1- أول مشهد تعليمي

قال تعالى، الخالق الأكرم، العليم الخبير، في أول ما أنزل على رسوله المصطفى المختار صلى الله عليه وسلم:

اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم (العلق: 1- 5). يبرز سبحانه وتعالى حقيقة أنه هو الذي خلق، وهو الذي أكرم، فعلم الإنسان ما لم يعلم من العلوم والمعارف. ويدعو صفوة خلقه صلى الله عليه وسلم وأمته بالتبعية إلى القراءة والكتابة، وهي الأدوات الأساسية واللازمة لاكتساب ونشر المعرفة والعلم. وفي نفس الآيات قال ابن كثير: )أول ما نزل من القرآن هذه الآيات المباركات، وهن أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه أنه علم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به “آدم” على الملائكة) 1 .

يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم – والحديث بتفاصيله موجود في كتب التفسير والحديث والسيرة – عن هذه اللحظات المروعة، ساعة نزول هذه الآيات الخمس، وعن المحاورة الوجيزة البسيطة والعميقة التي وقعت له مع سيدنا جبريل عليه السلام. كان يكرر عليه اقرأ ويغطه ثم يرسله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكرر: ما أنا بقارئ، في إقرار تام بعجزه عن ذلك واضطراره إلى ربه. لن نفصل في هذا الفعل التعليمي وأركانه لأنه فعل رباني وخاص جدا، ولأن المتعلم فيها نبي رسول يعهد إليه أن يكون المعلم الأول والخاتم، وهو الذي سيحمل أوسع وعاء للعلم والرحمة ستغرف منه البشرية إلى آخر الأزمان. ومن هذا المشهد التعليمي الأم ستتولد مشاهد وتتفرع إلى آخر مشهد سيشهده الأولون والآخرون.

2- قل باسم الله وابدأ

نقف عند بعض مما أقرأ الملك المعلم عليه السلام النبي المتعلم صلى الله عليه وسلم من كلام الله: “اقرأ باسم ربك… اقرأ وربك الأكرم…”. وقد يعرض للمؤمن شيء من مثل هذا الموقف، لا وجه للمقارنة مع ما عاشه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حصل له من تغيير شامل وقتئذ، ناهيك عن ما حمل وتحمل عن أمته مما لا نستطيعه لا عملا ولا إدراكا. ينتدب هذا المؤمن ويرشح إلى وظيفة أو عمل لم يكن في حسبانه أوفي ظنه أنه مؤهل له أبدا. في البدء مشقة، عناصر ملتبسة وطريق يبدو مسدودا.

ابدأ باسم ربك ضارعا إليه مستعينا به غير مستغن ولا معتد بنفسك. ابدأ “وربك الأكرم” قناعة في أعماقك، أنه الفاعل، والمعول على كرمه وعونه وتوفيقه وهو القائل سبحانه باسم الله مجراها ومرساها (هود: 41) عن سفينة تجري في بحر تتلاطم فيه أمواج كالجبال وعن أي سفينة علم أو عمل يركبها مؤمن يبتغي وجه الله ومرضاته. ويصدق علي وعليك قول عالم عارف: لا شيء يأتي منك، و لابد منك).

فالله المكرم سرعان ما يتدارك بمنه ومعونته فيفتح المغلق وييسر العسير. والشرط أن تبقى على اتصال وثيق به وبمن عهد إليهم تعليم خلقه. و اقرأ في السير أو اسمع -إذا سنحت لك فرصة- من ذوي السابقة والغناء ليحدثوك كم تكرر معهم ذلك.

3- لمحة عن “عالم” و”عارف”

يقول الأستاذ الإمام عبد السلام ياسين: كلمتا “عرف” و”علم” وردتا في القرآن الكريم. ولم يستعمل الأولياء في الصدر الأول من الإسلام إلا كلمة “عالم”. ثم احتاج السالكون الواصلون إلى الله عز وجل إلى كلمة تميز العالم بالله، عن العالم بالأحكام والنصوص فاستعملوا كلمة “عارف”.)“علم” تدل على الاطلاع على أحوال الشيء المعلوم وصفاته كما تدل كلمة سمع على فعل خاص وهو إدراك الأصوات، وكما تدل كلمة رأى على إدراك المظهر الخارجي للشيء المرئي.)كلمة “عرف” تتعلق بذات الشيء لا بأحواله وأوصافه وأفعاله ومظهره فقط، فهي تستغرق كل ذلك. عرفت زيدا أشمل من علمت أن زيدا كذا وفعل كذا، وأشمل من رأيت زيدا وسمعت زيدا. على أن هذه المعرفة لزيد على شموليتها وذاتيتها لا تعدوأن تكون عملية عقلية تعتمد الحس آخر المطاف… ومعرفة الله عطاء من الله يتنزل على القلب) 2 .

