أجرى موقع هسبريس الإلكتروني حوارا مع الدكتور عمر احرشان، رئيس المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، حول العديد من القضايا التي تخص الجماعة ونظام الحكم في المغرب، وذلك على خلفية التقرير الذي صدر مؤخرا عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، والذي حمل عنوان “العدل والإحسان: في أعماق التحدي الذي يتخذه إسلاميو المغرب على عاتقهم”.

نعيد نشر الحوار الماتع تعميما للفائدة:

أثار التقرير الذي أنجزه مؤخرا معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى اهتماما إعلاميا غير مسبوق مقارنة مع تقارير سابقة. ما هو السبب في نظرك؟

يمكن إرجاع هذا الاهتمام إلى عوامل متعددة منها:

أولا: طبيعة معهد واشنطن الذي ينتمي إلى جنس مراكز التفكير “التينك تانك” التي تحرص على إنجاز أوراق ودراسات عملية غير مغرقة في الأكاديمية، وتختار مجالات دراستها وزاوية المعالجة بعناية فائقة لأنه معهد ينتصر لتوجه فكري وسياسي معين، وترفق هذا النوع من الدراسات بسيناريوهات محددة تسهل على صانع القرار الاستفادة منها، وهو معهد نافذ لدى صناع القرار الأمريكي لأن مديره المؤسس مارتن إنديك شغل منصب رئيس قسم الأبحاث سابقا في “الإيباك”، ولأنه تمكن رغم حداثة سنه، تأسس في 1985، أن يحتل مكانة مهمة بين مراكز التفكير الأمريكية منافسا مراكز عريقة مثل بروكينجز وكارنيجي، ولذلك فكل إنتاجاته تحظى باهتمام إعلامي وسياسي كبيرين في العالم كله لأن الجميع يعلم أن توصياته لا تبقى حبرا على ورق ولا توضع في الرفوف، وخاصة في دولة يعتمد فيها الساسة بشكل كبير على ما تنتجه مراكز الدراسات باعتبارها المزود الرئيسي لهم بالمعطيات والأفكار والاقتراحات والسيناريوهات.

ثانيا: الباحثة التي أنجزت الدراسة، وأقصد هنا ڤيش سكثيفيل Vish Sakthivel وهي باحثة متخصصة في العالم العربي وحاصلة على الماستر من جامعة جورج تاون وصاحبة أبحاث كثيرة وتتقن اللغة العربية، والأكثر من ذلك أنها أقامت في المغرب أكثر من سنتين تعلمت فيها جيدا الدارجة المغربية، ولذلك فهي دراسة ميدانية بامتياز لمطلعة على المغرب عن قرب.

ثالثا: تكاد تكون هذه أطول دراسة عن الجماعة يبلغ عدد صفحاتها أكثر من سبعين صفحة، وهذا ما يجعل خلاصاتها موضع اهتمام كبير من قبل كل من اطلع عليها.

لماذا، في نظرك، كل هذا الاهتمام بالمغرب والجماعة؟

هذا سؤال مهم جدا، والإجابة عنه قد تساعد على فهم هذا التحول. المعروف أن المغرب لا يشكل اهتماما كبيرا في الأجندة الأمريكية مقارنة مع غيره من دول الشرق الأوسط، وخاصة بعد ابتعاد المغرب عن دائرة الفعل المباشر والرئيسي في قضايا الشرق الأوسط، ويزداد ضعف الاهتمام الأمريكي به بعد تراجع أولوية قضايا الشرق الأوسط عند إدارة أوباما لحساب الاهتمام بقضايا أخرى في آسيا، وأفتح قوسا هنا لأذكر أن تعديلا حصل مؤخرا في هذه الأجندة بعد تنامي نشاط داعش وإنشاء التحالف الدولي.

وربما علاقة الارتباط الوحيدة تكمن في الانخراط غير المشروط للمغرب في ما اصطلح عليه “الحرب ضد الإرهاب”، وحتى هذه لاحظنا في الآونة الأخيرة إقصاء المغرب في الكثير من حلقاتها بدءا بمؤتمر جدة ثم باريس ثم التحالف الدولي ثم المؤتمر الذي عقد حول ليبيا.

بالمقابل، لوحظ اهتمام غير مسبوق للإعلام الأمريكي بالمغرب حيث خصص افتتاحيات حول قضايا عديدة منها اعتقال علي أنوزلا ومعاد “الحاقد” ومعتقلي 20 فبراير، ولوحظ نشاط غير مسبوق لمراكز الدراسات بالمغرب.

