مدخل

عندما نصحني صديقٌ بمشاهدة فيلم نجوم على الأرض)، والمشهور بـإيشان)، لم أتردد مطلقا، لسبب بسيط جدا؛ هو ثقتي الكبيرة بذوقه واختياراته؛ ذلك أني أومن بأن اختيارات الإنسان قطعة منه، لهذا عندما أصادف كتابا يضم منتقيات ونصوصا تراني أتريث في اقتنائه، وإن كان العنوان والموضوع مثيرين، حتى أتعرف على شخصية المختار وميولاته وتخصصه وإيديولوجيته؛ فـ”السلفي”، مثلا، عندما ينجز مختارات لظلال سيد قطب سيجمع النصوص الدّالة على العقيدة والتوحيد، والصوفي سيركز على مقامات القرب والبعد والفناء والبقاء والحضور والغياب، والسياسي سيهتم أكثر بالمواقف من الديمقراطية والعنف والحوار… وهكذا.

وكم من فوائد جمعتها ودرر استمتعت بها جراء إنصاتي لاقتراحات الأصدقاء وتوجيهاتهم لقراءة كتاب أو رواية أو مشاهدة فيلم، بل كم من تخصص معرفي لم أكن أميل لتصفح مراجعه حتى، فإذا به يعود من أولويات مقروءاتي بسبب قدرة قادر على تقريبه لقلبي وعقلي.

وقد تعلمت هذا من أستاذي المفكر والإنسان عبد الوهاب المسيري ـ رحمه الله ـ الذي لا ينفك يذكِّر ـ كلما أتيحت له الفرصة في “رحلته الفكرية” وغيرها ـ بفضل مفكرين وأساتذة وزملاء، بل وتلامذة، على تكوينه الفكري، وهذا ـ لعمري ـ عملة نادرة جدا في زمن كثر فيه المُدَّعون والمتشدقون، بل إن الأستاذ يرتب على هذا الأمر ويبني عليه مستقبل المثقف ككل حين يؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يمكن أن يتم إلا إذا كان المثقف أو المفكر جزءا من مجموعة صغيرة من المثقفين ممن يشاركونه الرأي، فهم قادرون على قراءة ما يكتب وتوجيه النقد البناء له بشيء من التعاطف، فيمكنه أن يطور رؤيته بالتدريج من خلال الحوار).

وعلى هذا الأساس، لم أكن لأقرأ ـ مثلا ـ لعلي عزت بيجوفيتش، ولا لأشاهد أفلام المخرج الياباني “أكيرا كوراساوا” لو لم أجد المسيري يثني عليهما، ولم أكن لأعرف “جاك لوغوف” و”فرونسوا دوس” و”فرناند بروديل” لو لم يشاركني الصديق خالد طحطح انشغالاته أثناء كتابته لـ “الكتابة التاريخية” و”عودة الحدث التاريخي”، ولم أكن أبدا لأغرم بعالم التراجم والمناقب والسير لو لم يوجهني الصديق الأستاذ عبد الواحد الإدريسي ـ وأنا مازلت تلميذا ـ لقراءة “المطرب في مشاهير أولياء المغرب” للتليدي، ولم أكن لأغوص في متاهات التاريخ الإسلامي لو لم يحفزني الصديق عبد الحميد الجباري لقراءة “الخلافة والملك” للمودودي، أما الصديق نور الدين إجوهراتن فقد أشعل فيَّ الحماس لولوج عالم الرواية بما كان يمدني به من روايات وقصص نجيب الكيلاني. وليعذرني من لم أذكره، فالوُدُّ محفوظ، ورحم الله الجميع.

الفيلم: المشكلـة والهـدف

1 . من أجل تعرية أساليبنا الخاطئة في تربية الأطفـال

مقارنة بالكم الهائل من الأفلام التي تنتج كل عام، نجد عددا قليلا منها يتعمق في طرح رؤى تروم معالجة قضايا تربوية واجتماعية قابلة للأجرأة في البيئة المسلمة، مع حضور شرطين: الإبداعية وإمكانية مشاهدتها باطمئنان مع كل أفراد العائلة، وهنا أستحضر ـ للنَّمذجة فقط ـ الفيلمين الإيرانيين “أطفال السماء” و”انفصال”، أما فيلم “نجوم على الأرض” ـ موضوع حديثنا ـ فشيء مختلف.

الفيلم من إنتاج عام 2007، وهو التجربة الأولى للنجم الهندي “أمير خان” في الإخراج، لكنه مع ذلك حصد نجاحا جماهيريا باهرا، بسبب فكرته الإنسانية الأصيلة ومعالجته السينمائية الحاذقة) كما عبَّر النقاد.

