1

لجماعة العدل والإحسان قدرة خطابية رهيبة ــ لكنها جديرة بالاحترام ــ على وصف الوجه القبيح للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المغربي، إلى درجة أن بعض خصومها يسِمون رؤيتها هذه بـ”العدمية”، على اعتبار أنها تتعامى عن مساحات مُبشِّرة في الشأن العام، لكن الجماعة لا تملّ من التأكيد في كل مناسبة على أنها تؤمن بأن الوضوح التام والشّفّاف هو الخطوة الأولى في سبيل مغرب حر وديمقراطي ونامٍ وآمن وحقوقي ومتصالح مع ذاته ومع كل مكوناته، والذي يشجعها على ذلك الخطاب حقيقة، المعطيات والمؤشرات الصادمة التي تجمعها أو التي تنشرها المؤسسات الدولية والتي تنذر بمآلات كارثية حسب هذا الوصف.

فإذا عدنا مثلا للوثيقة التي صدرت سنة 2007 عن المجلس القطري للدائرة السياسية للجماعة، والتي تحمل عنوان “جميعا من أجل الخلاص” لوجدنا أنفسنا ــ بدون مبالغة ــ أمام لوحة قاتمة السَّواد؛ فالانتخابات ما هي إلا مسلسل ــ مأساة ملهاة ــ يُجبَر الشعب المغربي على أن يتفرج عليه، وهي، فوق ذلك، علامة من العلامات البارزة في تاريخ الخراب السياسي الذي تعيشه البلاد منذ عقود طويلة. والأرقام والإحصاءات في مجال التعليم تنذر بمستقبل كالح رغم الدعاوى العريضة بالإصلاح. وجحافل أطفال الشوارع أصبحوا يؤرقون كل من له أدنى حسّ أو أبسط تطلع لمستقبل البلاد: تشردا، وانحرافا، وإجراما. والمخدرات أصبحت السلعة الرائجة بين الشباب خاصة في أبواب المدارس. و”المخزن” يشن حملة منظمة لم يسبق لها مثيل في تاريخ المغرب تهدف إلى نشر الفساد والعمل الحثيث من أجل التطبيع مع الفاحشة. وملايين من المغاربة يعيشون تحت عتبة الفقر، نتيجة للجشع الاقتصادي لأركان النظام، ولعدم حرصه أصلا على إرساء تنمية اقتصادية حقيقية. و”المخزن” بالإضافة لكونه طرفا رئيسيا مباشرا في الأزمة السياسية فإنه أيضا وبنفس الدرجة طرف اقتصادي رئيسي في المعاناة الاجتماعية لهذا الشعب بتصرفه الغامض في ثروات وطنية كبيرة. والنتيجة الطبيعية؛ بقاء المغرب تابعا وغارقا في التخلف.

لكنها ــ باعتبارها جماعة تطمح للتغيير ــ لا تكتفي، طبعا، بالنقد والنقض، بل تقدم بين الفينة والأخرى مقترحات تهدف لـ”تدشين عملية الإصلاح” كما تراها؛ ففي رسالة “الإسلام أو الطوفان” اقترح الأستاذ عبد السلام ياسين على الحسن الثاني ما سماه بـ”التوبة العمرية”، يعمل بواسطتها الملك على تصحيح وضعيته الشرعية، وعلى رد المظالم السياسية والاقتصادية. لكنه في “مذكرة إلى من يهمه الأمر”، والتي وجهها لمحمد السادس، اعتبر اقتراحه السابق حالما، ونصح ـ من بين ما نصح به الملك الجديد ـ بأن يرد الثروة القارونية التي ورثها عن أبيه للشعب وملكيتِه حتى يحل مشاكل البلد الاقتصادية، وأن يمتلك المقدرة والشجاعة على تدشين الإصلاح إذا أراد أن يرتقي مصاف عظماء الرجال.

لكن يبقى أهم اقتراح تطرحه، ولا تمل من الدعوة إليه، هو ما تسميه بـ”الميثاق”؛ فإذا كانت الجماعة لا تُخفي أن غايتها السياسية والمجتمعية الاستراتيجية هي العمل الطويل الأمد على الإعداد الهادئ وتهيِئة الظروف لما تَسِمُهُ بـ”عودة الخلافة”، فإنها، وفي نفس الوقت، منشغلة جدا بالعمل على مد جسور الحوار والتواصل مع باقي الفرقاء السياسيين من أجل نسج ميثاق يهدف أولا إلى “إعادة الاعتبار للسياسة” باعتبارها قاطرة الإصلاح المجتمعي، وهذا يبدوا جليا في كل الكتابات السياسية للأستاذ ياسين، وكذا في كل البيانات والتصريحات التي تصدر عن هيئات الجماعة ومسؤوليها.

