بعد صلاة العشاء من يوم الجمعة، الخامس من شتنبر لعام 2014 بتاريخ النصارى الموافق للتاسع من ذي الحجة سنة 1435 للهجرة، فتح أيوب عينيه على نور هذه الدنيا الغريبة الهائجة الصاخبة، مغادرا مسكنه الهادئ المريح في جوف أمه، بعدما أمضى سفر دهره متنقلا بين الأصلاب، ثم تسعة أشهر إلا قليلا متقلبا في عالم الرحم، ليحط الرحال في دار البلاء الآيلة إلى الفناء الذي يعقبه الجزاء.

مرحبا بابن أخي أيوب، وأهلا وسهلا، أنبتك الله نباتا حسنا وأصلحك الله لنفسك ولأهلك ولأمتك في دنياك وآخرتك.

أن تولد يا أيوب لأخي الشهم العزيز الحاج أبي دعاء، صاحب الأنفة والكبرياء في رفض الاستبداد والاستعلاء، لا لذليل قابل لتقبل كل مهانة وانبطاح، هذا قدَرُك، وأنعم به من أب قرآني مقدام.

أن تكون من أبوين مسلمين، لا من نصرانيين أو يهوديين أو مجوسيين، هذا قدَرُك، وهو من فضل الله عليك ولا دخل لأحد فيه، وأن تكون مولودا ذكرا، هذا قدَرُك، إذ يهب المنان الوهاب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما.

أن تكون من أهل المغرب الأقصى حيث يُهان الإنسانُ أو يُدان، لا من غيره في بلاد الديكتاتوريات الشرقية تحت قهر سيوف آل فلان أو آل علان، ولا هنالك وراء البحار في بلاد ثقافة الأنوار وكرامة الإنسان، هذا قدَرُك.

أن تضعك والدتك في المستشفي الإقليمي لمدينة الأفلام العالمية، المسمى مستشفى سيدي حساين بناصر، هذا قدَرُك أيضا، حتى وإن كان لمجيء أبويك قبيل وضعك إلى هذا المستشفى مهاجرين من القلعة نِمكون إلى ورزازات نصيب بما كسبت أيدي الحاكمين المسؤولين عن هذا البلد، المبذرين لخيراته في العبث واللهو والشهوات، العاجزين عن توفير هذه الإمكانية بالمستشفى المحلي لمدينة بحجم قلعة الورود ذات الجودة العالمية العالية، مسكينةُ أنتِ يا مدينة الورود، ما أتعسكِ بأولي أمرك!

أن تخرج إلى الدنيا قبل متم أشهركَ التسع بأسبوع، هذا أيضا من قدَرِك، وقد يكون فيه نصيب سببي راجع لحال النظام الصحي المغربي المعروف لدى القاصي والداني، ولقصور الإمكانيات المادية المتاحة بين يدي رجل تعليم عائلٍ يعول أسرة من خمسة أفراد، قهرته متطلبات الكراء والدواء، ناهيك عن ضرورات المأكل والملبس والمركب، فضلا عن مصاريف التربية والمدرسة لثلاثة أطفال، وزيادةً على المساهمة الشهرية الدائمة لضمان الرعاية الصحية والمعاش لأسرة الأبوين العجوزين ومن معهما القاطنين بعروس مدن الجنوب الشرقي للمغرب العميق السحيق المسحوق، مدينة تنغير المناضلة الأبية.

أن تحل بالدنيا في هذا الزمان، لا في زمن عمر بن الخطاب، ولا في غيره من الأزمان السابقة ولا اللاحقة، هذا قدَرُك، كل ما سبق ذكره وغيره كثير مما لا يمكن الإحاطة به من قضاء الله وأقداره فيك، فهو من قدَرِك يا بني، ولا تتحرك ذرة في هذا الكون إلا بإذن الله جل وعلا، وهل من معترض على هذا إلا غبي أو جاهل أو معتوه؟!

اختار الله لك يا ولدي من بين الأسماء “أيوب”، والأسماء أيضا من أقدار الله تجري على أيدي البشر وألسنتهم، ولهذا الاسم دلالة لا تخفى على ذي نباهة، إنه اسم نبي الله أيوب عليه السلام الذي ضرب سبحانه عز وجل به مثلا للصبر والتحمل الفائقين بين إخوانه النبيئين والمرسلين، سلام الله عليهم جميعا وعلى خاتمهم سيدنا محمد أفضل الصلاة وأزكى السلام.

