شهدت الأيام الأخيرة متغيرات كثيرة وهامة يتوقع أن يكون لها أثر كبير في مستقبل “الوطن العربي”، وقد تغير من المعادلات الإقليمية والعالمية خصوصا بعد ما يسمى بالربيع العربي وما تلته من تطورات هامة إن على المستوى السياسي أو العسكري أو الجغرافي، فقد وئدت “الثورة العربية” في سوريا والعراق وليبيا وتم الانقلاب العسكري في مصر على “الشرعية السياسية” حسب تعبير الرئيس المنقلب عليه محمد مرسي بنجاح، بعده أعلن العدوان على غزة الأبية فيما سمي عسكريا بعملية “الجرف الصامد” والتي قوبلت من طرف كتائب القسام بمعركة “العصف المأكول”، بالإضافة إلى الحدث الأبرز والمثير وهو ظهور ما يسمى ب”داعش” وما أثارته من نقاشات وتأويلات فيما يخص ماهية التنظيم، والجهات التي تدعمه وتموله وكذا أهدافه الدقيقة بمنطقة “الشرق الأوسط الكبير”، أيضا ما تشهده المنطقة من تنامي ظاهرة الطائفية شيعي/سني، وما تلاه من تحريك أقليات وإثارة نقاش حولها من قبيل الطائفة “اليزيدية” وغيرها. مع كل هذا نتساءل:

ما مدى تأثير هذه المتغيرات على المنطقة العربية الإسلامية؟ وما الأفق الاستراتيجي لكل ما يقع من أحداث جليلة قد تقلب المنطقة رأسا على عقب؟

سنحاول أن نجيب ما استطعنا عن هذه الأسئلة معتمدين نماذج وحالات لأقطار عربية دالة على ما استفسرنا حوله.

حــالة مصر

تبعا للتطورات التي شهدتها مصر بعد الثورة وما تبعها من مخاض أسفر عن الانقلاب العسكري، والإطاحة بأول رئيس مدني في تاريخ مصر يمكن القول بأن الحالة المصرية حالة دالة على تغير قواعد الصراع الإقليمي والدولي على منطقة “الشرق الأوسط”، طبعا الانقلاب العسكري يدخل ضمن حسابات إقليمية ودولية وهدا ما تبين أياما من إعلانه، فالانقلاب باركته إسرائيل علنا من خلال قنواتها التلفزية وتصريح بعض زعمائها العسكريين والسياسيين، وهذا مؤشر واضح وقوي على أن الاستراتيجية المتبعة في مصر ناجحة باعتبار ما قلناه سابقا خصوصا تكشف الانحياز غير المباشر لمصلحة إسرائيل (المبادرة المصرية نموذجا)، وكشفت الحالة المصرية أيضا عن اللاعبين الحقيقين في المنطقة على اعتبار مركزيتها في الوطن العربي الإسلامي.

حــالة سوريا

استعصت الحالة السورية على كثير من المتتبعين لما يقع، بسبب تحول البلد من صراع بين الشعب السوري وبين النظام القائم إلى أرض لمعركة طاحنة – سياسيا وعسكريا وفكريا – أشبه ما تكون بحرب عالمية ثالثة تشارك فيها جميع القوى العالمية بدءا من روسيا وأمريكا والصين، وما يتبعها من أحلاف ومصالح يدخل فيها القريب والبعيد من الدول العربية. تبعا لهدا الغموض الذي يلف الحالة السورية فقد بدأت الأمور تتعقد بظهور “داعش” وسيطرتها على مساحات مهمة من الأراضي السورية تحت استحياء قوات النظام السوري – علما أنه يحارب بشراسة باقي فصائل المقاومة السورية وينجح في إضعافها أحيانا كثيرة – لهذه الأسباب يبدو أن تعقيدات الصراع الإمبريالي العالمي على المنطقة العربية قد كشفته الحالة السورية بوضوح.

