“سياسة” التوجيه التربوي

يقول أبو علي بن سينا في كتابه “السياسة”:

وإذا فرغ الصبي من تعلم وحفظ أصول اللغة نظر عند ذلك إلى ما يراد أن تكون صناعته فوجه لطريقة، فإن أراد به الكتابة أضاف إلى دراسة اللغة دراسة الرسائل والخطب ومناقلات الناس ومحاوراتهم وما أشبه ذلك، وطورح الحساب ودخل به الديوان وعني بحظه. وإن أريد أخري أخذ به فيها، بعد أن يعلم مدبر الصبي أن ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مواتية لكن ما شاكل طبعه وناسبه، لذلك ينبغي إذا رام اختيار الصناعة أن يزن أولاً طبعه ويسبر قريحته ويختبر ذكاءه فيختار له الصناعات بحسب ذلك، فإذا اختار له إحدى الصناعات تعرف قدر ميله إليها ورغبته فيها، ونظر هل جرت منه على عرفان أولا، وهل أدواته وآلاته مساعدة له عليها أم خاذلة، ثم يبث العزم فإن ذلك أحزم في التدبير وأبعد من أن تذهب أيام الصبي فيما لا يواتيه ضياعاً) 1 .

يطرح ابن سينا مفهوما نسقيا للسياسة ملازما للوجود بعيدا عن “الميكيافيلية”، فالسياسة ترتبط بالحياة من حيث وجوب وجودها على المستوى الأخلاقي، فهي تشمل المرء وما حوله لتنتهي إلى الحياة كلها، لهذا نقول “السياسة التربوية” و”السياسة التعليمية” و”السياسة التوجيهية”.

وقد ارتبطت لديه بمفهوم “التدبير” و”الإحكام”، ومحاور كتابه كالتالي “في سياسة الرجل نفسه” “في سياسة الرجل دخله وخرجه” “في سياسة الرجل أهله” و”ولده” و”خدمه”، يقول: أول ما ينبغي أن يبدأ به الإنسان من أصناف السياسة نفسه باعتبارها أقرب الأشياء إليه وأولاها بعنايته، فله عقل هو السائس ونفس أمارة بالسوء، والمساوئ في طبعها وأصل خلفها وهي المسوسة) 2 .

وتبدو النسقية واضحة في قوله: فمن رام سياسة نفسه وإصلاح فاسدها، لا بد أن يعرف جميع مساوئها معرفة محيطة (معرفة مستقصاة)، وإلا كان كمن يدمل ظاهر الكلم (أي الجرح) والداء في الباطن) 3 .

يبدأ التوجيه السينوي بصيغة “إذا فرغ” التي تحيل إلى مرحلة سابقة، مرحلة تأصيلية، مرحلة “الترصيص اللغوي”، مرحلة حروف الهجاء، تعلم القرآن، معالم الدين، الشعر (خاصة الرجز لسهولته في الحفظ) ثم مدح العلم، بر الوالدين، اصطناع المعروف، قرى الضيف وآداب المجالسة، المؤاكلة والمعاشرة ومكارم الأخلاق.

إذا كان الصبي يحتاج إلى هذه الأرضية، فكم يكفي من الزمن الدراسي ليتعلم أصول اللغة؟ وهل الأصول تختلف من مرحلة حضارية إلى أخرى أم إن الأصول أصول باختلاف الأزمنة؟ وهل هذه الأصول مرتبطة بالبيت أم بالمدرسة؟

دون تحديد أي برنامجية زمانية، نقول إن أصول اللغة هي المبادئ الأولية أي “المعلوم من اللغة بالضرورة” كي يستطيع الصبي التواصل مع الواقع واستيعاب أبجديات الحياة، فالتعليم الأبجدي ليس ترفا أو مباهاة للآخرين. وشحن ذهنه بمواد قد تشتت تفكيره وقد لا تنفعه في مرحلة معينة، كتعلم اللغات الأجنبية في سن مبكرة قبل ضبط “اللغة الأم”، قد تشكل “عقدة لغوية تاريخية” نبحث بعدها عن “برامج الندم” وإصلاح توجيه ما أفسده “دواء العطار”، فهناك توجيهات تربوية لا يمكن أن نكفر عن مسارها، لأنها “اتجاه معاكس” إذا أردت إصلاحها يجب العودة إلى نقطة الصفر وإلا ستصبح كل البرامج استعجالية تنتظر “الوزير الساحر” غير الواقعي الذي يضرب عرض الحائط بكل الخصوصيات وكل بداية مشوار.

