون، لن يسمح بأي تغير هام في الممارسة السياسية لهذه البنية، ومن ثمة لم تظهر أية تجليات، سواء دستورية أو قانونية تنظيمية أو واقعية، تؤشر على أن هناك إمكانية الرهان على جوانب شكلية مست رأس هذه البنية مع بروز المسحة الإنسانية في شخص الملك الجديد التي لم تسمح منظومة الفساد بأن تتحول إلى مضمون سياسي ومجتمعي يعطي للمغاربة إمكانيات الحرية في الاختيار الحقيقي.

السؤال: هل ضاعت هذه الفرصة اليوم تماما من المغاربة؟

أما العوامل الأخرى التي أشارت إليها المذكرة فهي حجم الإكراهات الاجتماعية والمالية التي لم تتخذ اتجاهها أية قرارات فعالة للحد من تدهورها المستمر مضافة إلى عاملين سيقوضان حركة القصر مع الملك الجديد؛ إذ أصبحت الضرورة تفرض التدخل العاجل والحاسم قبل أن يتلقى البناء المنخور ضربة قاضية من أحد هذين الاستحقاقين: مسألة الصحراء وانفتاح السوق العالمي بعد عشر سنوات) (ص 11).

وإذا أضيف هذا إلى انكشاف زيف لعبة التوافق التنوابي وسيادة منطق الالتفاف على مطالب الشعب المغربي في الحرية والكرامة والعدل فسنكون أمام واقع الانهيار الشامل. الأمر الذي تؤكده الأحداث المتتالية.

المحور الثالث: المدخل الأخلاقي للمرحلة الانتقالية واستراتيجية الانتقال

لم تكتف المذكرة بتوصيف الواقع في كل مجلاته ارتباطا بطبيعة النظام السياسي، إذ زكت ذلك بالأرقام والقضايا ذات الصلة التي يجب أن يباشرها الخطاب السياسي الحقيقي والمتعلقة بقضايا الفساد وشبكاته والثروة ومصادرها وعلاقة ذلك كله بطبيعة النظام السياسي وعناصره، بل تجاوزت ذلك إلى اقتراح رصين يستثمر بروز شخص الملك الجديد في حلة الإنساني الرحيم ليقوم بعملية سياسية ومجتمعية جذرية متدرجة تؤدي إلى إنجاز واقع الحرية في اختيار الشعب وتمكن لواقع الأمن والاستقرار والعمل الجماعي.

ويمكن القول إن هذه الوثيقة اقترحت مدخلا أخلاقيا وأساسا عمليا:

أ- المدخل الأخلاقي: ويتجلى في عميلتين هامتين؛ الأولى رد المظالم؛ ومنها استعمال ثروة الملك الراحل في سد الدين المغربي. أما الثانية فتتجلى في تطهير الإدارة وإعدادها لتكون في مستوى الخدمات التدبيرية.

لابد أن يختار الملك الشاب بين طريقين: إما أن يُخلص لعرف عفّى عليه الزمن فيتبع خطوات أسلافه حذوك القذة بالقذة وبئست السبيل هي! وإما أن يعقد العزم على اقتحام العقبة والتكفير عن الجرائم التي كان أحد شهودها) (ص 22).

ب ـ الأساس العملي: وهو ثمرة طبيعية للمدخل الأخلاقي الذي هو سلاح أخلاقي يدخل به الملك على المرحلة، ذلك أنه لا انتخابات حقيقية أمام وضع اجتماعي يفرض المتاجرة في الذمم وشراء الأصوات وبين يدي إدارة ينخرها الفساد حتى أخمصي قدميها؛ فحين تكتمل قواعد السلاح الأخلاقي ساعتها فقط يمكن الاطمئنان إلى عملية انتخابية تستثمر فيها الآليات الديموقراطية لفرز واقع انتخابي يضمن فعليا ممارسة المسؤولية الكاملة والمحاسبة الحقيقية حيث سيكون الشعب اختار بوعي وفي مناخ جماعي يتسم بالوضوح والمسوؤلية والمنافسة الشريفة والتدافع السليم.

إن هذا الاقتراح ليس اقتراحا ساذجا، بل امتاز بدرجة كبيرة من العمق والوضوح في الوقت الذي حجب الفعل السياسي المغربي لدى النخبة السائدة شكليات انتقال الحكم من شخص إلى شخص عن جوهر المشكلة السياسية في علاقتها بطبيعة النظام السياسي، ولذلك نجد أن مذكرة إلى من يهمه الأمر) جمعت بصرامة في ما رسمته من عناصر استراتيجية المرحلة الانتقالية بهذه المناسبة بين محورين مرتبطين؛ إذ من دون أحدهما لن يكون بناء الآخر إلا وهما؛ وهما المحور السياسي والمحور الاجتماعي؛ بل يمكن القول إن الوثيقة ركزت على بناء أساسات قوية للجانب الاجتماعي للبرهنة على صدقية المبادرات السياسية للملك ومحيطه، وقد حصل الربط من خلال علاقة الثروة لدى القصر الحاكم بالسلطة القابض عليها بالخروج من وضع اجتماعي محتقن إلى درجة تنذر بانفجار غير متحكم فيه.