كل هذا يفيد أن هناك نوعا من إعادة ترتيب في ما يخص السياسات المعتمدة تجاه المغرب. هل هذه حقيقة؟ أم هو نوع من الرغبة في ابتزاز السلطة؟ أم شيء آخر؟ هذا ما ستحدده الأيام القابلة.

ألا تظن أن الجماعة هي المستفيد الكبر من هذا النوع من التقارير؟

لا أظن ذلك لأن التقرير لم يضف إلى الجماعة ميزة غير موجودة ولو قال غير الحقيقة لجازف المعهد والباحثة بمصداقيتهما والباحثة ما تزال في بداية طريقها البحثي وهي زميلة الجيل القادم.

لقد أصبحت أصالة العدل والإحسان وسلميتها وجهودها التربوية والدعوية في نشر الإسلام الصحيح واستيعاب الشباب من الحقائق الثابتة عند كل العالم، ولذلك لا أرى استفادة خاصة جنتها الجماعة بعد صدور هذا التقرير. الحصار والتضييق والاستهداف السياسي والقصف الإعلامي لم يتوقف. بأي معيار إذن تكون هذه الاستفادة؟

بمعيار أن هذا التقرير يؤكد علاقة الرضى الأمريكية عن الجماعة. وهذا ما يؤكد التهمة التي تتحدث عن علاقات بين الطرفين منذ سنوات. أليس هذا صحيحا؟

هذه مجرد إشاعات تدحضها الوقائع العملية. أحيلك مثلا على وثائق ويكيليكس التي تسربت حول المغرب. هل فيها ما تقول؟ هل تحدثت عن لقاءات؟ أرجو من المتابعين مراجعتها ليعرفوا من هم حقا المدمنين على اللقاءات مع الأمريكان والذين يعقدون معهم شراكات بتمويلات وغير ذلك.

نحن من جهتنا لا نرفض الاجتماع مع أي كان لأننا حركة مجتمعية علنية لا نملك إلا رأينا ومواقفنا التي ندافع عنها ونقنع بها كل من جالسناه، ونحن أحرص على التواصل مع غيرنا ليفهم عنا بدون وسائط مشوشة ومشوهة.

يجب التمييز كذلك بين دور الإعلام ومراكز الدراسات والإدارة الأمريكية. ما أنجزه معهد واشنطن مجرد دراسة ختمها بسيناريوهات وما زال ينتظرها أشواط أخرى لتتحول إلى سياسات. والتجربة تؤكد أن صانع القرار قد يأخذ بها أو ببعضها أو قد تكون سببا في توليد سيناريو مغاير تماما. وقد تكون وظيفتها فقط إخضاع المخزن لترتيبات مستقبلية.

هناك من يتهم الجماعة بالاستقواء بالأمريكان ضد النظام؟

هذا غير وارد لدى الجماعة على الإطلاق، لأن الجماعة وضعت عند تأسيسها لاءات ثلاث (ضد العنف وضد السرية وضد التبعية للخارج). ولكن بالمقابل لن تمنع جماعة العدل والإحسان أحدا أن يتناول الجماعة بالدراسة والتحليل والاستشراف لأنها فاعل عمومي ومادة للبحث.

وأعيد التذكير بأن مصداقية الباحث والحقوقي والسياسي توضع في مهب الريح إن هو تجاهل أثناء عمله في المغرب جماعة العدل والإحسان باعتبارها التنظيم الأكثر عددا وتنظيما وقدرة على تحريك الشارع.

هذا بالإضافة إلى أن الجماعة استطاعت أن تبدع أشكالا وخطابا وأسلوب تواصل جعلها أكثر صمودا وجعل كل الحملات الأمنية والسياسية والإعلامية ضدها تصب في صالحها. ولن تمنع أحدا أن يتضامن معها أو يعرف بمظلوميتنا ولن تسد بابها لكل من يريد التواصل معها والتعرف عليها.

ما هو تقييمك لهذا التقرير من الناحية العلمية والسياسية؟

شخصيا لاحظت أن الباحثة بذلت مجهودا ميدانيا معتبرا من خلال لقاءات مع فاعلين متنوعين.. ومن حيث المعلومات، لاحظت ضعفا في التمحيص أسقط الدراسة أحيانا في معلومات غير دقيقة هي أقرب إلى آراء خصوم الجماعة..

