الوقوف أمام بيت الله يعطي للإضافة معناها التجسيدي، فقد تكون دخلت إلى كل بيوت الله في العالم لكنك لن تشعر برهبة وحرمة وأمن هذا البيت، (فاللهم هذا الحرم حرمك، والبلد بلدك والبيت بيتك، والأمن أمنك، والعباد عبادك).

تتداخل كل الأحاسيس، التي عاشتها البشرية وتعيشها، في لحظة واحدة، فتعجز عن الكلام وتجد نفسك واقفا أمام رب العالمين: ماذا ستقول له؟ ومن أين ستبدأ؟ وكيف ستعرض ذنوبك؟ وماذا ستطلب؟ هل ستحقر نفسك فتطلب الدنيا ونعيمها؟ أم سترتقي وتطلب الجنة؟ أم ستطلب النظر إلى وجهه الكريم كما وفقت إلى النظر إلى بيته العظيم؟ فالمقام أكبر من الاحتياج المادي، ستهين نفسك إذا طلبت المال أو السلطة أو الجاه.

هنا تنحبس اللغة وتنقال، وينعجز الكلام وينعبر، لن تسعفك كل القواميس اللغوية ولا المعاجم العربية، فتذرف دمعة أو تنشهق (فعلمه بحالي يغنينى عن السؤال)، دمعة لو حللتها في مختبرات العالم لأعطتك قمة نسب الفيض الروحي، دمعة الدعاء، دمعة الاستغفار، دمعة الرحمة، الدمعة المقدسة، الدمعة التي لن تذرفها في مكان آخر وبمثل هذا الانحساس (أن تبكي حين تبكي).

إنك بمركز الكون الذي يربط السماء بالأرض، مركزية تجمع كل شعوب العالم، كل الأماكن محجوزة سوى هذا المكان، فالمضيف رحمان، والأرض تسع الجميع، والدعوة شرفية، والكل معني بالضيافة.

تطوف حين تطوف

وتدور حول البيت وتختلط لديك البداية بالنهاية فأنت بالمركز المقدس وكل وجهات العالم تتجه إلى المكان الذي تدور حوله، فاختر لنفسك أي جهة فأنت اليوم ضيف في “أكبر البيوت”، تدور وتدور وحين تعجز عن الكلام تدور، تدور في اتجاه عقارب الساعة ولا تشعر بالزمن في هذا المكان، تدور دوران الكواكب فتتوقف أنت ويستمر الدوران ، فتدور وتختزل لك الدائرة الحياة، فلا تطلب شيئا خارجها.

أنت في مركز الأرض، أنت في دائرة الزمان والمكان، وكل الكلمات لا تفي بالمقام، فأنت في ضيافة صاحب المكان والزمان، كنت قبل الضيافة تبحث عن القبلة من جهة الشرق أو الغرب أما الآن فأنت في بيت القبلة، جاءت بك المغناطيسية فتدور بحثا عن المركز، وكل العالم حولك يدور بحثا عن إحساسك، فلك شرف الإحساس بالضيافة، ولا يمكن لأحد أن يعيشه غيرك، ولا تملك سوى أن تذرف دمعة لتغسل دمعة، وتتطهر من الذنوب.

التقارير الأدبية وهدية المؤتمر

هكذا تعرض التقارير الأدبية الفردية للذنوب والمستحقات، كل وتقريره، كل وانهمامه، كل وانحساسه، وبعد التقارير الأدبية تعرض أمام الكعبة شاشة لتاريخ الأنبياء، فيبدو لك إبراهيم عليه السلام يحطم الأصنام ويترك كبيرهم ليحرك العقلانية لدى قومه بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون الأنبياء 63.

ويبدو لك متضرعا لهذه الأمة ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم البقرة 129، وتبدو لك النار المشتعلة وجبريل يتقدم بالمخرج من الأمر العصيب (هل لك من حاجة؟)، فيكون اليقين جوابا (أما إليك فلا، علمه بحالي يغنيني عن السؤال)، فكانت النار بردا وسلاما على إبراهيم.

ويبدو لك مشهد الصدق بالامتثال لذبح إسماعيل، الابن الذي رزق بعد ثمانين عاما من الانتظار، ويمتحن فيه امتحانا صعبا يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، فيكون الغصن من نفس الشجرة المطمئنة باليقين يا أبتي افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين الصافات 102. إنه امتحان الصدق والإحسان، فكان الفداء وكانت الشعيرة، وكانت حكمة الله التي تسبب الأسباب وتضع قانون العلل، فالذي جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم والذي فدى إسماعيل بذبح عظيم قادر أن يجعل مخرجا لكل المسلمين.

