أجرت أسبوعية المشعل، في عددها 436، حوارا مع الدكتور عمر احرشان، رئيس المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات وعضو الأمانة العانة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، حول العديد من القضايا التي تخص الجماعة والمشهد السياسي، وذلك على خلفية تقرير معهد واشنطن حول جماعة العدل والإحسان والسيناريوهات المحتملة. نعيد نشره لتعميم الفائدة:

ما هي قراءتكم للتقرير الصادر عن معهد واشنطن بشأن الخيارات المطروحة أمام جماعة العدل والإحسان؟

هو تقرير يندرج في سياق التقارير التي تنجزها مجموعة من مراكز الدراسات والأبحاث حول المغرب، والتي نشطت كثيرا خلال السنين الأخيرة بسبب تداعيات الربيع العربي في المنطقة. وللتقرير أهمية مقارنة مع غيره، تكمن في ثلاثة عوامل؛ هي طبيعة المركز وطبيعة الباحثة وحجم الدراسة.

هل يمكن التفصيل أكثر في هذه العوامل؟

الدراسة صدرت عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى؛ وهو مركز دراسات محافظ ونافذ وسط دوائر صنع القرار الأمريكي رغم حداثة سنوات اشتغاله، أظنه تأسس في 1985، والسبب هو علاقته ب”الإيباك” لأن مديره المؤسس هو مارتن إنديك رئيس قسم الأبحاث السابق ب”الإيباك”. ولذلك، فنتائج دراساته لا تبقى في العادة حبرا على ورق، ولكنها تنقل إلى صناع القرار الأمريكيين وتؤخذ من ضمن الأولويات لديهم. وهذه أمور معروفة عند من يتابع طريقة صناعة السياسات العامة الأمريكية ودور مراكز “التينك تانك” في ذلك.

العامل الثاني هو مسار الباحثة التي أنجزت الدراسة، إذ هي متخصصة في العالم العربي الذي حصلت فيه على الماستر من جامعة جورج تاون، واستقرت في المغرب أكثر من سنتين تعلمت خلالها الدارجة المغربية إضافة إلى إتقانها اللغة العربية، ولذلك فهي دراسة ميدانية بامتياز.

والعامل الثالث هو حجم الدراسة التي كتبت في أزيد من سبعين صفحة كلها عن جماعة العدل والإحسان، وهذا مختلف عن غيرها من الدراسات السابقة التي تخص فيها الجماعة بفقرة أو أكثر بقليل.

ويمكن إضافة عامل رابع، وهو غير مهم كثيرا، ويتعلق بسرعة نشر الدراسة في موقع المركز.

تبدو متحمسا لهذه الدراسة، هل راقكم ما جاء فيها؟

لا طبعا، رغم المجهود الكبير الذي بذلته الباحثة من خلال اطلاعها على الواقع المغربي ولقاءاتها المتنوعة مع الكثير من المعنيين بشأن العدل والإحسان، فإنها أحيانا كانت تخلص إلى نتائج عبارة عن انطباعات أو لا تخضعها للتمحيص أكثر، وأحيانا تسقط في فخ مواقف متحيزة لبعض الفاعلين أو ضحية لما تسوقه بعض المنابر والصالونات. ولكن أهم ما في الدراسة هو خلاصاتها والسيناريوهات التي اقترحتها للتأمل، وتأكيدها على مركزية العدل والإحسان في المشهد السياسي المغربي، وأنها حركة مغربية سلمية أصيلة عكس غيرها الذي ينهل من المدرسة الإخوانية أو السلفية أو الشيعية. وهذه خلاصات دقيقة كانت الباحثة فيها موفقة جدا.

بماذا تفسرون اهتمام أمريكا بالجماعة؟

لا أظن أن هناك اهتمام بهذا المعنى، فهذه مجرد دراسة وتوصيات قد يأخذ بها صانع القرار أو يؤجلها أو يعدلها أو يتجاهلها. اهتمام أمريكا أولا بمصالحها ولا شيء غير ذلك، واهتمامها بالمغرب يجعلها ضمنيا تهتم بكل ما يتعلق بالجماعة لأنها فاعل رئيسي في المشهد السياسي.

ما هي الأسباب التي تمنع الجماعة من المشاركة والاندماج في الحقل السياسي في المغرب منذ تأسيسها؟

هي جد مندمجة في الحقل، ولكنها تضع لنفسها مجموعة واقيات حتى لا يبتلعها المخزن ويمسخها، وهي تميز بين الحقل السياسي والانتخابي.

الجماعة فاعل رئيسي في الحقل السياسي لأنها حاضرة عند كل دوائر صنع القرار. والمتتبع يكاد يقرأ خلفيات الكثير من القوانين والقرارات والسياسات وحتى الاستراتيجيات، وإنها اتخذت وهاجس العدل والإحسان حاضر فيها. بالمقابل، هي تقاطع الحقل الانتخابي لأسباب كثيرة.