4- فضائل العلم

أ- سبحان الله والحمد لله

سبحان الله الخالق الخبير بخلقه، ينطلق في تعليمه للناس من الصفة المسلمة لديهم – وهو الذي جبلهم على الإقرار والاعتراف به خالقا- قال تعالى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله (لقمان:25). وجعل العلم سببا في خلق السماوات والأرضين، إذ قال: الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (الطلاق: 21‏). والمعنى، يقول ابن عاشور: أن مما أراده الله من خلقه السماوات والأرض، أن يعلم الناس قدرة الله على كل شيء وإحاطة علمه بكل شيء . لأن خلق تلك المخلوقات العظيمة وتسخيرها وتدبير نظامها يدل المتأمل على أن من أبدعها يقدر على أمثالها، فيستدل بذلك على أنه قدير على كل شيء. كما أن تدبير تلك المخلوقات بالإتقان المشاهد في نظامها، دليل على سعة علم مبدعها وإحاطته بدقائق ما هو دونها) 3 ، قال عز من قائل: ولخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (غافر: 57).

والحمد لله المنان الذي بعث صفوة خلقه، الرحمة المهداة للعالمين، وأشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم– معلما للأميين ولسائر المؤمنين هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (الجمعة: 2)، أرسله ليعلمهم ما لم يكونوا يعلمون من العلوم التي ترفع مقامهم في الدنيا والآخرة، جمع لنا بفضله وكرمه رفعة المعلم ورفعة العلم. وقال تعالى: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوعليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (البقرة: 151-152). وعلمنا صلى الله عليه وسلم أن ندعو البر الرحيم بجوامع الكلم: “اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك” ذكرا وشكرا بالقلب واللسان وبالعمل، قال تعالى: اعملوا آل داوود شكرا (سبأ: 13).

ب- فضيلة العلم

وللعلم فضائل ولأهله الدرجات، لها عدة شواهد في القرآن الكريم منها قوله عز وجل: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط (آل عمران: 18)، يبدأ فيه سبحانه وتعالى بنفسه ويثني بالملائكة وأهل العلم، يدرجهم في مقام الشهادة بعده وكفى بهذا شرفا وفضلا. وقال تعالى: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات (المجادلة: 11) فيرتقي بفضل الله وكرمه المؤمنون الذين آتاهم العلم المراقي في الدنيا والدرجات في الآخرة، ولا أقل من أن المومنين في أعمالهم يتفاضلون في الأجر والدرجات بحسب نياتهم وهي مبتدأ العلم والعمل. كما قال عز وجل: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (الزمر: 9) وكما لا يستوون في الدرجة لا يستوون في التكليف.

ومن أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل العلم نذكر: “من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويلهمه رشده” 4 فالخير كل الخير في التفقه في الدين لأنه منهج الحياة كلها.

وقال صلى الله عليه وسلم: “فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي” 5 . فقرن درجة العالم بدرجة النبوة لما يحوزه من علم يؤمه في عبادته هو أولا ويعلمه للعابد ثانيا ولا بد للعابد من قدر من علم ولا بد للعالم من قدر من عبادة).

5- فرْضية التعلم وفضيلته

وأول فضيلة للتعلم في فرضيته على كل مسلم ومسلمة، فيدخل في أحب ما يتقرب به إلى الله سبحانه، قال تعالى في حديث قدسي: “ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه” 6 . وفي القرآن الكريم آيات كثيرة منها ما يوجب ومنها ما يندب إلى التعلم. قال تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (النحل: 43) وقال عز وجل: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين (التوبة: 122). فالسؤال عن ما يقيم دين المرء واجب ليتعلم ما أحل الله له وما حرم عليه.

وفي قوله عز من قائل: وقل ربي زدني علما (طه: 114) قال بعض المفسرين: ربي زدني منك علما). وما حث الله رسوله صلى الله عليه وسلم على طلب الزيادة من شيء إلا هذا العلم.

ومن أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “طلب العلم فريضة على كل مسلم” 7 . وقال صلى الله عليه وسلم: “من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة” 8 . وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يصنع” 9 . وقال عليه الصلاة والسلام: “من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام فبينه وبين الأنبياء في الجنة درجة واحدة” 10 فانظر ما يبلغه المتعلم بالنية الفاضلة في طلبه العلم.

6- فرْضية التعليم وفضيلته

من الآيات في هذا الباب قوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه (آل عمران: 187) وقوله عز وجل: وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون (البقرة: 146). وفي هذا وجوب للتعليم وتحريم لكتمانه.

وأما أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذكر منها: “بلغوا عني ولو آية” ويستفاد منه أن لا معذرة لأحد في تعليم الناس ما تأكد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال صلى الله عليه وسلم ربطا بما سبق من كلام الله تعالى: “من علم علما فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار” 11 . وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الله سبحانه وملائكته وأهل سمواته وأرضه حتى النملة في جحرها حتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير” 12 . وقال صلى الله عليه وسلم: “ما أهدى مسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة تزيده هدى أو ترده عن ردى” 13 . وقال صلى الله عليه وسلم: “الدال على الخير كفاعله” وفي رواية “من دل على خير فله مثل أجر فاعله” 14 .