وتبدو لك تجربة الأنبياء على شاشة الكعبة وتجربة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وتبدو لك شعاب مكة، والحصار والاستضعاف ومعيقي الدعوة من كبار النادي السياسي القريشي، وتبدو لك المحن واللحظات العصيبة التي زلزل فيها المسلمون وبلغت القلوب الحناجر، ويبدو لك تآلب الأعداء والخصوم، ومكر اليهود وعدم التزامهم بالوعود، ويبدو لك بعد العسر يسرا… ويبدو لك فتح مكة ونصر الله واستمرارية الدعوة وهمها الذي حمله الخلفاء الراشدون، ويبدو لك طارق بن زياد “الأمازيغي” الذي فتح الأندلس بعنوان أكبر من عرقه، وتبد ولك الحضارة الإسلامية التي انتشرت في العالم وجعلت كل أجناسه يلبون دعوة إبراهيم لزيارة رب العالمين.

وينتظر الجميع هدية المؤتمر الكبرى، هدية “الولادة الجديدة” المشروطة بالارتقاء النفسي. إن الولادة الجديدة هي تحقيق للزمن الدائري الذي يميز هذه الأمة، تجديد أمر الدين على رأس كل مئة سنة، وتجديد للعلاقات التعبدية كل سنة، وتجديد للأخلاقيات والسلوكيات، وتجديد للإيمان في كل لحظة، وبين تجديد أمر الدين وتجديد ممارسة الدين علاقة مستمرة، علاقة مضاعفة الأجر مئة مرة، فالتجديد ليس فرديا إنه تجديد أمر الدين بمؤسساته وعلمائه ومخلصيه ومهموميه، فالتجديد حركة وارتقاء نحو الله بشكل مستمر حتى لا يكون فيها الاستواء في الأيام والحركات، ولا يكون الإفلاس في الإيمان والسلوك، ولا يمكن لضيوف الرحمان أن يكونوا مفلسين، فهم يرتقون من مستوى الضيوف إلى مستوى “عباد الرحمان” الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ان عذابها كان غراما الفرقان 63.

إعلان حقوق الإنسان

وتقف بعرفات وقفة العمر، عرض خاص في يوم خاص بإحساس خاص، فأنت تقف حين تقف، تقف وتستحضر خطبة حجة الوداع التي أسست لمبادئ حقوق الإنسان:

فالناس متساوون في الحقوق والحريات بغض النظر عن عرقهم وجنسهم ولغتهم وانتمائهم السياسي أو القومي أو الاجتماعي.“أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلَّغت؟ اللهم فاشهد”[صحيح مسلم].

“وثيقة حقوقية” وضعت “مبدأ الأمن” بأبعاده النفسية والأسرية والحياتية والمقاصد الأساسية ، فلا يمكن لأمة أن تبني مجدها وحضارتها على حساب الآخرين، أو يغتنوا على حساب المحتاجين، فلا مجال “للتنمية المعاقة” ولا “لاحتكار الثروة”.

“أيها الناس إن دماءكم وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم إنما المؤمنون إخوة، لا يحل لامرئ مالُ أخيه إلا عن طيب نفس منه، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد”.

وتستحضر السياسة المالية وتشجيع التجارة والأعمال بعيدا عن التعاملات الربوية التي تمتص الدماء:

“ألا وإن كل رباً في الجاهلية موضوع، وإن لكم رؤوس أموالكم لا تُظلمون ولا تَظلمون”.

وتضع الوثيقة مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة وأن النساء شقائق الرجال، وأن المرأة مساوية للرجل تماماً في التكليف بالعقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق ومساوية في الاستحقاقات ومساوية له تماماً في التشريف والتكريم.

“اتقوا الله بالنساء واستوصوا بهن خيراً ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد”.

هكذا يختم البيان التوجيهي لهذه الوقفة بإكمال الدين وإتمام النعمة ومغفرة الذنوب والعتق من النيران، بيان الشهود النبوي وشهود الأمة وشهود الواقفين بعرفة الذين يباهي بهم الله تعالى ملائكته، وكأنهم يجددون عهد الميثاق الذي أخذه من ذرية بني آدم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا (الأعراف 172) فالكل يشهد، البشر والزمن والحجر، على وحدانية الله، إنه وقوف الميثاق وتجديد العهد مع البشرية.

ومن فضله تعالى علينا هذه السنة أن وافق يوم عرفة يوم الجمعة شأن حجة الوداع حيث اجتمع الشاهد والمشهود والشهود والشهادة، فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا على هؤلاء شهيدا النساء 41.

من مؤتمر ضيوف الرحمان نلتقي في مؤتمرات حقوق الإنسان والشهادة على الواقع.