الحمد لله.. الحمد لله الذي اتصف بالعلم وتسمى به وأفاض على نبيه ما شاء منه فسما به. كم أحاط علمه بالكائنات وأنار العقول بمحكم الآيات وفتق أذهان البشر بشتى العلوم على مر العصور الماضيات. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق ليمحو الباطل بالحجة والآيات، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.

إن بدء العام الدراسي الجديد مشهدٌ حافلٌ تُستأنف فيه رحلة الجد والعطاء، وتبدأ مسيرة الفكر والنماء، وتُفتّح حصون العلم، وتُهيَّء قلاع المعرفة، وتُجهَّز دور البناء.. جعلها الله انطلاقةً متألقةً رشيدة وبدايةً مشرقةً حميدة ورحلةً ميمونةً سعيدة؛ إذ لا أمتع من العلم وأخباره، والفكر وثماره، والتحصيل وأسراره؛ وهل بُنِيَتْ أمجادٌ وشيدت حضاراتٌ عبر التاريخ إلا على دعائمه وركائزه؟ يقول الشاعر:

هل العلم في الإسلام إلا فريضةً *** وهل أمة سادتْ بغير التعلم

وأبلغ من ذلك وأعز قول المولى جل وعز … قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ… [الزمر: 9] … يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ… [المجادلة:11]. … إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [آل عمران:102].

وفي مشكاة النبوة يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أبو داود والترمذي: “مَنْ سلَكَ طريقًا يلْتمسُ فيه علمًا سهَّل اللهُ به طريقًا إلى الجَنَّة”.

يقول الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله: العلم حياة القلوب ونور البصائر وشفاء الصدور ورياض العقول ولذة الأرواح وأُنْس المستوحشين ودليل المتحيرين، وهو تركة الأنبياء وتراثهم، وأهله عصبتهم وغراتهم).

التربية والتعليم وظيفة الأنبياء والرسل، وهي معيار حضارة الشعوب وسبق الدول.. أول ما صدر للبشرية هو التعليم: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا… [البقرة: 31] … وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: 114]، وأول معلمٍ في هذه الأمة هو محمد صلى الله عليه وسلم وأول مدرسةٍ في الإسلام كانت عند جبل الصفا (مدرسة دار الأرقم).. ومن ذلك المعلم وفي تلك المدرسة ومن أولئك التلاميذ صاغ العرب نواة حضارتهم، وحينها فقط سمع العالم يومئذ بالعرب وأدخلوهم ضمن حساباتهم.. إذ كانوا قبل ذلك على هامش الأحداث وفي ساقة الأمم.. والتاريخ يعيد نفسه، وما أشبه الليلة بالبارحة، ولم يرفع شأن هذه الأمة ولن ينهض بها إلا ما نهض بها في سابقها.

بعد هذه التوطئة في فضل العلم أوجه رسائل للمتدخلين في العملية التعليمية التعلمية:

أصدرها بالأساتذة:

1- أيها الأساتذة والأستاذات: إن أولاد المسلمين أمانة الله في أعناقكم وودائع الأمة بين أيديكم.. إن المعلم لا يستطيع أن يربي تلاميذه على الفضائل إلا إذا كان فاضلًا، ولا يستطيع إصلاحهم إلا إذا كان في نفسه صالحًا لأنهم يأخذون عنه بالقدوة أكثر مما يأخذون عنه بالتلقين، وإن الناشئ الصغير مرهف الحس قوي الإدراك للمعارف والكمالات.. فإن زينتم لهم الصدق فكونوا صادقين، وإن حسنتم لهم الصبر فكونوا من الصابرين: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ… [الأحزاب: 21].

إن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الناجح الباقي المسلسل أجره ومنفعته في الدنيا وبعد الممات، وفي الحديث الصحيح: قال صلى الله عليه وسلم: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث…”، وذكر منها: “أو علمٌ ينتفع به” رواه مسلم.

وهذه والله وظيفة الأنبياء، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: “أن الله وملائكته وأهل السموات والأرض يصلون على معلم الناس الخير” رواه الترمذي.. فهنيئا لمن أخلص نيته وأصلح العمل.