وقال أحد العلماء مبرزا درجة التشريف وخطورة التكليف: العالم يدخل فيما بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل). ومن العلماء الوارثين المتأسين بالحريص على أمته – صلى الله عليه وسلم – من يحببون الله إلى الناس ويحببون الناس إلى الله: بالليل يدعون الكريم يارب أمة حبيبك ومصطفاك، وفي النهار يدعون الناس هلموا إلى رب غفور رحيم كريم قريب مجيب…

7- أخذ العلم عن أهله

قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه” 15 . الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم – في عهدهم- كان الكثير منهم علماء قليل منهم خطباء على عكس زماننا. فأهل العلم لهم اشتغال بتثبيت التحقق بعلمهم والرقي فيه أكثر مما يخطبون في الناس تبليغا مخافة أن يلجموا بلجام من نار.

وقد أورد الإمام عبد السلام ياسين – رحمه الله – الحديث التالي: “عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “لا يزال الناس صالحين ما أخذوا العلم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم. فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا”” 16 . ويضيف موضحا: الأكابر هم أكابر العلم والتقوى، عظيمو الحظ من الله، والأصاغر أصاغر العلم والتقوى والحظ من الله وإن علا بهم السن وتقدم بهم الزمان. وسيدنا عبد الله بن مسعود من أكابر علماء الصحابة رضي الله عنهم) 17 .

ومن الشروط التي وضعها الإمام الشاطبي رحمه الله في اعتبار أهلية العالم: “الاقتداء بمن أخذ عنه، والتأدب بآدابه، كما علمت من اقتداء الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم. واقتداء التابعين بالصحابة، وهكذا في كل قرن”) 18 .

الكلام هنا لا يستثني أحدا وهو موجه للبعيد والقريب وفي كل علم وكل قرن، والقرن تفيد كل زمان وأهله. وأهل العلم هم مفاتيح العلم لا الكتب والمجلات والجرائد وغيرها، أغنت أحوالهم عن أقوالهم، وإذا حدثوا أبانوا ويسروا وبشروا.

وفي حديث الإمام الشاطبي رحمه الله بالضمن ما يجب على المؤمن فعله إن أكرمه الله بلقاء أهل العلم المقتفين آثار الأكابر. إنها سنة الله ورسوله في التابع والمتبوع، قال تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله (آل عمران: 31).

ولا تدري ما بعد حلاوة الاتباع ومتعته وما بعد نيل حب الله من كرم ربك الذي لا ينقطع جوده في كل وقت وحين.

8- خلاصة

ومسك الختام اقرأ وربك الأكرم. وكأن كلمة “اقرأ” في هذه الآيات تتضمن جميع معاني الأمر بالفعل والترك وسائر خصال الإيمان وشعبه: اتل، اذكر، ادع، انته، اعمل… وترك لك ربك الخيار بعد أن وصف لك نفسه، لتطمئن إلى كونه يحفك ببالغ كرمه، فقال عز من قائل: “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة” 19 .

لا وجه للمقارنة إطلاقا في هذا الحديث القدسي بين عظمة فعل الله السابق بفضله وجوده وفعل العبد، وعظمة سير الله إلى عبده وسير العبد إلى ربه. فاختر ما تأخذ وعن من تأخذ ومع من تكون وبأي إيقاع تريد أن تأخذ وتسير، والأخذ جد ومسارعة في العلم والعمل والدعوة إلى الله، قال تعالى: فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين (الأعراف: 144) وقال بعد ذلك: فخذها بقوة وامر أهلك يأخذوا بأحسنها (الأعراف: 145).

اللهم قوة من عندك نأخذ بها ما آتيتنا وبارك لنا في كل ذلك، وقنا واصرف عنا شر وسوء ما قضيت وأَدّ عنا شكر نعمك.


[1] تفسير القرآن العظيم لابن كثير.\
[2] الإحسان الجزء 2 ص 75 للإمام عبد السلام ياسين.\
[3] عن تفسير “التحرير والتنوير” لابن عاشور.\
[4] متفق عليه “ويلهمه رشده” زيادة عند الطبراني.\
[5] أخرجه الترمذي.\
[6] رواه البخاري.\
[7] أخرجه ابن ماجة والطبراني.\
[8] أخرجه مسلم.\
[9] أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم.\
[10] أخرجه الدارمي وابن السني.\
[11] رواه أبوداود والترمذي.\
[12] أخرجه الترمذي.\
[13] أخرجه أبو نعيم.\
[14] رواه مسلم وأبو داود والترمذي وصححه عن أبي مسعود البدري بلفظ من دل على خير فله مثل أجر فاعله.\
[15] رواه الطبراني والهيثمي في مجمع الزوائد.\
[16] رواه البخاري والطبراني وغيرهما.\
[17] الإحسان الجزء 1 ص 84 للإمام عبد السلام ياسين.\
[18] نفسه ص 87 عن الموافقات الجزء 1 ص 55.\
[19] رواه الشيخان وغيرهما.\