طالع أيضا  من أجل مقاربة نسقية لتعليمنا

“صناعة الكتابة”

يشير ابن سينا في توجيهه، بعد تعلم وحفظ اللغة، إلى تخصص “الكتابة” أو “صناعة الكتابة”، وللصناعة دلالة نسقية، فالصناعة أوثق وأبقى من التجارة، لأن التجارة تكون بالمال والمال وشيك الفناء عديد الآفات، والصناعات ذات المروءة، حسب ابن سينا، ثلاثة أنواع:

ـ نوع من حيز العقل، وهو صحة الرأي وصواب المشورة وحسن التدبير وهو صناعة الوزراء والمدبرين وأرباب السياسة.

ـ نوع من حيز الأدب، وهو الكتابة والبلاغة وعلم النجوم وعلم الطب، وهو صناعة الأدباء.

ـ نوع من حيز الأيد والشجاعة، وهو صناعة الفرسان والأساورة.

فمن رام إحدى هذه الصناعات فليفز بإحكامها، حتى يكون من أصحابها موصوفا بالفصاحة 4 .

بطرح ابن سينا يتغير مفهومنا للصناعة والكتابة والتخصصات، ويصبح لدينا تخصص “صناعة الكتابة”، وهو مشروع على الأقل نحدد به “البوصلة التربوية” ونعرف منذ البداية أن هذا الصبي هو “كاتب”؛ ليس “كاتبا عموميا” بل كاتبا في وزارة ما، أو مؤسسة أو هيئة عليا أو كاتبا ضمن تخصص “كتابة الواقع المجتمعي” بدلالة أبعد من الاجتماعي، أو “كتابة الدولة”، فكم تستطيع الوزارة أن تحضن أو تتبنى أو توظف من كاتب؟

لا نقصد الكتاب العامين كمهمة إدارية بل “هيآت حرفية وأوراش بنيوية ووظائفية تكتب وتوثق وتبدع ولا تقتصر على الترقين بل على الكتابة المجتمعية والنفسية والاقتصادية والأدبية، ويمكن أن نسميهم “أدباء الوزارات”، أو “كتاب المجتمع”، وقد تشمل الكتابة إبداعات في مجالات مختلفة، فلكل وزارة حقلها الإبداعي ونسقها المتكامل الذي يجعل منها مؤسسة تفكر في كل جوانب موظفيها وأبنائها، كما تفعل الآن بعض الشركات الحرة في إنشاء مؤسسات للحضانة ملتصقة بالشركة تحضن أبناء الموظفين، أو المؤسسات التي تمنح منحا للطلبة على أساس أن يقدموا لها خدمات بعد تخرجهم وفي التخصصات التي اتفقوا عليها بداية، وقد تصبح مستقبلا كل شركة لها مدارسها وجامعاتها، وتصبح تنافسية نسقية مجتمعية للشركات، ويمكن آنذاك أن تسير الشركات الكبرى المجتمعات بعد أن تتخلى الدولة عن مهماتها.

إن تخصص “صناعة الكتابة”، حسب إبن سينا، يتضمن الرسائل والخطب و”مناقلات الناس” و”محاوراتهم” وما أشبه ذلك، أي شمولية نبض المجتمع، والمناقلات أي كل ما يتناقله ويتداوله الناس في الأسواق والنوادي والمقاهي والأماكن العمومية. ألم يبدع الكتاب العرب الأدباء في أجناس أدبية من نبض المجتمع سبقت “إميل زولا” في تشخيصه لأوضاع عمال الفحم وشرائح المجتمع الفرنسي؟ ألم يكتب الجاحظ عن فئة مجتمعية نفسية هي “البخلاء”؟ لماذا لا يقوم فنانونا المسرحيون والسينمائيون بتشخيص هذه الفئات وغيرها من أصناف المجتمع المغربي الحرفي “الصنايعي” خاصة في المدن العتيقة الذين “توجهوا” واختاروا الحرفة حبا وطواعية؟ ألا يمكن أن نكتب عن فئة “المتسولين المغاربة” ونقارب الحوار الاجتماعي حول الثروة وأسباب التنمية المعاقة؟ أليست هذه فئة غير موجهة اجتماعيا وتشكل عائقا تنمويا؟ أليس “التوجيه الاجتماعي” لماوتسي تونغ هو الذي صنع التنمية الصينية الآن والتي تقتحم العالم؟

