لا يخلو تحرك أمريكي من تخطيط مسبق يروم تحقيق مصالح معينة، منها ما هو آني ومنها ما هو استراتيجي متوسط أو حتى بعيد المدى، أما الآني فيتمثل في حماية “إسرائيل”، تلك الثكنة الأمريكية بالشرق الإسلامي، أما المصالح المتوسطة المدى فتتمثل في آبار النفط التي تدرك أمريكا أنها تحصل البرميل الواحد بسعر قد لا يدوم في حال ارتخاء تحكمها في الأوبك عبر أصدقائها العرب، كما أن العودة للعراق توفر بدائل عظيمة لأي تحول سياسي دراماتيكي قد يحدث بالخليج، على اعتبار أن العراق هي الدولة التي تتوفر على الاحتياطي النفطي الأبعد مدى من حيث العمر الافتراضي للنفط والذي سيستمر تدفقه لأكثر من قرن، أما الهدف البعيد المدى فله علاقة بصراع الحضارات، فأمريكا والغرب يدركان أن كل حضارات الشرق تم اغتيالها أو إلحاقها بالنموذج الحضاري الغربي الديمقراطي اللبرالي الرأسمالي، فالصين والهند واليابان وأمريكا اللاتينية كلها حضارات عظمى تعرف تحولا دراماتيكيا نحو الغربنة، حيث ينسيها بريق نجاحاتها الاقتصادية ونسب النمو أنها تغرق في الغربنة حتى نقطة اللاعودة، لكن مجتمعات الشرق الإسلامي التي لا تعيش – أغلبها – أوضاعا اقتصادية وسياسية مريحة، رغم توفرها على نسبة هائلة من ثروات الأرض الطبيعية وخاماتها، هي الوحيدة التي لا تزال تجرأ على إعلان المقاومة والعصيان والتمرد على الحضارة الغالبة المتغلبة، هذه المقاومة قد تتبدى في شكل ردود أفعال أكثر تحضرا وعقلانية في حالة حماس في إدارتها للصراع مع الكيان الصهيوني، وقد تتبدى في صورة لاعقلانية ولا إنسانية وغير منضبطة في حالة القاعدة وداعش، في جميع الأحوال ستستمر أمريكا في حربها التي اعتدنا أن تكون الأهداف الخفية فيها أكثر من المعلنة، في محاولة استباقية لضرب كل عناصر المناعة والقوة لدى المجتمعات الإسلامية، من أجل منع تشكل أي حالة أممية لدى هذه المجتمعات، وللحيلولة دون تشكل نظام إقليمي إسلامي قادر على قلب الطاولة، ولذلك ستوظف أمريكا مختلف نقاط الضعف التي تعبر عن هشاشة منطقة الشرق الإسلامي للقضاء على كل نقاط القوة أو للحيلولة دون استثمارها، وتتمثل نقاط الضعف في:

– التنوع الطائفي، الذي تبدو ورقته نافقة في سوق الصراع بالشرق الإسلامي من اليمن إلى لبنان.

– هشاشة النظم السياسية الاستبدادية، واستثمار ذلك عبر توظيف أوراق الضغط السياسي من قبيل الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة…

غير أن هناك عوامل غير مساعدة للولايات المتحدة والغرب في الظرف الراهن، تتمثل في صعوبة التغلغل الأمريكي سياسيا وثقافيا رغم إمكانية التغلغل العسكري عبر إنشاء القواعد العسكرية بدعوى الحرب على الإرهاب الداعشي، ذلك أن الربيع العربي باعتباره موجة ثورية متقدمة قد أوجد حالة من الوعي السياسي وأفرز فاعلين جددا، تتمثل في بروز التيار الإسلامي المعتدل باعتباره القوة السياسية الأبرز القادرة على تشكيل الخريطة السياسية وربح الرهان الديمقراطي، رغم كل الدعم الكوني المغدق على القوى الحاملة لمشاريع خارجية، كما أثبتت ذلك الحالة المصرية والتونسية تحديدا.

أما الحالة الداعشية التي تتخذها أمريكا مطية لإعلان غزوتها الجديدة في الشرق الإسلامي، فلا تعدو أن تكون ذريعة مكشوفة لتحقيق الأهداف السالفة الذكر، ذلك أنه لا يمكن أن يتصور عاقل أن 25 ألف مقاتل لداعش، وفق تقارير المخابرات الأمريكية نفسها، يمكن أن يقاتل على جبهتين في سوريا والعراق، مع ما ينطوي عليه ذلك من مغامرة ومخاطر، ثم يستدعي الأمر أن تحشد أمريكا قوتها من وراء المحيط، وتستنفر جيوش العالم لمساندتها في الحرب على قوة عظمى اسمها داعش، تشكلت قبل شهور قليلة، مما يؤكد أنها حرب دعائية أكثر من كونها حربا حقيقية بين جيوش متكافئة. والمتتبع لحجم التضخيم الإعلامي لتنظيم الدولة الإسلامية بالشام والعراق منذ إعلان نفسه، والتركيز القوي على لحظة إعلان الخلافة من قبل زعيم التنظيم بالموصل، يدرك الغاية التي جعلت الغرب يترك الأزمة السورية والعراقية تتمدد، وتتمدد معها تنظيمات معولمة تم إخراجها من جحورها، لتصبح تنظيمات عابرة للحدود، مع العلم أن الغرب ظل منذ مطلع القرن العشرين يضطلع بدور الحارس لحدود سايكس بيكو، ليكون الهدف مزدوجا: إخراج الدبابير من أعشاشها عبر تفريغ كل البلدان العربية والغربية لخلاياها الجهادية النائمة أو التي في طور التشكل، لتنتقل للأرض الموعودة، أرض الخلافة، مما سيشكل فرصة تاريخية لسحق كل العناصر الجهادية في العالم، عبر عملية عسكرية واسعة، في حين ستتولى مسؤولية الحرب الحضارية الناعمة الآلة الإعلامية الجهنمية ومراكز الأبحاث الغربية، حيث ستكون فكرة الخلافة والدولة الإسلامية والشريعة، وكل المبادئ الإسلامية ذات النزوع الحضاري والثقافي التدافعي، هدفا استراتيجيا حقيقيا لهذه الحرب الشرسة التي تستهدف تصفية الحضارة الإسلامية من خلال عملية ملتبسة يختلط فيها الحق بالباطل، وتتشابك فيها المفاهيم وتلتبس حيالها المواقف.