تقديم

كثر الحديث في موضوع شرعية الدولة ومشروعيتها وطبيعتها وسلطتها وحدود هذه السلطة وغايتها، وكثرت التأليفات في الموضوع بجميع لغات العالم، إلا أن انتشار التصور الغربي للدولة فرض هيمنة مفاهيمية وتصورية غطت عن باقي التصورات، خاصة إن كانت هذه الأخيرة مجرد نظرية لا نموذج لها في الواقع. مثال ذلك ما وقع للمسلمين اليوم جراء تأثرهم بالفكر والحضارة الغربيين وتبعيتهم السلبية اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، ومحاولة استنساخ ما أرسته الفلسفة الوضعية من تصور فلسفي عن الوجود والمعرفة والقيم.وبخصوص موضوعنا أضحى تصور الدولة الغربية المعاصرة نموذجاً كونيا جاهزاً بتفاصيله لا يُقبل غيره في سوق السياسة والفكر. فَفَعل دين الانقياد بالناس ما فَعل.

فهل لا يوجد إلا نموذج الدولة الغربية بخلفيتها الفلسفية المادية؟ ألا يمكن بناء دولة عصرية بمرجعية مخالفة؟

نحن نُسلم بأن المرجعية الوحيدة المتحررة من التصور الغربي والتي تستعصي على الانصهار فيه هي مرجعية الوحي (القرآن الكريم والنبوة) الذي يقدم معالم دولةٍ عصرية تشترك وتختلف مع الدولة ذات المرجعية الوضعية المادية. تشترك في الوسائل والآليات وتختلف في المبادئ والقيم والغايات. تشترك في طرائق التدبير والتسيير وتختلف في نظام المعاني والقيم. ومن بين أهم المشتركات نذكر أن الدولة تجسيدٌ لإرادة الأمة وتقصيدٌ لمطالبها، وهي تراعي تطور الحياة البشرية ومخاضات الواقع، وهي تتناقض مع دولة الفرد أو الأسرة أو العشيرة أو الطبقة.

فما هي معالم هذه الدولة في المرجعية القرآنية؟

تعريف

في المعاجم العربية تُجمع مفردة دولة على دُول بضم الدال وفتح الواو، ودِوَل بكسر الدال وفتح الواو، والإدالة الغلبة، أديل لنا على أعدائنا أي نصرنا عليهم، وكانت الدولة لنا) 1 ، ومن هذا المعنى جاء مصطلح الدولة نتيجة لغلبتها، وفي القرآن الكريم ورد مصطلح “الدولة” في قوله تعالى: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ (الحشر:7)، والدولة اسم للشيء الذي يتداوله القوم بينهم يكون كذا مرة وكذا مرة، والدَّولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم، فالدُّولة بالضم اسم ما يتداول، وبالفتح مصدر من هذا، ويستعمل في الحالة السارة التي تحدث للإنسان، فيقال: هذه دولة فلان أي تداوله، فالدولة اسم لما يتداول من المال، والدولة اسم لما ينتقل من الحال، ومعنى الآية كي لا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى للفقراء؛ ليكون لهم بلغة يعيشون بها واقعا في يد الأغنياء ودولة لهم) 2 .

ويقول الطاهر بن عاشور: الدُّولة بضم الدال: ما يتداوله المتداولون. والتداول: التعاقب في التصرف في شيء. وخصها الاستعمال بتداول الأموال، والدولة بفتح الدال: النوبة في الغلبة والملك) 3 ، أي الهيمنة الاقتصادية لفئة على فئات أخرى، ومعلوم أن الهيمنة الاقتصادية هي القاعدة الأساس للهيمنة السياسية، وبالتالي فدُولة الأغنياء اقتصاديا تستتبعها دُولتهم سياسيا،وقد استعمل هذا المعنى في القرن السابع الهجري ليفيد الترابط بين الهيمنتين الاقتصادية والسياسية (السلطة والثروة).