لن ألخص أحداث الفيلم، فكل محاولة لذلك ستكون مخلَّة، بل وستعتبر ممجوجة، لأن ذلك “حرق” له ـ كما يقال ـ لكن، إن كان ولا بد، فإني أقول في كلمة بأن الفيلم يحكي ويعرّي أساليبنا الخاطئة في التعامل مع الأطفال، ويكشف تقصيرنا في فهم عالمهم. و”إيشان” ـ بطل الفيلم ـ هو واحد من هؤلاء الذين لم يفهمهم المجتمع: أسرة ومدرسة؛ لقد تلقى أنواعا من الإهانة: مثل النعت بالبله والغفلة والغباء والكسل وانعدام الحياء وغير ذلك، لكن الأمر تغير تماما حين وجد أستاذا ذوّاقا تبنى قضيته وساعده على تخطي صعوباته النفسية والتربوية، وإبراز ما يخبئه من مواهب وإمكانات.

2 . المشكلـة: عندما ترقص الحروف والكلمات..!

وفي بعض التفاصيل الضرورية نجد طفلا في الثامنة من عمره، يعيش عوالمه الخاصة، تسيطر عليه متخيلات وأحلام اليقظة. ذات صباح، وعندما تطلب منه المعلمة القراءة، يتلعثم، ويرتبك، ويردّ بدهشة: الحروف ترقص! طبعا سيستغل زملاءه الفرصة للضحك عليه والاستهزاء بشخصيته وإجاباته. تغضب المعلمة، وتطرده من الصف، ويبدو أن “إيشان” ـ من خلال قيامه بحركة طفولية ـ يفضل هذه العقوبة على محبسه الدراسي.

وبعد أن هدده زملاؤه بأن يومه سيكون أسود لأنه لم يرجع أوراق الامتحان، يخرج لينام في حافلة النقل المدرسي، وليستمتع برحلته التخيلية، ويتأمل كل التفاصيل الحياتية اليومية الملونة حوله. والغريب أنه طول الفيلم ظل يعتقد أن رحلته تلك كانت حقيقية. والمقطع الذي يصور ذلك يعتبر ـ في نظري ـ من أجمل لحظات الفيلم: عامل يصعد إلى بناية قيد البناء، آخر يروي عطشه، صبي يحمله والده على كتفيه وهو يلحس المثلجات المحلية، طفل نائم، آخرون يلعبون، كلب يتثاءب.

لكن والده ـ الذي يطمع في مستقبل زاهر لابنه ـ يضيق ذرعا بشغبه و شكوى الأساتذة من لامبالاته، فيقرر تسجيله في مدرسة داخلية.

في لحظة الفراق تبدأ المشاكل الحقيقية، ومعها يبدأ الضياع؛ يقف “إيشان” أمام بوابة المدرسة مشدوها غائبا عن الوجود، ومع مغادرة سيارة العائلة يخيم صمت مخيف ورهيب.

الفيلم: إشارات ورسائــل

“نجوم على الأرض” يبعث لنا برسائلَ تربويةٍ وتعليمية وأخلاقية عديدةٍ، والمشاهد النبيه وحده من يستطيع أن يلتقط خيوطها ليتعمق في معانيها. ونحن في هذا المقال سنقف مع بعضها وقفات سريعة حتى نشجع القارئ على مشاهدته.

1 . تمتع بلحظات الصفا بـ”الـدَّيْن إن كنت مفلسا”

من بين المقابلات الجملية والعميقة التي يثيرها الفيلم بطريقة خفية، تصويره لعالم الكبار وانشغالاتهم، مقابل عالم الطفولة وهنائهم، وذلك أثناء تقريبه للحظات الاستعداد الصباحي لذهاب الأب إلى العمل والأطفال إلى المدرسة، وبينهما ـ أو قل قبلهما ـ أمّ تعمل جاهدة ـ ولكن راضية ـ على الاهتمام بالجميع وإسعادهم.

فعالم الكبار تسيطر عليه أسئلة قلقة مضطربة من قبيل: لماذا كل هذا التهمم المضني وكأننا نستعد لمعركة؟ لماذا نتعامل مع العالم وكأنه عدو علينا التحفز لمواجهته؟ لماذا هذا النظام الصارم، والنوم بعين واحدة مفتوحة؟ لماذا العالم يسيطر عليه شعار “واكب التيار”؟

أما عالم الصغار فأمره مختلف طبعا، ويقدمه المخرج باعتباره مستقبلا آخر يزهر ويزدهر ـ أو قل يتمنى أن يكون ـ إنهم أولا ليسوا عبيدا للوقت، يجتمعون بالفراشات، ويناقشون الأشجار، ويرسمون عالما جديدا على صفحة السماء. إنهم يحلمون وأعينهم واسعة، وهم متأكدون تماما أن الجميع سيصاب بالدهشة لو أن عالمهم البريء انكشف للكبار، من أجل ذلك تراهم هانئون، وهم يؤكدون أن هذه الأيام القليلة من الطفولة لن تعود أبدا، لذا ينصحون الآباء بأن يعملوا جاهدين على توفير الظروف المناسبة لأطفالهم كي يتمتعوا بها ـ هنا والآن ـ “بالدَّين إن كانوا مفلسين”.

