1- دموع فرح ودموع قرح

يحق لنا في هذه المناسبة، أن نردد قول الشاعر: بأي حال عدت يا عيد؟ نعم… تهل علينا أيام الأعياد هذه السنوات، والأمة في مرحلة مخاضها، فتختلط علينا المشاعر، وتأبى سكبات الدموع الدفاقة، إلا أن تغرق محيانا الباسم في مدلهمات الأحزان، فلا ندري أنجيب مقلات العيون، المنبئة عن أنات آلاف القلوب المنكسرة، بغياب الأحبة فداء للحرية والأوطان؟ أم نمسح دموع طفولة تيتمت، فعز عليها واستحال أن تبتسم، وقد تلاشت أحلامها مع رماد رابعة، ومحرقة دمشق، وشظايا بني صهيون بغزة، وغارات الخيانة بليبيا، وزؤام الموت الطائفي بالعراق؟ أم نواسي الحرائر والأرامل، وقد أهل عليهن العيد، فلم يجدن بين أركان البيت إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا 1 .

معذرة سيدي العيد! فذكراك مرحب بها لا محالة! وشعائرك شرع فينا إلى يوم القيامة، ملة أبيكم إبراهيم 2 ، لكن قدر لإخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم، من غرباء زمن الأمة، أن يؤدوا ضريبة خنوع الأمة، ومن ثم فرض علينا أن نوقف عجلة الزمان، لنجعلها إسماعيلية الفداء (نسبة للذبيح سيدنا إسماعيل عليه السلام)، قبل أن نجعلها بهيمية الدماء! لأننا ببساطة – سيدي العيد- لا نرى حوالينا هذه الأيام، إلا دماء الموحدين، وأرواح الشهداء، تزف إلى السماء، وقد سبقت أكباش الفداء التي تنزل من الجنان يومك السعيد!

2- على درب فداء الحنيفية

ولعلك تذكر – سيدي العيد- يوم أن رزق شيخ الأنبياء، سيدنا إبراهيم، سيدنا إسماعيل عليهما السلام، بعد طول رجاء وتبتل وانتظار، فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى 3 ، فكان الاستسلام والاستكانة لمراد الله فيهما- ورؤيا الأنبياء حق – فلم يترددا قلبا ولا قالبا، فأجاب الابن البار برضى كامل: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين 4 ، فاستعدا لطاعة المولى بالفداء، واستجابا للنداء، ليعلمنا – نحن أمة الإسلام – على ملة إبراهيم حنيفا، كيف نواجه رعونة الأعداء، نفس وغيرها، ونكون للحق والعدل فداء.

لعل أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم، قد نسيت الدرس الإبراهيمي، بعدما طال عليها الأمد، فجعلت من هدي الأضحية، “أيام أكل وشرب” 5 ، وهي سنة لا جدال فيها، لكن بنية الفداء سُنَّت، وتحت مرزاب الابتلاء أهريق دمها الزكي الطيب الطاهر، فلقد كان الهدي الأقرن هدية ربانية، من جنان الخلد تنزل، لما علم الحق سبحانه صدق وجهة شيخ الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام، وإخلاص التجرد له وحده لا شريك له، مع شدة البلاء، وعظم الاختبار، حيث الأمربذبح الولد البار الوحيد، فلذة كبده، وأمل رأفة شيبته، لكن الله خير وأبقى، وطاعته في السراء والضراء وحين البأس، مناط التقوى، وللدين قطب الرحى.

3- عندما تختلط دماء الأضاحي بدماء الشهادة

فهاهي ذكرى الفداء، قد طرقت بابنا وأمة الإسلام، قد أثخنت دما، وسقيت أعز أراضيها بدماء الشهداء الزكية، قبل أن تسقى بدماء الأضاحي الطيبة، وإنه لا محالة ستختلط هذه الدماء وتلك بحبات الثرى، كما تختلط صيحات التكبير أيام العيد ببكاء اليتامى، وأنات الأرامل، وآهات الجرحى، و …. وستستقبل الجنان – ما دامت الحرب على الإسلام لم تضع أوزارها بعد – دفعة أخرى من مواكب الشهداء، وكأنها تقول لربها: “درب فداء الحنيفية الإبراهيمية نقتفي، وفاء لدعوة الحق والعدل”.