حسنا، لا راد لأمر الله تعالى، والحمد لله وله الشكر على نعمائه التي لا حصر لها، وله الحمد في السراء والضراء، وله أعظم الإجلال وأحسن الثناء.

فور ولادة أيوب بالمستشفى الإقليمي سيدي حساين بناصر لمدينة ورزازات، قرر الطبيب المشرف على ولادته أن الطفل الجديد في حاجة إلى عناية مركزة لمدة أسبوع داخل الصندوق الزجاجي المعروف في اللغة الفرنسية المهيمنة على الخطاب الإداري المغربي باسم “couveuse كوفوز”، الظروف في هذه الحاضنة الزجاجية تشبه إلى حد ما ظروف الرحم، لكون الطفل لم يستوف بعد مدة إقامته في بطن الأم، وأنه لا يزال يجد صعوبة في التأقلم مع العالم الخارجي ويجد صعوبة في التنفس، لكن المفاجأة الأولى أن مستشفى المدينة العالمية لا يتوفر من هذه الصناديق إلا على اثنين، وهما في حينه مشغولين بصبيين على نفس حال أيوب! عجبا عجبا، مدينة المعادن النفيسة والفنادق الفخمة والصفقات السياحية والأستديوهات العملاقة، التي أريد لها أن تكون بمثابة هوليود الثانية، مداخيل لا يستهان بها، ثم لا يجد أيوب داخل “مفخرة” مؤسساتها الصحية “كوفوزا” ثالثا يقيم فيه أسبوعا! فهل هذا قدْرُ أيوب أو قدْرُ غيره من أطفال المنطقة، كلا والله.

فما هو الحل إزاء هذه الوضعية المشكلة، بلغة المناهج الديداكتيكية التعليمية في البلد؟

بكل بساطة: “إحملوا الصبي إلى مراكش!” هذه هي لغة الطاقم المسؤول في المستشفى، وليقطع مسافة أكثر من مائتي كيلومتر، رغم مسالك الجبال الوعرة وممر تيشكا الخطير المزعج، لا بأس، المهم ليس أمام أبي دعاء من حل آخر، فهل هذا قدْرُك يا بني؟ كلا وألف كلا، لكنك لست فرنسيا ولا هولنديا، ولا ولا… بل مغربيا إفريقيا، فأنت، شأنك شأن أبناء الأباة الأحرار، قد تحق فيك لا محالة مقولة “ذاك الشبل من ذاك الأسد” إذن مخلوق غير مرغوب فيه!

تساءل الأب الحريص المسكين عن وسيلة النقل، فقيل له إن سيارة الإسعاف التابعة للمستشفى غير مجهزة بالحاضنة “كوفوز”، وعليه فالأمر يتطلب كراء سيارة خصوصية مجهزة بها مهما بلغ غلاء ثمن استعمالها، فالمسألة مسألة إنقاذ حياة لوليد جديد، وبما أن التكلفة باهضة ولا قبل للأستاذ بها، لجأ أبو دعاء إلى الاتصال بمؤسسة “محمد السادس” للتربية والتكوين التي يعتبر رجال التعليم جميعا قسرا بالمغرب أعضاء منخرطين فيها، ويُقتطع واجب الانخراط من رواتبهم شاء من شاء وأبى من أبى، على أن ينتظر الأب والوليد وصول سيارة الإسعاف التابعة للمؤسسة من مدينة مراكش بعد صلاة الصبح لليوم التالي لولادة أيوب، لتحمل الوليد وتقفل راجعة به فورا إلى المستشفى الجامعي ابن طفيل بمراكش.