2. انتبهوا… المستقبل المريح لأبنائكم لا يوجد بالضرورة في المسالك الدراسية!

كل أب واع يعمل جاهدا من أجل أن “يضمن” لأبنائه مستقبلا ماديا مريحا، وكلنا نرجو أن يُرزق أبناؤنا عملا مشرفا وذا دخل ماديّ سمين، فتجدنا نتهمّم بشكل مَرضيّ بكل ما يمنحهم تفوقا دراسيا، ويخوِّلهم الولوجَ إلى المعاهد والمدارس العليا، ونعمل على توجيههم إلى مسالك ليسوا بالضرورة محبين لها، راجين أن يصبحوا أطباء ومهندسين وخبراء، وننسى أنه لا يمكن أبدا أن يصبح الجميع كذلك، وإلا من للطريق يكنسه، وللحريق يطفئه، وللغريق ينقذه)!

هذا بالضبط ما وقع لوالد “إيشان”؛ ففي الوقت الذي كان ابنه “يضيع” أمامه ضياعا صامتا، كان هو مشغولا بعمله، وبالتفكير فيما يمنح ابنه مستوى دراسيا متميزا، في حين كان عليه أن يتنبه أنه يمتلك موهبة رفيعة في الرسم، فينميها فيه ويستثمرها. لكن ـ من وجهة نظر الأب ـ ما فائدة ذلك… ماذا سيصبح عندما يكبر… كيف يتنافس مع العالم؟

لكن الحقيقة التي يغفل عنها الجميع أن لكل طفل شخصيته، وخبرته، ورغبته، لكنهم منشغلون بتمديد الأصبع لجعله طويلا)، والمشكلة أن البعض مستمر في ذلك حتى ولو تكسرت الأصبع!

3. المتعثـر… لا أب له!

من الظواهر الكثيرة التي يعالجها الفيلم باحترافية وجمالية نادرتين، ومن خلالها يقدم نقدا لطيفا للمعلمين، ما يمكن أن نسميه بـتسابق الجميع لتبني التجارب الناجحة، وتبرّيهم من التجارب الفاشلة)؛ ذلك أن أغلب رجال التعليم ـ حتى لا أقول الكل فيكون تعميمنا مخلا ـ يتبنّون التلاميذ النبهاء، ويفتخرون بكونهم من “صناعة أيديهم”، أما الفاشلون والمتعثرون فنادرا ما تجد أحدا يعترف ببنوّتهم، لعلمهم أن الفشل هنا يسجل في غير صالحهم.

4. معلمون نمطيون… كسالى

وفي نفس السياق، نجده ينتقد بعض المعلمين الذين لا يمتلكون ـ للأسف ـ أي حس تربوي، وليس لهم أدنى مقدرة على تشجيع المتعلم واكتشاف مواهبه، وإذا طولبوا بتقييم السير التربوي والتعليمي لتلميذ متعثر فإنهم يسارعون لإلصاق به كل صفة سيئة ونعت قبيح: فالكتاب عدوه، وكأن القراءة والكتابة هي عقوبات له، وهو يعيد أخطاءه عمدا، وانتباهه دائما مشتت داخل الصف، ويستأذن دائما للذهاب إلى الحمام، ويشوش الصف بأكمله بمزحاته السخيفة، إنه سيء في كل المواد، ومن كان يصدق أن أخاه هو..!

حتى إن أحدهم عندما منحه إيشان جوابا فيه “نوع من التفلسف” احتقره، في حين احتفى بالإجابة العادية المنسوخة المبتذلة.

5 . دعوة للتحرر من النمطية

عندما جاء معلم مختلف، يتحلى بروح الإبداعية، وبدأ في إعطاء الدروس بطريقة مغايرة، اجتمع كل الأساتذة لـ”يقدموا له درسا” مفاده أن أسلوبه لن ينال أي تقدير)، على اعتبار أنه لا يُعّد الصغار لـ”سباق الحياة”، فالتلاميذ يجب أن يتنافسوا وينجحوا ليصنعوا مستقبلا.

لكنه اعتبر “إيشان” قضيته: تعاطف معه، وقرر انتشاله بعد أن لاحظ بأنه خائف على الدوام، وعيناه تبدوان وكأنهما تصرخان طلبا للنجدة)“. لقد اعترف لزميلته ـ والدمع يملأ عينيه ـ قائلا: أخاف أن يغرق).

