كنا قد نبهنا في مقال سابق، معنون بـ“العطش: الخطر القادم الذي يهدد المغرب”، إلى خطورة الوضع المائي في بلادنا، وحذرنا من خطر يهدد الأمن المائي لفئات عريضة من المغاربة، وخاصة في الأقاليم الشرقية ـ الجنوبية، والآن وبعد أن طرح الموضوع عبر الإعلام الوطني بشكل موسع وبروزه كظاهرة خطيرة ينبغي أن نكون ـ نحن المغاربة حكومة ومواطنين ـ مستعدين لمواجهتها بشكل جدي، وأن نقطع مع سياسة “التصريحات الفارغة” من قبل الأوصياء على وزارة المياه، بل يجب التدخل بشكل عاجل لوضع مخططات على المدى القريب والمتوسط والبعيد، علما أن بعض الأقاليم المغربية قد تكون مستقبلا وبعد سنوات ـ إن لم تنتظم التساقطات المطرية ـ معرضة أكثر لقلة المياه، كمنطقة جنوب الأطلس وشرقه، ومنطقة الراشيدية وبوعرفة وتانسيفت والصويرة، وكذا المناطق الممتدة بين الدار البيضاء والرباط.

رغم ما يتوفر عليه المغرب من سدود، والذي يبلغ عددها إلى الآن 128 سدا، (ومالها من أدوار ووظائف هامة في توفير مياه الشرب والصناعة والفلاحة وتغذية الفرشات المائية وتوفير الطاقة) إلا أنه، ووفقا للتصريحات الحكومية، يبدو أن هذا العدد من السدود غير كاف لتغطية الخصاص المهول لبعض المناطق، فقد أصبحت بعضها قريبة من درجة “النكبة”، من أجل ذلك نرى سكانها يخرجون بين الفينة والأخرى يحتجون بسبب نقص المياه العذبة، وهذا ما وقع مؤخرا بمنطقة أمزميز بنواحي مراكش وفي منطقة النقوب في إقليم زاكورة، حيث دفعهم العطش للتنقل والعيش في مناطق أخرى، وهذا ما ينذر بتهديد البنية السكانية للمنطقة، ويسهم في خلق الهشاشة والفقر والبطالة والتشجيع على الهجرة نحو المدن وانتشار مدن الصفيح.

أمام هذا الوضع، والذي يشرف على حافة الكارثة في بعض المناطق وخاصة الفلاحية، نتساءل عن السياسات المنتهجة من قبل الدولة، وعن فعاليتها على أرض الواقع لضمان استدامة ثروتنا المائية وترشيد استغلالها وتوزيع عادل لها يراعي تنوع المغرب الجغرافي والسكاني والبيئي. فرغم ما تقوم به الوزارة الوصية وكذا “السلطات المحلية” من تبديد هذه التخوفات لدى المواطنين عبر بعض الخرجات الإعلامية وعقد الندوات وإلقاء التصريحات وكذا توزيع الماء عبر الحاويات الكبيرة وصهاريج متنقلة على الدواوير والجماعات المتضررة، فإن هذه السياسات لا تعدو أن تكون محض تنفيس ظرفي وترقيع وإلهاء لسكان هذه المناطق الذين يشكون ويعانون من قلة المياه بشكل آني لا يحتمل التأخير أو التماطل.

من جهة أخرى ينبغي على المغاربة أن يرفعوا من مستوى وعيهم بضرورة عقلنة استهلاك هذه المادة الحيوية التي يعلم الجميع أهميتها وأبعاد فقدانها، وأن تجعل الدولة من “قضية المياه” أولوية، وأن تسعى عبر الإعلام الوطني إلى إيصال “القضية ـ الأزمة” إلى أذهانهم، لأن جزءا منا ـ للأسف ـ يعتبر مثل هذه المقالات والتحذيرات مغرقة في التشاؤم، أو تسعى لتؤزم “المغرب المستقر”، لأن المغرب ـ في نظرهم ـ ينعم ـ ولله الحمد ـ بثروات هائلة من المياه، وأن لا “خطر” محدق يلوح في الأفق.

