في الدول التي أسست أنظمتها على أسس متينة روحها الدستور الذي يخطه الشعب بأيدي من يختارهم هو، وقوامها العدل الذي لا يكيل بمكيالين، وتنعكس إرادتها في مؤسسات حقيقية تحترم نفسها ومواطنيها، يكون الدخول السياسي مناسبة لمواصلة البناء المجتمعي المنطلق، وتمتين قواعده وترسيخ أسسه، ووضع الخطط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لتنفيذ المشاريع الاستراتيجية الكبرى، ويكون فرصة جديدة لمكاشفة المجتمع بما تحقق وما لم يتحقق ماضيا، وبحجم التحديات والعقبات حاضرا، وبرفع مستوى الجاهزية لمواجهة الصعوبات المنتظرة مستقبلا… فيرى المواطن ويلمس بالأرقام والمؤشرات والوقائع أن الدولة تراكم الخبرة والبناء والتنمية، ويسير عملها في خط تصاعدي واضح بقدر الوضوح والشفافية والحكامة التي يتسم بها سلوكها في التدبير السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

أما في المغرب، الموسوم رسميا بأنه اختار “خطا ثالثا” تحت عنوان “الاستثناء”، فإن حظه مما سبق لا يبشر بخير، إذ لا يختلف دخوله السياسي في كل سنة عن أختها، ولا فرق بين ما يدشنه في ولاية تشريعية جديدة عن سابقتها، حتى إنك لتشعر أن البلد، ومنذ استقلاله الصوري، يدور في حلقة مفرغة، لا تكاد تلك الخطب الطنانة الرنانة تُبين معها حين تسألها عن التنمية والحكامة والمأسسة والديمقراطية.

من حيث الشكل، انطلق الدخول السياسي الجديد على نفس الإيقاع الروتيني القاتل، ولكن من حيث المضمون، على إيقاع يسرع بالبلد إلى هاوية جديدة لا أحد يمكن أن يعرف لها قرارا. فقراءة بسيطة في ما ينتظر من آثار كارثية للسياسة المتبعة ومشاريع القرارات المزمع تنفيذها على واقع المغاربة يجعلنا ننظر إلى الحاضر الضاغط وإلى المستقبل القريب المريب، فضلا عن المتوسط والبعيد، بعين قلقة متخوفة وصوت مُنبِّه محذِّر.

يتميز دخول هذا العام السياسي باستمرار قبضة النظام المستحكمة على مفاصل السلطة والحكم، فالملك ومحيطه ما زالا يتمتعان بوضع “فوق دستوري”، استحواذا على الثروة والسلطة وإدارة الملفات الكبرى، مقابل منح هامش ضيق للحكومة مليء بألغام تحالفات هشة، ومسيج بصلاحيات محدودة، ومتسم باندلاع المواجهة المباشرة مع المجتمع في أية لحظة في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة، وواقع اجتماعي يعيش معه المغاربة فوق صفيح ساخن.

ويزيد من قتامة الوضع المغربي أن السلطة لم تكتف بدسترة الاستبداد وتوطين الأزمة الاقتصادية وتعميم الأزمة الاجتماعية، بل أضافت إليها سعيها الحثيث لتكميم أفواه الرافضين لهذا الواقع المأساوي.

لقد توهم الممسكون بزمام السلطة في المغرب أنهم تجاوزوا منطقة الخطر، فارتدوا من استبدادهم الناعم إلى استبدادهم المباشر، مما ينذر بالمزيد من الاحتقان الاجتماعي والسياسي، وهذا ما تؤكده الأزمات المستفحلة المواكبة للدخول السياسي الجديد أو بالأحرى الشرود السياسي المستمر.