هل يمكن توضيحها؟

السبب الأول دستوري؛ لا يتيح للفاعل السياسي المنتخب هامشا حقيقيا لتشكيل حكومة وبرلمان قويان يمارسان صلاحيات كاملة، وأيضا الإطار القانوني والتنظيمي للانتخابات الذي لا يوفر الضمانات الكافية لإجراء انتخابات نزيهة، وهناك قبلهما سببا سياسيا يكمن في غياب تعددية سياسية حقيقية تقوم على أساس قانوني وبعيدا عن الاعتبارات السياسية التي يلعب فيها المخزن دور الحكم والخصم، وأقصد معايير تأسيس الأحزاب التي لا تخضع لمسطرة إدارية وقانونية واضحة بقدر ما تخضع لاعتبارات سياسية.

هذه عوائق تجعل الكرة في مرمى السلطة أولا وأخيرا.

جاء في التقرير أن الجماعة تشتغل وفقا لـ”نظرية التربص” إلى أن تنضج الظروف، إلى أي حد يمكن القول إن الجماعة تشتغل بناء على هذه الاستراتيجية؟

هذه من نقائص الدراسة لأنها توحي إلى القارئ وكأن هناك لدى الجماعة نية انقلابية وهذا يتعارض مع مبادئها. والصواب أن العدل والإحسان غير متسرعة ولا تحرق المراحل، وتتفاعل مع كل ظرف بما يقتضيه من برامج، وهذا أمر عادي لمن استوعب أن للجماعة مشروعا مجتمعيا يتوخى تغيير الثقافة السياسية للمجتمع، وليس همها الوحيد هو الوصول إلى السلطة.

ولذلك لا تفتأ الجماعة تؤكد أنها تشتغل في الورش الأكبر داخل المجتمع تربية وتأطيرا وتثقيفا للشعب حتى يسترجع زمام المبادرة ويكون صاحب سيادة، ولا تفتأ الجماعة تؤكد أن “السياسة بعض شأننا”.

والجماعة تقترح المدخل الميثاقي والحل الجماعي من خلال حوار وطني يشارك فيه الجميع. لذلك فهي تشتغل في هدوء وبدون استعجال، لأن من شأن ذلك أن يقود الأمور إلى الأسوإ.

ماذا تغير منذ وفاة شيخ الجماعة ومؤسسها عبد السلام ياسين؟ وما هو الفرق بين المرحلتين؟

بالنسبة للجماعة هناك استمرارية في برامجها وفق منهاجها الذي وضعه مرشدها المؤسس رحمه الله. وأظن أن مرور هذا الوقت أثبت صواب تصريحات قيادتها منذ سنين، حين كانت تصرح أن لا خوف على مستقبل الجماعة وأنها جماعة تشتغل وفق قوانين وبمنطق مؤسساتي، وأثبت بالمقابل فشل رهان أولئك الذي راهنوا على تشتت الجماعة وتصدع وحدتها.

وكل هذا لا ينفي أن الجماعة تأثرت كثيرا بوفاة الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، لأنها فقدت المربي والمؤسس والمنظر والقائد، وهذا أمر ليس بالهين لمن خبر دينامية التنظيمات والحركات.

هل يوجد انقسام في صفوف الجماعة؟

لا يوجد انقسام طبعا، وهذه مجرد حملات دعائية غرضها التشويش والتشويه وإشغال الرأي العام، ومن الصعب جدا حصول انقسام داخل العدل والإحسان لاعتبارات كثيرة تصورية وتربوية وتدبيرية.

هل يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه مع جماعة العدل والإحسان، كما وقع مع تنظيمات وأحزاب كانت في المعارضة؟

من الصعب ذلك جدا، لأن هذا الاختبار تعرضت له العدل والإحسان أكثر من مرة ولم تنجح فيه السلطة في احتواء الجماعة وتدجينها كما فعلت مع غيرها.

شرط تحقيق هذا الهدف غير متوفر في الجماعة لأنها جماعة تشتغل وفق وحدة تصور وبرنامج، ومنهج تشاور يساعد على تقريب التقديرات السياسية لدى قيادتها، ووحدة إرادة تنهل من معين تربوي يؤلف القلوب ويجعلها أبعد عن الاصطدامات والانشقاقات، وقادرة على تدبير كل اختلاف من منطلق يعتبره عامل إثراء وقوة وتنوع، لأن قيادة الجماعة أحرص من قاعدتها على احترام الجماعة وقوانينها ومنهاجها وبرامجها.

هل يمكن أن تقبل الجماعة شروط اللعبة وتندمج؟

لقد عرضت على الجماعة إغراءات وحوافز أكثر من مرة ورفضتها، فكيف تقبل بشروط. هذا هو المنطق الذي ترفضه الجماعة بدون نقاش وتسعى إلى أن تتخلص الممارسة السياسية منه في بلادنا لأنه يتعارض كليا مع معايير دولة القانون والمؤسسات لفائدة دولة الأشخاص والتعليمات.