قبل تجهيز السيارة بحمولتها الغالية -أيوب- فجر غد السبت سادس شتنبر تأكد الوالد أبو دعاء من ربط الاتصال للمرة الثانية بين الطاقمين الطبيين المسؤولين بالمستشفى الإقليمي لورزازات والمستشفى الجامعي بمراكش، وإعداد الظروف اللازمة لاستقبال الوليد بمراكش، وتجدر الإشارة إلى كون طبيب المستعجلات بمستشفى ورزازات قد سبق أن صرح له أنه كان على اتصال بمستشفى مراكش ليطمئن على وجود “كوفوز” يأوي الوليد المزمع إرساله، وبناء على خبر هذا التواصل الذي تم بعيد الولادة، الذي أدلى به الطبيب وبحضور عم أيوب، فإن الحاضنة الزجاجية متوفرة هناك والحمد لله، اتصالان واحد بعد العشاء والثاني بعد الفجر، حصل الاطمئنان، وداعا ولدي أيوب، فلتنطلق السيارة على بركة الله.

كان الموعد بمراكش ضحىً، أفرغت سيارة الإسعاف حمولتها بالمستشفى الكبير الذي تشد إليه رحال أهل الجنوب وأهل الوسط في بلاد المغرب الأقصى، حل الوليد بمعية أبيه في مصلحة الاستقبال، فوجدا أنفسهما غرباء هناك، كل ما قيل عن الاتصال بين المؤسستين الطبيتين لا محل له من الإعراب الآن! نفى القائمون على مستشفى ابن طفيل تلقيهم أي خبر عن مجيء طفل مرسل من ورزازات، والأدهى من كل ذلك أن المستشفى العظيم ابن طفيل لا يتوفر من تلك الصناديق العجيبة إلا على خمسة عشر كلها حاليا في الخدمة!!! أهذا قدْرُك يا أيوب، هل هذا قدْر المواطن المغربي المسلم في بلده؟ بل هل هذا هو قدْر أي إنسان خلقه الله حرا كريما في بلد يتوفر على ثروات معدنية وفلاحية وبحرية عظيمة؟ أإلى هذا الحد من الحضيض بلغت بنا السبل، فثرواتنا تذهب سدى في اللهو واللغو، وخيراتنا تنفق في مهرجانات العهر والفجور، غرق المترفون في رغد القصور ناسين ظلام القبور، فمن للمستضعفين والمقهورين، ويل للمسؤولين من اليوم الموعود من ذنب الفقراء وذوي الدخل المحدود.

يا الله ما العمل؟

عد القهقري من حيث أتيت يا أبا دعاء، فما لك ولا لوليدك عندنا هنا من مقام!! وليحيى الوليد أو يمت، هذا شأنك!! بهذا يوحي حال ومقال مسؤولي مستشفى ابن طفيل في وجه المسكين أبي دعاء الذي أتى بالطفل تاركا أمه على بعد أكثر من مائتي كيلومتر على سرير مستشفى سيدي حساين بناصر، هل هكذا يكون قدْرُ من ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ معاذ الله.

لم يجد الوالد الحريص الحنون بدا من المناداة من جديد على مؤسسة محمد السادس للتربية والتكوين لتجهز له سيارة إسعاف أخرى تعود به وبوليده إلى حضن أمه بورزازات، فقد استنفذ الجهد ويئس من إيجاد “كوفوز” يأوي أيوب المدة اللازمة طبيا لحياته في أي من المستشفيين الكبيرين، فاكتفى بالسكن في “كوفوز” سيارة الإسعاف ذهابا وإيابا بين ورزازات ومراكش.

تقلصت مدة الإقامة ب”الكوفوز” من مدة أسبوع المطلوبة إلى فترة بضع ساعات هي المتاحة، فبارك الله فيها، ووصل الطفل أيوب إلى حضن أمه سليما معافى من ضيق التنفس وصعوبة التأقلم، وما هي إلا لحظات حتى تعلم كيف يبتلع ثدي أمه ويتلقى غذاء صحيا كاملا، والمنة لله وله الحمد.

ما وقع لأيوب ولأبويه جزء مما يعانيه آلاف إن لم أقل ملايين المغاربة، وهذه صرخة أبي أيوب تدوي أن يا أيها المواطنون الأحرار، ويا أيها الشرفاء الأبرار كفى سكوتا على هذه المآسي، كفى خنوعا وكفى خضوعا للعابثين بمقدرات البلاد وحقوق العباد، لنقم جميعا لاقتلاع الفساد وإنهاء الاستبداد.