لكن، إذا كان الوضع المغربي بهذه الدرجة من السوداوية والقتامة، وإذا كانت كل المقترحات التي قدمتها بقيَتْ ـ لحد الآن ـ حبرا على ورق دون استجابة، فما الذي يمنع الجماعة من النزول إلى الشارع لـ “تأزيم الوضع وتفجيره”، واستعمال كل قوتها الشعبية والاقتحامية للضغط على النظام حتى تحقق مطالبها، التي هي في الأصل مطالب الشعب، في العدل والكرامة والحرية ودولة الحق والقانون، مادامت تمتلك من القوة ما تصف به نفسها؟

2

مما لا شك فيه أن الجماعة تشارك في الشأن العام باحترافية كبيرة؛ فهي ـ باعتراف خصومها ـ مُعارضَة شرسة، و”ضمير مجتمعي” متوقد، لكنها أيضا تشتغل بـ”براغماتية” نادرة، ويبدو ذلك جليا في قدرتها ـ مثلا ـ على تبرير بعض المواقف التي تبدو للمراقب تراجعا أمام ضغط السلطة، إنها تمارس السياسة وعينها على المتغيرات الإقليمية والدولية، وخطابها يتراوح بين الإقدام والإحجام تبعا لهذه المتغيرات.

وعلى هذا الأساس هي واعية بأن الواقع العربي يقدم المغرب الآن كـ “نموذج للاستقرار السياسي” وكيفية إدارة الخلاف، وهذا ما نقرؤه عند الكثير من المشارقة، وخذ مثلا على ذلك مقال الصحفي المصري وائل قنديل المعنون بـ “التنظيم الدولي للثورات المضادة”، الذي اعتبر فيه المغرب يعيش “ثورة هادئة” بدأت قبل هبوب رياح “الربيع العربي”، بل إنه ذهب بعيدا حين أكد أن “التجربة الديمقراطية في المغرب” تواجه “تحرشاً”، تقوده فلول الثورة المضادة في وسائل إعلام تمهد للانقلاب على “الربيع المغربي الصامت”. وهاهو سفير تونس يشير إلى أن الملك محمد السادس بدأ هذه الثورة منذ 1999، وبالتالي فإن “الإصلاحات” التي يعرفها المغرب هي وليدة خطة واستراتيجية وليست “استجابة” لضغوط الحراك الشعبي.

وهي مؤمنة كذلك أن الغرب و”حلفاؤه” من الأنظمة العربية يريدون الآن تقديم صورة نمطية للإسلاميين، بحيث يصبحون كلهم “دواعش” مما يسهل “شيطنتهم” ومن ثم تبرير عملية قمعهم وإقصائهم. بل إنهم يعملون جهدهم على تقديم الإسلام باعتباره دينا “مُفرٍّخا” لـ”لإرهاب” وحاضنا له.

وهي متفطِّنة إلى أن إفشال “الربيع العربي” كان الهدف الأكبر منه إرسال رسائل مضمونة للشعوب بأن “تصبر” و”تتعايش” مع الظلم والاستبداد والتبعية والتخلف ما دامت الأنظمة الحاكمة تحقق “الأمن”، وأن تفهم أن الثورة لا تنتج إلا الفتنة والقتل والتهجير والجوع والاغتصاب. أما الديمقراطية فهو أمر مؤجل إلى غير أجل!

وهي مدركة أن المغرب تحتوي بنيته المجتمعية على “نوع من القابلية للاقتتال الداخلي” بين مكونات المجتمع، وهذا نتيجة لسوء إدارة السلطة لـ”التنوع المغربي”؛ فسكان الريف يسكنهم حقد دفين على النظام جراء موقفه السيئ من البطل المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، وكذا مما فعله بهم في أحداث 1958، وما استتبع ذلك من احتقار وتهميش. والصحراويون ـ حسب “مذكرة إلى من يهمه الأمر” تم إخضاعهم بالقوة أو الحيلة، وهم ذوو الأنفة والإباء، للمراسيم المخزنية، مما أصاب عزتهم بجرح غائر، أضف إلى ذلك القمع الوحشي الذي يمارس عليهم بين الفينة والأخرى. وواعية أن النظام يحسن اللعب بورقة تخوف الناس من هذا المآل الذي يرون نموذجا له في سوريا وليبيا. وجزء من مثقفي الأمازيغ يعتبرون العرب دخلاء مستعمرين، يجب إقصاؤهم هم ودينهم ولغتهم.