طالع أيضا  من أجل مقاربة نسقية لتعليمنا

لن نصنع دينامية المجتمع والاقتصاد المغربي بخريجي الجامعات والمدارس فقط، فالشعب المغربي “صنايعي” بالقوة والفعل ودليل ذلك الحرفيون المغاربة في دول الخليج وفي فيلاتهم بإسبانيا وبالمدن الساحلية.

ليس الصنايعي هو الشخص الفاشل في الدراسة أو الأمي الذي لم يدرس أصلا، أو قدراته العقلية لا تسمح له بالتعليم، بل هو الإنسان الناجح في حياته والذي يكسب من صنعته، يقول ابن سينا: إذا توغل الصبي في صناعته بعض الوغول، فمن التدبير أن يعرض للكسب ويعرض على التعيش منها، فإذا كسب الصبي بصناعته فمن التدبير أن يزوج ويفرد رحله) 5 ، نعم سيدي ابن سينا، الصنعة كسب وتعيش وزواج، لكن المشكل في عدم تدبيرنا لسياسة التوجيه.

إن الصنعة هي “طريقة السبك” لكل معرفة، وحين تتعلم تصبح “صنايعي” حسب وجهتك واختيارك، حسب مشاكلتك وملاءمتك، تضيف لبنة إلى نسقية المجتمع لا فرق بين اللغة والحساب.

إننا محتاجون إلى تأصيل الكتابة عن الصنعة المغربية بشكلها اليومي المعيوش بتفاعلات “الصنيعية” مع واقعهم النفسي والاجتماعي، وبتشجيع الانخراط فيها نستطيع أن نصدر “الصنعة المغربية” إلى دول العالم وفق توجيه وطني نفتح فيه الأوراش ونشجع الطاقات ونضمن الأسواق المحلية والخارجية، ونعبئ الإعلام لتشجيع المنتوج الوطني، نقتنيه لحاجة في حب “الصنايعي” ولسواد أعينه.

بذلك سنتوجه نحو “صناعة الكتابة” وسنحيي أمجاد الجاحظ وبديع الزمان الهمذاني والحريري، الكتاب العرب الواقعيون الذين شخصوا الواقع العربي ولم يكونوا في أبراج عاجية بعيدا عن “المناقلات الواقعية”.

الصنعة الأدبية العلمية

يطرح ابن سينا توجيها عقلانيا للصبي، فبعد “العلم والحفظ اللغوي” و”صناعة الكتابة” تأتي “مطارحة الحساب” “وطورح الحساب ودخل به الديوان وعني بحظه”، فليس هناك فصل بين التخصص الأدبي والعلمي في أبجديات التوجيه التربوي، هذا الفصل القيمي بين المجالين يوجد في دولنا وتعليمنا مبكرا، لغياب النسقية، لا نميز بين “المعلوم من اللغة بالضرورة” والمشاكلة والاحتياج الذاتي، فلا يوجد مجتمع بدون أدب، فالأدبيون ليسوا عالة على الوزارة أو أن آفاقهم محدودة وسوق الشغل مستنزفة، فلوكنا نفكر بـ”عقلية نسقية” ما وقعنا في “كارثة التقاعد” المنتظرة، فلن تجد الدولة مستقبلا لا أساتذة أدبيين ولا علميين لتلبية حق الحياة و”شرعة التربية”، لأن التوجيه كان في أصله انفصاميا لا يراعي الاحتياجات ولا الاختيارات الواقعية النفسية والزمنية ولا “المشاكلة والمناسبة” بتعبير ابن سينا.