6 . المعلم والمتعلم شريكان في التعلم.

الفيلم يريد أن يقنع كل الشركاء في العملية التعليمية ـ التربوية أنهم محتاجون دائما وأبدا إلى “التكوين المستمر”، والأساتذة أحوج من يكون لذلك، باعتبارهم الأكثر احتكاكا بالمتعلم، ومن ثم احتياجهم الدائم للاطلاع على المستجدات والنظريات والتجارب، بشرط أن يكون ذلك نتيجة “حرقة” وتهمم واقتناع. وقد أجلس المخرج في لحظة من لحظات الفيلم كل المعلمين مع تلامذتهم ينافسونهم في مسابقة للرسم، في رسالة لطيفة تؤكد أن التعلم غير مرتبط بسن معينة.

7 . الابتلاء ليس خاصا بالآخرين فقط !

من اللحظات القاسية في الفيلم تلك التي تصور تنبيه مديرة مدرسة إيشان للأب بضرورة الانتباه لابنه ودراسة حالته فـربما يكون لديه بعض المشاكل. وعليه، هناك بعض المدارس الخاصة لمثل هؤلاء الأطفال). طبعا كان الأمر صادما للوالدين، فلم يتقبلا أن يكون ابنهم يعاني من مشاكل نفسية أو عقلية، وكرد فعل اتهما القائمين على المؤسسة بعدم الاهتمام بالتلاميذ، وتكديسهم بعدد كبير في قسم واحد؛ فكيف يستطيع المعلم ـ والحالة هذه ـ أن يهتم بكل تلميذ على حده)؟!

8 . اِكتشافٌ… ولكنه متأخر!

ولكن اللحظة الأقسى هي عندما ستكتشف الأم دفتر رسمٍ لابنها إيشان مُخطَّط بطريقة الرسوم المتحركة قديما، أفرغ فيه إحساساته الكئيبةَ ملونةً بعد أن تأكد له تصميم والده على إرساله لمدرسة داخلية بعيدة، حيث يُخرج نفسه ـ في هذا الرسم ـ بالتدريج من الأسرة وحضنها وحنانها، وهذا يعني أنه تشبّع بفكرة كره الجميع له، مما جعله يطرح على نفسه سؤالا وجوديا بالنسبة له: أأنا سيء جدا يا أمـي)؟!

لقد اعتبر ابتعاده عن الأسرة ـ ولو من أجل الدراسة ـ تيها وضياعا وغرقا.

فكم من التفاصيل الدقيقة التي لا يلقي لها الآباء بالا، وهي حاسمة ومصيرية في حياة أبنائهم ومستقبلهم!

9 . هناك قلة ممن يفكرون خارج المألوف

الفيلم يشعرنا بضرورة الانتباه لحضور “جواهر بشرية” بيننا، هؤلاء الذين استطاعوا عبر لحظات نادرة في تاريخ البشرية تغيير العالم، لأن تفكيرهم كان مختلفا. لم يفهمهم أحد، بل وقف الناس في طريقهم، لكنهم ربحوا التحدي، والعالم بأكمله شهد ذلك برهبة. عندئذ أصبحوا محطات تاريخية معيارية)، فنقول ـ مثلا ـ ما قبل آينشتاين وما بعده.

10 . هل حقا المشاهدون يريدون ذلك؟

يتذرّع كتاب السيناريو والمخرجون السينيمائيون بأن الجمهور هو الذي يحب أن يشاهد لقطات توصف عادة بـ”الساخنة”، بل إنهم يذهبون بعيدا حين يؤكدون أن عملهم يَنصبُّ أساسا على نقل وتصوير الظواهر المجتمعية بأمانة، ومن صميم ذلك العلاقات العاطفية بل وحتى الجنسية. ولكن فيلم “نجوم على الأرض” يقدم، في مساحة زمنية تقارب الساعتين وخمس وأربعين دقيقة، معالجة فنية عالية الجودة لمعضلة اجتماعية وتربوية دون أن “يصافح” ممثل ممثلة حتى، علما أن المُشاهدَ يمتلك من الذكاء ما يكفي كي يفهم أن أستاذ التربية التشكيلية تربطه علاقة عاطفية عميقة بزميلته في العمل.

خاتمة

نهاية الفيلم سعيدة جدا؛ فالنجمة الصغيرة المفقودة وُجدت أخيرا بعودة البسمة إلى محياها، والأب وعى المعنى العميق لمفهوم “الاهتمام” بالأبناء، والمعلمون اكتشفوا “أعمدة النجاح الحقيقية”، و”الأسلوب التربوي” الأكمل المبني أساسا على الاقتناع بأن الطفل إمكانياته مثل السماء لا نهاية لها).