3

في مقال سابق، والمعنون بـ”جماعة العدل والإحسان: كيف يتأتى الانتقال وبأقل الخسائر؟”، كنا قد أشرنا إلى أن الذي يقرأ أدبيات الجماعة ويتابع فعلها، يخرج بنتيجة مفادها أنها لا يمكن أبدا أن تدفع في اتجاه يُشمُّ فيه رائحة العنف والاقتتال المفضي إلى التدخل الخارجي، كما هو واقع الحال العربي، من أجل ذلك نراها في كثير من الوقائع تنحني في وجه العاصفة لتعود أقوى مما كانت. فيجب ألا ننسى أن الجماعة تقدم نفسها باعتبارها “دعوة أولا”، والسياسة جزء فقط من اهتماماتها، وهذا يفرض عليها أن تتعامل بمنطق تسميه “منطق الدعوة” المختلف تماما عن “منطق الساحة”، وعليه فـ”الحكمة والرحمة” عنصران مركزيان في تصورها، وعلى المتتبع أن يعي هذا ويتعامل معها على هذا الأساس.

وعليه، فهي تتبع استراتيجية “سباق المسافات الطويلة” في تدافعها السياسي، وهذا ما يسمّيه خصومها السياسيون بـ”الانتظارية”. وهنا يُطرح سؤال: لماذا يصرُّ البعض على دفع الجماعة وتشجيعها للدخول إلى “اللعبة السياسية” بشروط مخزنية هم أول من يعلمون بأنها مذلة؟ ما هي الضمانات التي يمكن أن يقدمها هؤلاء للجماعة حتى لا تتكرر معها تجربة “الاتحاد الاشتراكي” و”العدالة والتنمية”؟

جزء من الجواب نجده في تصريحات بعض أبناء الجماعة حين يتحدثون على أن الذين يدفعون الجماعة إلى “المشاركة السياسية من الداخل” يريدون ـ بشكل أو بآخرـ أن يفقدوها زخم شعبيتها، ومن ثم جعلها “تنتظم” في سلك “أغلبية أو معارضة صاحب الجلالة”، وهذا ما أثبتته التجربة؛ ذلك أنهم يؤكدون أن كل الذين راهنوا على “الإصلاح من الداخل” انتهوا في نهاية المطاف إلى خَدَمٍ خُلَّصٍ للمخزن.

4

ومع ذلك، فالذي يتابع أدبيات الجماعة وفعلها السياسي يخرج باقتناع بأن خطابها السياسي قد تطور كثيرا في اتجاه ما يسمى بـ”الواقعية السياسية”، إلى درجة تبدو لي فيها أنها أصبحت اليوم مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة إذا أحست أن باقي الفرقاء والفاعلين يمتلكون إرادة حقيقية للإصلاح. وفي هذا الاتجاه يتساءل بعض أعضاء الجماعة بحرقة عن مطالب باقي الأطراف السياسية المغربية حتى يقتنعوا بأن الجماعة لا تريد إلا الخير لهذا البلد ولكل مكوناته، وأن دعوتها للحوار ليس بحثا عن مشروعية مفقودة، كما يتصور البعض، وأنها لا تطمح للهيمنة، فخطابها وتجربتها كافيان للحكم على نيتها، كما يؤكدون.

5

الواقع المغربي بمعايير “التنمية البشرية الدولية” هشٌّ بالفعل، وقد ينتقل في أي لحظة إلى مستوى “الكارثية”، والسؤال عن سبب امتناع الجماعة عن الدفع في اتجاه “تفجير” الوضع له ما يبرره، خاصة وأنها ما برحت منذ نشأتها تنذر بقرب وقوع الكارثة والطوفان.

الجواب نقرأ عناوينه الكبرى في مآلات الثورات العربية؛ ذلك أنها تؤمن ـ شأن الجميع ـ بأن الوضع الحالي في المغرب أحسن بكثير مما يقع الآن في بعض دول “الربيع العربي” بعد الانقلاب على الثورات .فالجماعة أكيد أنها تريد وتطمح لإعادة بناء الدولة في المغرب على أسس مغايرة، لكنها ـ كما يبدو لي ـ غير مستعدة مطلقا كي تتحمل مسؤولية “تدشين” طريق يبدو مؤثثا بالعنف والتقتيل والتشريد والاغتصابات، من أجل ذلك نراها “تتعايش” مع واقع تتمنى سنوح فرصة لتغييره، لكن ـ وهذا ما تأكَّد لها تماما من خلال “الدرس المصري” ـ لن تذهب لوحدها في طلب هذه الفرصة، لأن ذلك ليس من مصلحتها ولا من مصلحة الوطن، وبالتالي فمنطقها الدعوي الذي يجعلها تتخوف من “انفجار البلد” يحتم عليها الآن التهدئة واتباع استراتيجية مرحلية عنوانها: يمكن أن نسكت عن بعض الحق، ولكن لا يمكن أن نقول باطلا).