طالع أيضا  من أجل مقاربة نسقية لتعليمنا

إن الحساب هنا ليس كمقابل لمادة الرياضيات بل مقابل لاستعمال العقل، ولا يوجد أي شخص في أي توجه لا يستعمل العقل إلا وفقد خصوصيته الإنسانية، والتوجهات الحديثة الغربية تلغي الحدود بين التخصصات، فـ”جوليا كريسيفا” تجمع في أبحاثها بين الرياضيات وعلم النفس واللسانيات، والمصطلحات تهاجر بين التخصصات دون تأشيرات.

ويستمر ابن سينا في رصد “فقه التوجيه” بالتركيز على الإرادة والصناعة “ما يراد صناعته”، فالصناعة اسم عربي متأصل، استعمله العرب في الأدب فسمى أبوهلال العسكري كتابه بـ”الصناعتين” أي الشعر والنثر، وسمى ابن جني كتابه “صناعة الإعراب”، وكانت تعريفاتهم تأخذ دلالاتها من المجالات الصناعية، فالجاحظ يقول: المعاني مطروحة في الطريق يأخذ منها العربي والعجمي، لكن العبرة في طريقة السبك..) إنها حرفة “السباكة” التي تصنع السبائك، فنحن أمام “السبك التربوي”.

إن “الصنعة” هي قدرات ومهارات وخبرات وكفاءات وانجازات، أليست هذه هي مكونات الطاقة البشرية؟ فهل يعدم المغاربة هذه المكونات؟ أليست لنا طاقات وإرادات وإمكانات؟ فلما السلبية؟ هل يوجد شخص في الكون لا يقدر على فعل شيء؟ فالعدم لا يمكن أن يكون موجودا، هو إحساس بالوجود، فحرروا الإحساس من العدم يا “صناع التوجيه”، أنتم مصدر الطاقة لمن لا يحس بطاقته، لمن حكم على نفسه بالعدم والموت المعنوي.

لقد كان العرب “صنايعية” في الأرض لا مجال لديهم للسلبي العاجز الخامل، كانوا يفلحون الأرض بأظافرهم، وينسجون ثيابهم ويصنعون آلياتهم، ويمشون حين يمشون.

وبالخطوة وبصناعة الحدث عرفوا الفعل: (حدث في الزمان والمكان) دون لف أو دوران، فالحدث صناعة يخلقها “صناع التوجيه”، لديهم البوصلة والمحرار الحقيقي للتغيير.

أما بعد

إن “التوجيه التربوي” ذهنية وتفكير، استراتيجية وانجاز، مقاصد ومقاصدية، معامل لصناعة الطاقة البشرية، توجيه وتكوين ل”صنايعية” بالقوة وبالفعل، يحركون الاقتصاد والإنتاج المحلي، ويفتحون الأوراش، ويخلقون فرص الشغل، ويحركون الإمكانات الجهوية لكل المناطق، ويبحثون عن الطاقات المتجددة.

إن المغربي “صنايعي” بالتاريخ والجغرافيا، يخرج من يده الذهب إذا أراد، أوملك “إرادة صناعة التغيير”، فالله تعالى لم يربط التغيير بالمجتمع ولا بالنفس مباشرة، بل ب “ما بالنفس” و”ما بالقوم”، فالنفس والمجتمع يظلان بخصوصياتهما “الهوياتية”، لكن الإرادة هي “مادة الصناعة” ومجال التبلور والصقل والتوجيه.

فما الخطط التي أعددناها لتطوير توجيهنا التربوي؟ كيف نحدد التعالقات بين التوجيهات التربوية والأنساق المجتمعية؟ وكيف نتجاوز إسقاط التوجيهات التربوية الغربية على نسقنا التعليمي التي لا تراعي الخصوصيات؟ كيف نوفق بين التوجيه التربوي والتوجيه الإعلامي؟ كيف تلبي توجيهاتنا التربوية احتياجات سوق الشغل؟

أسئلة توجيهية نحدد من خلالها الوجهة في دراستنا النسقية لتعليمنا.


[1] ص 86 ـ 87 بتصرف. تقديم وضبط وتعليق: علي محمد إسبر. ط 1 2007. بدايات. سوريا.\
[2] ص 65.\
[3] ص 66.\
[4] ص 73.\
[5] ص 88.\