الأستاذ هو واسطة عقد المنظومة التعليمية التربوية إن لم تكن هذه الواسطة على القدر الكبير من الكفاءة وعلو الباعث والكرامة والرخاء في المجتمع فالعملية كلها تنفسخ. لاسيما في المجتمع الفتنوي المغزو الذي تنحل فيه الروابط الأسرية، وتضعف فيه الأم ويضعف الأب عن تقويم الطفل وتوجيه اليافع ومساعدة الشاب.

طفل من يمسك بيده ويستلمه برفق وحب ومسؤولية أخلاقية إن كان الأستاذ مجرد موظف أجير؟

يافع من يدربه ويعلمه ويصقل قدراته العقلية ومهاراته ومواهبه إن كان المعلم عديم الكفاءة ناقصها؟

من يتحكم بزمام السلوك العام في المجتمع القائم، والجيل الناشئ في فوضى التفتت والتميع واللامسؤولية، إن لم يكن الأستاذ بوقوفه النموذجي أول الماسكين؟

السائبة الأخلاقية ليس ينهض لمقاومتها أستاذ لا وزن له في المجتمع ولا هيبة ولا تقدير ولا كفاءة ولا باعث.

مطلبنا أستاذ متوازن منسجم في نفسه، مرتاح في سربه الاجتماعي، سوي في بنيته النفسية الخلقية، كفء في مادته العلمية، مراقب لله تعالى في أمانته، مطمئن بالإيمان، صابر على معالجة النفوس الناشئة والعقول، زاهد فيما بأيدي الناس، ذو مروءة وعفة وهمة.

وأثني بالمتعلمين:

2- أيها الأبناء الأعزاء والبنات الطاهرات: اعلموا أنكم مأجورون وفي حكم المجاهدين وأنتم تغدون وتروحون في طلب العلم يرضى عنكم الله سبحانه و لائكته فقد روى مسلمٌ أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلمَ قالَ: “إنَّ الملائكَةَ لتضَعُ أجنِحَتَها لطالبِ العلمِ رضًى بِما يصنع” وتدخلون البهجة على والديكم وأنتم تتفوقون وتكبرون بمعارفكم وتبنون ذواتكم وتتنورون بالعلم. لذلك ابذلوا غاية الجهد في تحصيل العلم من أول العام حتى تدركوا المعلومات إدراكاً حقيقياً ثابتاً في قلوبكم راسخاً في نفوسكم؛ لأنكم إذا اجتهدتم من أول العام أخذتم العلوم شيئاً فشيئاً، فسهلت عليكم، ورسخت في نفوسكم، وسيطرتم عليها سيطرة تامة، وإن أنتم أهملتم وتهاونتم في أول العام واستبعدتم آخره – انطوى عنكم الزمن، وتراكمت عليكم الدروس، فأصبحتم عاجزين عن تصورها فضلاً عن تحقيقها، فندمت حين لا تنفع الندامة. قاوموا الشغب والفوضى في مدارسكم، وافرضوا الجدية والإقبال على طلب العلم والاحترام المتبادل.

وأثلث بأولياء التلاميذ:

3- يا أيها الآباء الأفاضل والأمهات الكريمات: اسمعوا إلى ما أعده الله لمن ربى أبناءه وأحسن تعليمهم ذكرانا وإناثا فقد خرج أبو نعيم والطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: “من كانت له بنت فأدبها فأحسن أدبها وعلمها فأحسن تعليمها وأسبغ عليها من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له سترا أو حجابا من النار”. وإذا كان على المدرسة معلميها ومديريها وعمدها واجبات فإن على أولياء الطلبة من الآباء وغيرهم واجبات يلزمهم القيام بها.. فعليهم أن يتفقدوا أولادهم وأن يراقبوا سيرهم ونهجهم العلمي والفكري والعملي، وأن لا يتركوهم هملاً لا يبحثون معهم، ولا يسألونهم عن طريقتهم وأصحابهم ومن يعاشرونهم ويصادقونهم.