طالع أيضا  معالم تحديث الدولة من خلال مرجعية الأمة -4-دولة الحق والقانون وفصل السلط

في تاريخ المسلمين السياسي القديم لم تُستعمل كلمة “دولة” بالمعنى المعاصر، وإنما استعملت مفاهيم: الإمامة والخلافة للإشارة إلى السلطة السياسية، والسياسة لغة هي“القيام على الشيء بما يصلحه، وسُستَ الرعية سياسة: أمرتَها ونهيتَها، وسُوِّس الرجل: إذا مُلِّك أمرهم، والسُّوس: الرياسة، يقال: ساسوهم سوساً، وإذا رأَّسوه قيل: سوَّسوه وأساسوه، والسياسة فعل السائس، يقال: هو يسوس الدواب: إذا قام عليها وراضها، والوالي يسوس رعيته) 4 ، ومن هنا نتحدث عن الدولة بوصفها المؤسسة القائدة التي تقود المجتمع سياسيا، أي الجهاز الذي يسوس أمور الناس المشتركة. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبيٌّ خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي” 5 ، فكان الأنبياء ساسة في أقوامهم وقادة. وكل من قاد قوما فهو سائسهم.

وقد ميَّز ابن خلدون في الإمامة بين ثلاثة أنواعٍ هي الـمُلك الطبيعي والـمُلك السياسي والخلافة، يقول: إن الـمُلك الطبيعيَّ هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والسياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار. والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها. إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة. فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به) 6 . وعن وظيفة الإمامة قال إمام الحرمين الجويني: الإمامة: رياسة عامة، وزعامة تامة، تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا، متضمنها حفظ الحوزة ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الجنف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين وإيفاؤها على المستحقين) 7 ، وقال الماوردي: الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع) 8 ، وعند ابن خلدون هي: النيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين، وسياسة الدنيا، وبه تسمى خلافة وإمامة، والقائم به خليفة وإماماً) 9 فلا يخفى هنا وجوب الإمامة لقيادة الأمة في حفظ كليات دينها وسياسة شؤونها العامة.

طالع أيضا  معالم تحديث الدولة من خلال مرجعية الأمة -2-دولة تجسد إرادة الأمة

الدولة واستخلاف الإنسان في القرآن

القرآنُ خطابُ الله تعالى للإنسان ونداؤه له ليعرفَه ويُوحده ويقتحم العقبة إليه، أينما كان هذا الإنسان في زمانه ومكانه واهتمامه، حتى تتحقق فيه الاستقامة فهماً وسلوكاً، أفراداً وجماعات، شعوباً وأمماً، وبتلك الاستقامة على منهاجه يدرك السعادة الممتدة من الدنيا دار الابتلاء والعمل إلى الآخرة دار الجزاء والقرار،ويتخلص من نوازع الشر ودوافع السوء، فهو الكائن الـمُـكرَّم بتكريمٍ لا ينتهي ولا يحجَّر على فئة أو سلالة دون الآخرين، بل هو مكرم بحُكم آدميته، قال الله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (الإسراء: 70). سَوّاه الله ونفخ فيه من روحه، فجعل خلقه في أحسن تقويم، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (التين: 4).

لكن التكريم الإلهي للإنسان مقرون بالتكليف الشرعي له بإقامة العمران في الأرض، وإقامة العمران تقتضي وجود سلطة عليا تسير أمور الناس المشتركة. فتكون دولة القرآن تجسيدا واقعيا لأمانة الاستخلاف القرآني في الواقع، الوارد معناه في قوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ۖ قُل لَّا تُقْسِمُوا ۖ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (النور: 53)، وتكون إقامة الدولة من صميم الأمانة التي أنيطت بالإنسان المؤتمَن على فطرته وأشياء الكون المسخرة له، قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (الأحزاب: 72).

يتبع..


[1] ابن منظور محمد بن مكرم، لسان العرب، دار الجيل، بيروت، 1408هـ/ 1988م، مادة: (س ا س).\
[2] الرازي فخر الدين، التفسير الكبير، دار الكتب العلمية، بيروت، 1425ه/2004م، ص:249.\
[3] ابن عاشور محمد الطاهر، التحرير والتنوير، دار سحنون، تونس، 1997م، ص:86.\
[4] الزبيدي محمد مرتضى الحسيني، تاج العروس، ج4، دار الفكر، ط 1، 1414هـ/ 1994م، ص:169.\
[5] صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم: 3268.\
[6] ابن خلدون عبد الرحمن، المقدّمة، المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، ط 2، 1416هـ/ 1996م، ص:190.\
[7] الجويني أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله، غياث الأمم في التياث الظلم، مكتبة إمام الحرمين، 1410ه/1990م، ص:14.\
[8] الماوردي علي بن محمد بن حبيب، الأحكام السلطانية،تحقيق أحمد مبارك البغدادي، مكتبة دار ابن قتيبة، الكويت، ط 1، 1409ه/1989م، ص:3.\
[9] ابن خلدون عبد الرحمن، المقدمة، مرجع سابق، ص:211.\