يجب أن نذكر هؤلاء أن جزءا كبيرا من المغاربة يعانون في صمت ويقطعون عشرات الكيلومترات لجلب لترات معدودات من ماء بئر بعيد يوشك أن ينضب كي يرووا عطشهم وعطش دوابهم، ربما هذه المعطيات يجهلها كثيرون من أبناء المدن والمناطق الغنية بالماء، والتي لا يتخيل سكانها يوما أن يفتحوا صنابير منازلهم ولا يجدون ماء لتنظيف أسنانهم، فنحن عندما نحذر وننبه لقضية وطنية هامة واستثنائية فإننا لسنا أقلهم وطنية أو غيرة على البلاد منهم. إن دافعنا ومنطلقنا من خط هذه الكلمات ينبع من عمق معاناة عائلاتنا وأقاربنا وأبناء بلدنا، ومحاولة الإسهام في رفع مستوى الوعي لدى المغاربة كي يشاركوا في قضاياهم الوطنية بشجاعة وقوة اقتراحية.

ساهمنا لحد الآن في وصف الداء، أما الدواء فإني أقترح الخطوات التالية، والتي تهم جميع المغاربة مؤسسات وأفرادا:

1. يجب على كل فرد منا أن يدرك جيدا جسامة المشكلة، ثم يعطيها العناية الفائقة، ويقدرها حق قدرها، ويعي ثقل المسؤولية الملقاة عليه اتجاه هذه القضية الاستثنائية.

2. يجب علينا كذلك الاستثمار الأمثل لمواردنا المائية لتحقيق الأمن الغذائي والمائي والرفع من مستوى تنميتنا الاقتصادية.

3. يجب على مسؤولي وزارة المياه أن يقيموا مزيدا من الخطط المستقبلية، والاستفادة من كل ما تنتجه دورة المناخ لتنمية موارد المياه، واستقصاء كافة المجالات المتاحة لزيادة تلك الموارد على أسس فنية واقتصادية ونقدية سليمة.

4. يجب سن إجراءات توازن بين الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية للسكان من جهة وتكاليف إنتاج المياه من جهة ثانية، وذلك من خلال التوعية الخاصة بمنظومة إتاحة المياه الشروب.

5. تحديد تعريفة الاستهلاك تميز بين مختلف المستهلكين؛ حيث تؤدي دورها في الحد من استنزاف الماء، فكيف يعقل أن نجد فئة عريضة من الأغنياء تستهتر بهذه المادة الحيوية في مسابحها وضيعاتها الشاسعة وحدائق فيلاتها، ونقارنها بقروي لا يجد ما يشرب هو وأفراد أسرته ودوابه.

6. لا بد من تغيير عقلية المواطنين التي لم تدرك بعد خطورة “أزمة المياه” في المغرب، والتي لازالت تتعامل معه كمادة حيوية كالهواء مثلا، والرفع من مستوى الإدراك لديهم بضرورة تقدير هذه النعمة حق قدرها.

7. تحسيس صناع القرار السياسي بالمغرب بخطورة ندرة المياه كقضية راهنية تحتاج منهم إدخالها في برامجهم السياسية، والعمل الحازم على وضع استراتيجية مستقبلية قابلة للامتداد والتفعيل على أرض الواقع تراعي حاجيات جميع مناطق المغرب لهده المادة الحيوية.

8. تحفيز الضمير المغربي من خلال عقيدتنا الإسلامية، حيث الدعوة للحفاظ على الماء وعدم تبذيره، فالإسلام أحرص الأديان على عدم هدر المياه أو الاستهتار بها، واستعمالها باقتصاد تام.

9. خلق يقظة ثقافية توعوية يشارك فيها جميع المتدخلين والمختصين للرفع من الوعي الجماعي للمغاربة خاصة عند الأطفال والشباب لأنهم هم من سيكتوون بنار أزمة فقدان المياه لا قدر الله في المستقبل.

لا يسعني أخيرا إلا أن أنبه إلى أن “قضية المياه” قضية مستقبلية بامتياز، لأن جيلنا الحالي أو الذي سيليه من الأجيال القريبة – ربما – لن تطالهم أزمة فقدان المياه، وإنما المطلوب حتما الآن أن نتحمل مسؤولية تكوين وتربية أطفالنا وشبابنا على احترام المياه، أي احترام الحياة.