إن إهمال الأولاد ظلم وضياع ومعصية لما أمر الله به في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ. وإن من أكبر التناقضات التي يعيشها الطالب والتي تكون سببًا في انحرافه سلوكيًا وسقوطه دراسيًّا هو التناقض الذي يعيشه بين توجيهات مدرس صالح، ومتابعة إدارة جيدة، وبين بيت موبوء بوسائل الفساد ومساوئ الأخلاق. فكونوا عونًا وسندًا لتربية المعلم وتوجيهاته، ولا تكونوا سببًا في انحراف أولادكم، وفشلهم في دراستهم، وربما في حياتهم كلها.

أسال الله تعالى أن يجعلني وإياكم هداة مهتدين صالحين مصلحين.

بقيت لي رسالة أخيرة أقصد بها من لم أذكرهم من ذي قبل من إداريين وموجهين ومخططين وكافة المسؤولين وأعضاء المجتمع المدني:

4- أيها المسؤولون: لا أمل لعزة في هذا العصر لأمة لا تقرأ ولا تكتب ولا تشارك شعوبها عن معرفة بما يجري في العالم وما تفرضه ضرورات الصراع في العالم.

كل أمة تنشئ أفرادها وتربيهم على ما تريد أن يكونوا عليه؛ فالتربية والتعليم في حقيقته هو صياغة المجتمع وصناعة الجيل وتأهيله وتوجيهه.. وكل الأمم والدول تدرك هذا الجانب وتسعى بكل ما تستطيع لترسيخ مبادئها وأهدافها عن طريق التربية والتعليم، وتعتبر ذلك من خصوصياتها وسماتها التي لا تساوم عليها التربية والتعليم.. والمناهج الدراسية حقٌّ سياديٌّ وشأنٌ داخلي لا ترضى الدول بالتدخل فيها ولا تسلمه الأمم إلى غيرها، ومنه ندرك أن استيراد التربية من أمم أخرى بكل عجرها وبجرها خطيئةٌ كبيرةٌ وتبعيةٌ خطيرة تعني نشأة جيل مغيب عن تراثه وتاريخه.. مقطوع الصلة بعقيدته ومبادئه.. مسخا بلا هوية يسهل قياده واستعباده.

إن التربية ليست بضاعة تستورد.. إنها لباس يفصل على قامة الشعوب وتقاليدها ومبادئها وأهدافها التي يعيشون لها ويموتون في سبيلها.. وهذا لا يعني هدر الإفادة من تجارب الأمم؛ فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها، وفي قول الله عز وجل: … إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء… دليل على أن العلوم النافعة هي المقربة من الله ولو كانت من علوم الدنيا؛ وذلك باصطباغها بصبغة الإيمان والتقرب بها إلى الله وخدمة دينه ونفع المسلمين وعمارة الأرض كما أراد الله في توازنٍ وشمولٍ ووسطيةٍ واعتدال.. أما إذا تجرد التعليم وأهدافه من الإيمان فأضحت الوسائل والمقاصد ماديةً بحتةً فهو الوبال والشقاء.. وهذه الحضارة اليوم شاهدٌ حيٌّ على هذا النتاج حتى شقيت أممٌ بصناعاتها حين ذهلت عن خالقها، وأصبح التسابق في وسائل الدمار لا في العمار وفقد الاستقرار، وأصبحت القوة معيارا بدلًا من الحق والعدل في السياسة والاقتصاد وغيرها من المجالات.. وما الفخر في بنايات تعانق السحاب إذا كانت القيم مدفونةً تحت التراب! وما الربح إذا شُغِل الناس بالشهوات واللهاث وراء المادة في غفلةٍ عن الآخرة: … وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم: 6-7].

يكفي من الشعارات على التلفاز وفي المنتديات، الأمر عمل. المطلوب عمل. المنشود عمل. لا نظريات محلقة وأفكار عائمة ومهارات لفظية، المطلوب المنشود الغائب في واقع التعليم المنتج للبطالة عمل عيني مؤثر في الواقع على كل المستويات. العلم والعمل متعانقان، المهارات والخلق والبحث العلمي متضافرة مخلصة ماسة بالواقع عاضة عليه.