عفوا سيدي العيد، لن نسكب بعد قطرة دمع على شهدائنا الأبرار، لأننا نبئنا أن ليس من شيم الرجولة الإيمانية فعلها في شيء، ولأن الدموع لا تتناغم أبدا وأعراس الشهادة، التي دقت طبولها بإذن الباري، ليزف منا، وفي زماننا، ومن أرضنا- أرض الإسلام- ثلة من الصادقين المضحين قبل عيدنا، اجتباهم واصطفاهم ليؤدوا عنا ضريبة الاستكانة إلى الظلم القروني، الجاثم على صدر الأمة وقلبها وعقلها، فكبل جسدها، وكمم أفواهها، وكتم أنفاسها.

سنردد جميعا سيدي العيد، بمناسبة مناسكك، “لبيك اللهم لبيك”، لكن لا نريدها، ولن نقبلها أن ترفع حوالي الكعبة المشرفة فحسب، لأن تلك التلبية، أرادها خدام الحرامية ، أن تكون رهبانية ابتدعوها، لا وحدة، ولا نصرة، ولا ولاء لله، ولا استقلالية لللأمة المظلومة المكلومة، لا كما أرادها الله ورسوله والمؤمنون، تجديدا لعهد الأمة مع الله، ونصرة للمستضعفين في الأرض، نريدها لله، نريدها لله..

فلكم منا سادتي الشهداء، ألف تحية وإجلال، في مقامكم العالي، لكم منا الدعوات أيام الحج الأكبر، وأطراف الليل والنهار، وعند دقائق الأسحار. إنها سنن الله في كونه، وقد علمتنا الحياة أن سقيا دماء شهادة الدين والوطن، ما كانت لتنبت أبدا إلا شجرة الكرامة، ولا تثمر قطعا إلا ثمار النصر والحرية، فأبشر يا صاح، بغد مشرق صبحه قريب قرب العيد، أليس الصبح بقريب؟ 6 ، ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا 7 ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ، يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ 8 . صدق الله العظيم.

4- فلتلتئم منا الجراح

ولكم منا فلذات أكبادنا اليتامى، وسام شرف، تفخرون به في غدكم القريب، فتسمعون من حولكم، بأعلى أصواتكم، أن هؤلاء آباؤنا، صنعوا مجد الأمة، فأروني آباءكم يا أبناء السيسي، وياعباد القذافي، ويا فلول مبارك الفرعوني، ويا ممجدو بشار، وكل حكام العار والشنار..

ولكم منا معشر من فقدوا أزواجهم، وأحباءهم، وأقرباءهم، نداء أن: “احتسبوا أجوركم على الله، فالموت واحد، والأسباب متعددة”، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا، وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا، وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ 9 ، لكن شتان بين من يسلم روحه فداء للدين والأمة، و بين من يموت خانعا ذليلا مستكينا، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموات بل أحياء عند ربهم يرزقون 10 .

ولكم منا نصيحة أخ لأخيه معشر العاملين في حقل الدعوة إلى الله، وشركاء الوطن، أن تحقنوا دماء المسلمين، بالتوافق، والترفع عن سفاسف الأمور، وعن التأويل الخاطئ للنصوص الشرعية، بهدف استباحة دم المسلم الحرام، فإن الأمر جلل، “لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار” 11 ، فكيف بمن قتلوا بالآلاف على يد شركائهم في العقيدة والوطن؟

ولكم منا يا شرفاء الأمة نداء: ألا تصرفنكم أو تنسينكم دماء الأضاحي – وما أشرفها – دماء سقت أرض أمتكم قبلها، عساكم تقوموا لله، وتغضبوا لله، وتنصروا دين الله، استجابة لله، ولصرخات المظلومين والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا 12 ، فـلن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم 13 ، ولأن العيد فداء قبل أن يكون دماء.


[1] النساء: 68.\
[2] الحج 78.\
[3] الصافات 133.\
[4] نفسه.\
[5] رواه أبو داود وصححه الألباني.\
[6] هود 81.\
[7] الإسراء 51.\
[8] الروم من 1 إلى 5.\
[9] ءال عمران 145.\
[10] ءال عمران 169.\
[11] كتاب الترغيب صححه الألباني.\
[12] النساء 75.\
[13] الحج 57.\