ومن حيث المنهجية، هناك قصور في المقاربة الأنجع لدراسة تنظيم مثل العدل والإحسان وهذا قصور يسقط فيه أغلب الباحثين الغربيين الذين يظنون أن أدوات دراسة التنظيمات السياسية يمكن إسقاطها ميكانيكيا على العدل والإحسان لأن نظام الحوافز والعلاقات والأهداف والروابط مختلف تماما عن الأحزاب.

طيب، وما رأيك في السيناريوهات التي ختمت بها الباحثة تقريرها؟

عمليا هي السيناريوهات الموجودة ولا جديد في ذلك، مع ملاحظة أن مقاربة الدراسة من زاوية مصلحة القصر والجماعة غيب عنها النظرة الكلية “الماكرو” التي تستحضر كذلك مصلحة الشعب والمحيط والقوى الأخرى ومصلحة الديمقراطية في المغرب قبل كل ذلك.

لو سألتك عن السيناريو الأكثر ترجيحا في نظرك؟

من الصعب في بلد مثل المغرب وفي ظل نظام مخزني الترجيح على أساس علمي بسبب مزاجية النظام وبسبب احتكاره لكل المعطيات. ولكن في ظل المعطيات الحالية والظاهرة يرجح خيار “الستاتيكو” لأنه أبعد عن المخاطرة غير المرغوب فيها من كل الأطراف.

إذن لا صحة لكل ما يروج عن اعتزام الجماعة تأسيس حزب سياسي؟

بطبيعة الحال، وما يروج لا يعدو أن يكون بالونات اختبار للجماعة، أو هو في أحسن الأحوال نوع من تصدير الأزمة للجماعة لصناعة قلاقل وسطها وفرض نوع من النقاش داخلها. ولن أذيع سرا إن قلت أن قيادة الجماعة خبرت هذه الأساليب وخلفياتها وحتى طرق التعامل معها.

وكيف تتعامل معها الجماعة إذن؟

بالتجاهل واحترام الأولويات المسطرة في البرامج المصادق عليها من الهيئات التقريرية للجماعة. وبتوضيح الحقائق للرأي العام.

وأول هذه الحقائق أن الحق في التنظيم الجمعوي والسياسي والنقابي حق طبيعي تكفله مبادئ الديمقراطية والقانون على علاته، وبذلك فالجماعة لن تساوم على حقها ولن تستجديه من أحد ولن تخضعه للتفاوض أو الاشتراط أو المقايضة.

وثاني هذه الحقائق أن الكرة في ملعب المخزن الذي يمنع الجماعة من كل حقوقها وهذا ما يكشف حقيقته الاستبدادية وزيف ادعاءاته حول احترام القانون وحقوق الإنسان.

بعيدا عن خيار المصالحة مع القصر ودخول بوابة العمل السياسي من البوابة الحزبية. ماذا تقترحون؟

لا تنس أن من خلاصات الربيع العربي أن الفاعلين الذين بإمكانهم زحزحة الوضع السياسي هم الفاعلون المشتغلون من خارج النسق السياسي الرسمي. أولوية الجماعة من الناحية السياسية هي تشكيل هذا التكتل ضد الفساد والاستبداد، وتجربة 20 فبراير كانت مثالا في هذا الصدد لم يحقق هدفه لأسباب كثيرة يمكن الاستفادة منها إن توفرت إرادة لدى كل المعنيين، وهي مستعدة لدراسة كل عرض بهذا الخصوص لأن الجماعة جد مقتنعة بأن الحل يجب أن يكون جماعيا، وتغيير ميزان القوى سيتم من خلال هذا التكتل، وتطوير العلاقات بين كل مكونات هذا التكتل وتنظيمها بوابته هي ميثاق يشارك فيه الجميع يعيد الثقة وينظم العلاقة ويفتح باب التنافس الشريف للبرامج لتقديم الأفضل للبلاد والعباد.

وأريد هنا أن أشير إلى نقطة لا بد من أخذها بعين الاعتبار، وهي أن السياسات في أمريكا لا تخضع فقط للمنطق العلمي وأخلاقيات البحث بقدر ما تخضع لاعتبارات المصلحة التي تتعارض أحيانا مع المنطق، ولا أحتاج أن أذكر بالخدمة التي أسدتها بعض المراكز البحثية للإدارة الأمريكية لتبرير الحرب على العراق بمبرر توفرها على سلاح محظور ثم ما لبث أن اتضح خطأ هذه المعطيات.