طالع أيضا  الطريق الأخير إلى الاستثناء المغربي أو سؤال المرحلة الانتقالية في مغرب اليوم بين استراتيجية العدل والإحسان وتكتيكات النظام(1)

فالبرنامج الاجتماعي الذي اقترحته الوثيقة هو ما أصبح محور مطالب الحراك المجتمعي بعد، علما أن مذكرة إلى من يهمه الأمر) فصلت فيه تفصيلا مع ربطه ربطا مصيريا مع المحور السياسي الذي يشكل السلاح الأخلاقي الذي حينما يتسلح به القصر سيفرض على الجميع الانخراط فيه بشكل إرادي.

فهل ضيع القصر على نفسه هذه الفرصة التي تحقق إجماعا حقيقيا بين المغاربة؟

قبل أن أعرض أهم عناوين البرنامج الاجتماعي لابد من التذكير بأمر هام لم تغفله الوثيقة، ذلك أن صاحبها، رحمه الله، يخاطب اللحظة من خلال مشروع مجتمعي متكامل، وهو ما جعله لا يغفل أي جانب يشكل أساسا رصينا في البناء المرحلي لما سيبنى عليه من عمليات ضخمة في المستقبل.

لقد انتبهت الوثيقة إلى أهمية البطانة المحيطة بشخص الملك، ذلك أن مقدمة إنجاز ما سمته المذكرة بالثورة الصغرى (إعادة بناء المحيط الملكي) تتجلى في الاستمرار الشجاع في إبعاد المفسدين والفاسدين والرهان على بناء محيط نظيف تجمعه روحانية عالية، لذلك لابد من وجود بطانة تقيم واقع القيم النبيلة والسامية والمشعة على الجميع، ولاشك أن إنجاز هذه المقدمة يؤسس لما سمته الوثيقة بالثورة الكبرى المتجلية في إنجاح برنامج اجتماعي يقيم العدل والإنصاف ويحقق الأمن والأمان والاستقلال والقوة، لا بد أن تطبع الأحداث بطابع جديد. ويبدو الأسلوب الجديد للملك الشاب خطوة في هذا السبيل، لكن الساعد الذي يريد تشغيل المحرك المغربي يحتاج إلى القوة. لابد للعقل الذي يصبو إلى الإتقان من الزاد الروحي، ولابد للطموح الناشئ من غاية سامية ورافعة روحية. لا مناص من إعادة النظر في النظام بأكمله. لا بد من وضع القطار على سكة جديدة. ولذا لا بد من قاطرة قوية ويد حازمة. لا بد من مراجعة شاملة، فوراء الواجهة المزينة يوشك البنيان أن يَنْقَضَّ) (ص 11).

نفهم من كل هذا أن العناصر الأساسية لاستراتيجية المرحلة الانتقالية تتجلى في:

1. سياسيا: الإرادة السياسية الحقيقية في إعادة النظر في النظام بأكمله.

2. أخلاقيا: رد المظالم السياسية والاجتماعية ومقدمتها استعمال الثروة الملكية في سد الدين المغربي للدخول مع المغاربة في بناء واقع اجتماعي يؤسس لنهوض اقتصادي واستثمار منتج ويوفر فرص الشغل ويبني عدل اجتماعي. ولا معنى لهذا دون تطهير إدارة فاسدة مفسدة من مصادر الفساد والإفساد.

3. إداريا: ثم بعد هذا الأساس الأخلاقي والسياسي يمكن الاطمئنان إلى السلوك التدبيري في تنظيم الانتخابات وصناعة محيطها النظيف الذي لن يخرج عنه كل من له نية صادقة لخدمة وطنه وأمته، فلا انتخابات حقيقية بين يدي فوارق اجتماعية صارخة صادمة وإدارة فاسدة مفسدة تهيمن عليها عقلية رجل الأمن ونفسية الموظف الخائف وحركة المواطن الناقص المواطنة والأهلية.

وبناء على فهم روح هذه الوثيقة التاريخية وإدراكا لمشروع صاحبها، رحمه الله، واستلهاما لمضامينها، واستيعابا للحظة المعيشة في أبعادها المحلية والإقليمية والدولية سأعرض اجتهادا، بحول الله تعالى، جامعا للنقاش في أفق المساهمة في بلورة خطاب سياسي يجيب عن أهم أسئلة المرحلة.