أجرى موقع النقابة كم حوارا مع الأستاذ رشيد بوصيري، مسؤول القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان، حول العديد من القضايا النقابية والاجتماعية والسياسية الآنية، نعيد نشره تعميما للفائدة:

جاء موقف القطاع متأخرا بعض الشيء مما جعل الأسئلة والقراءات تتعدد، يا ترى ما سبب هذا التأخر في الإعلان عن موقفكم من قرار رئيس الحكومة بخصوص المرسوم؟

في البداية اسمحوا لي أن أنوه بموقعكم “النقابة.كوم”، الذي أخذ مكانه في الإعلام الرقمي بما يقدمه من خدمات متميزة للممارسين والمتابعين للشأن النقابي، فتحية خالصة لكم ولزواركم الكرام.

أما عن سؤالكم فنقول: مسألة الوقت مسألة نسبية، فنحن أصحاب أفعال وليس انفعالات؛ أما المرسوم بقانون، موضوع سؤالكم، والذي صدر عن الحكومة بالاستناد إلى الفصل 81 من الدستور، فهناك من قرأه بسرعة ليفهم أنه تمديد لسِن “التقاعد القانوني” في حق كل موظفي القطاع العام وأجراء المؤسسات العمومية، وهذا ما أعطى للحكومة وسائل إقناع جديدة بأنها ضحية التشويش المتعمد… ليتم تجاوز مظلومية الآلاف من نساء ورجال التربية والتعليم والبحث العلمي الذين مُنعوا من حقهم في التقاعد وسط زحمة الفهم والتحليل لقرار الحكومة.

توجهتم في بيانكم الأخير إلى الحكومة وإلى المخزن ما دواعي التمييز والفصل بينهما؟

الكل أصبح مقتنعا أن الحكومة لا تحكم، ولا قرار لها في السياسات الاستراتيجية للبلاد كما الحكومات السابقة، وملف صناديق التقاعد واحد من الملفات القطاعية الحارقة التي يدبرها الحكم على مراحل وعينه على مستوى اليقظة الشعبية؛ في نهاية 2003 – بعد أحداث الدار البيضاء- تقرر الحسم في مدونة الشغل التي عرفت تعثرات طويلة، ثم انتقلت حكومة “ما بعد التناوب” إلى السرعة القصوى في إطلاق القرارات الكامنة التي كانت تحتاج فقط للمثيرات- Stimulants-السياسية لذلك، سيكون آنذاك ملف التقاعد في وضعية مناسبة “للإصلاح”، أي دفع فاتورة الاختلالات من جيوب الموظفين، حيث عمدت حكومة السيد جطو، الذي أصبح اليوم على رأس المجلس الأعلى للحسابات، إلى رفع اقتطاعات المنخرطين من 7 إلى 10 في المائة دون ضمانات بالتزام الدولة باسترجاع ما بذمتها للصندوق المغربي للتقاعد منذ 1957 إلى 1996.

ثم انفجرت الأزمة المالية في 2008 وبدأ النظام يبحث عن بعض المسكنات خوفا من العدوى، فكان أن صادقت لجان ومجالس البرلمان بغرفتيه في مدة 8 أيام فقط من شهر يوليوز 2008 على رفع الحد الأدنى للمعاش من 500 درهم إلى 600 درهم. لكن لما انطلق الحراك المغربي كانت مدة 24 يوما من شهر شتنبر 2011 كافية ليصادق البرلمان بإجماع المستشارين وأغلبية النواب على رفع الحد الأدنى إلى 1000 درهم. لكن المسلسل التراجعي الرهيب الذي قرره الحكم بعد 2012 والذي تقوم الحكومة الحالية بتنفيذه استنادا إلى رصيد وهمي سيتبخر عند ساعة الجد؛ يوشك هذا المسلسل أن يضع الشعب أمام خيارين: مزيدا من التفقير أو مزيدا من القمع. هذا التوصيف لا يعفي الحكومة من المسؤولية الأخلاقية والتاريخية، خاصة وأنها باتت تفهم اللعبة التي انخرطت فيها عن رغبة ذاتية.

ما موقعكم كنقابة من الإعراب في الحراك الاجتماعي خاصة ملف التقاعد والزيادات المتتالية في الأسعار هل إصدار البيانات مع التنديد والشجب يكفي؟

لسنا نقابة بالمفهوم التقليدي للمصطلح، إنما نحن نقابيون ونقابيات نشتغل في الإطارات التي تتفق مع مبادئنا، بدوافع إيمانية واضحة: الأمر بالمعروف، وأكبر معروف: العدل؛ والنهي عن المنكر، وأعظم منكر: الظلم؛ نحترم التعاقد الذي يجمعنا مع الإطارات النقابية التي نناضل معها في الميدان؛ ونساهم بقوتنا الاقتراحية في تطوير الممارسة الاجتماعية وإحياء الثقة في العمل النقابي التشاركي الذي يمكنه، دون غيره، أن يجابه المسلسل التراجعي الرهيب الذي بدأ قبل ملف التقاعد ولن يتوقف عنده.

هل ستشاركون في الإضراب الوطني الذي تم الإعلان عنه؟ وهل من أشكال نضالية تقترحونها كقطاع نقابي للتصدي للقرارات الجائرة التي تمررها الحكومة؟

طبيعي أن نشارك لأن ذلك من مقتضيات تعاقد نقابيينا ونقابياتنا مع الإطارات التي يشتغلون معها في الميدان، لكننا نؤكد في نفس الوقت أن الإضرابات المشتتة لن تجدي نفعا، ولن يكون لها من أثر سوى تعميق التمزق المهني والنقابي على السواء. فعندما يُضرِب إطار نقابي ويمتنع آخر يتشتت الهدف المطلبي من الإضراب ويتم تناسي الخصم الاجتماعي وسط الاتهامات المتبادلة بالتخوين والعمالة وسط نفس القطاع أو الوَحَدة المهنية والعمالية، وبذلك نساهم بفعالية في عدم تحقيق المطالب التي بسببها تم إعلان الإضراب، ونكون بذلك بإزاء عوامل الضبط الذاتية -éléments d’auto-régulation- التي تفوت على الفاعلين العماليين كل إمكانية للتحرر من قبضة الفساد والاستبداد.

الدعوة إلى توحيد الجهود وتشكيل جبهة نقابية هي دعوة قديمة حديثة ما هي الخطوات العملية التي قمتم بها في هذا الاتجاه، أي هل وضع القطاع النقابي ميثاق شرف للعمل الموحد أم هذا مجرد أمنيات رومانسية؟

ليس ميثاق الشرف هو العقبة، إنما العقبة هي صدق النية والإرادة. الجبهة النقابية التي ندعو إليها ليست نزهة في الحقل النقابي، ولا هي توافقات سياسوية بغطاء حزبي يفكر أصحابه في الفيء السياسي قبل إنجاز النصر. كثيرة هي التجارب التحررية التي وُصفت في بداياتها، بدوافع الشك أو الاحتقار، بـ”الأمنيات الرومانسية” هي اليوم تصورات، بل نظريات مكتملة تدرس في المعاهد العليا ومراكز علوم السياسة والاجتماع. لا نستعجل، لأن الوقت هو بمثابة متغيرٍ لا يستفزنا، ونعمل بجدّ وتوكل على الله لكي تصبح الجبهة النقابية حاجة ملحة وضرورة استراتيجية سنصل إليها -بإذن الله- بدوافع التوعية التي نمارسها مع بعض الفضلاء، أو بدوافع الصدمات التي تصيب الأمة لتخرج إلى واجبات العدل ونصرة المظلوم.