حـالة العراق

مند احتلال العراق الأمريكي والأمور السياسية ليست مستقرة – الانتخابات مثلا – والأوضاع الاجتماعية تتفاقم، لكن ما يميز الحالة العراقية أنها هي الأخرى معقدة وغير متكشفة للمتتبعين خاصة إذا لاحظنا أن العراق استعملت فيه نزعة “الطائفية ” اللعينة وهو ما أثر سلبا على استقرار البلد بعد الإطاحة بنظام صدام حسين من طرف الأمريكان، وقد بلغت الأمور شأوا بعيدا في الخطورة إذ أصبح الصراع المفتعل بين السنة والشيعة ظاهرا ومباشرا وهذا يدل على أن وصفة “سني/شيعي باتت سلاحا فتاكا بيد المخابرات الأمريكية في المنطقة – انظر مثلا انتفاضة الحوثيين الشيعة في اليمن – وقد تشهد الأيام المقبلة تطورات بالغة الخطورة خاصة بعد تنامي هجوم تنظيمات شيعية مسلحة على السنة في العراق – قتل 72مصليا في مسجد للسنة في هذا الأسبوع – وهذا يدفعنا للتساؤل أي الخيارات ستحل الأزمة في العراق.. أهي المقاومة المسلحة أم خيار اللعبة الديموقراطية؟

حـالة فلسطين

تبقى القضية الفلسطينية هي أم القضايا العربية الإسلامية التي استعصت على الحل، فمنذ إعلان “الدولة اليهودية” سنة 1948 على أرض فلسطين والقضية تتنامى وتتطور إلى ما نشاهده الآن من عدوان إسرائيلي على الفلسطينيين في غزة، وهذا العدوان حدث – كما يعلم الجميع – تبعا لتغير موازين السياسة والمصالح في المنطقة نحو القضاء على كل ما من شأنه أن يعطل الاستراتيجية الكبرى المرسومة لمنطقة “الشرق الأوسط الكبير”، وبالنظر إلى محورية الحالة الفلسطينية في المنطقة العربية فإن القوى المتحكمة في قواعد اللعبة في المنطقة قد أعلنت بعدوانها الوحشي على الأبرياء والعزل والمدنيين في غزة على اتجاه ومسار الأهداف المرسومة من قبلها وهي ضرب ما تبقى من كرامة العرب والمسلمين وتزعزع أملهم في التحرر والانعتاق من ربقة التبعية والإمبريالية العالمية ممثلا في المقاومة الفلسطينية. من هنا نتساءل: هل سيكون خيار المقاومة هو الرابح أخيرا؟ أم سيكون “الصمود التاريخي” الفلسطيني هو الصخرة التي سيتكسر عليها “حلم الشرق الأوسطي الكبير”؟ وهل ستحقق المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع العدو الإسرائيلي ما يتحرر به الاقصى المبارك؟ وهل ستكون “معركة فلسطين” هي الثورة الأخيرة التي سيخوضها العرب؟

خـــتاما

بالنظر إلى تشعب الموضوع وتعقيده، فإن خلاصاتنا لا تعدو أن تكون تكهنات وافتراضات لما ستؤول إليه الأوضاع في المنطقة العربية خصوصا بعد تعالي بعض الأصوات الغربية التي تكهنت بانهيار “الدولة العربية”، وهذا يدل أولا على اتساع رقعة تحليل هذا الموضوع في الغرب، أيضا لم تعد الأطماع الاستعمارية مقتصرة على الغرب وحده بل تعدته إلى أطماع إيران التوسعية في المنطقة وطموحها لتحقيق حلم الدولة الفارسية الكبرى والتي تطال حدودها عددا من الدول العربية، بالإضافة إلى تنامي الحضور التركي المتزايد في القضايا الإسلامية – العربية، فهل ستكون تركيا هي الأخرى بلدا آخر سينخرط في تحريك خيوط اللعبة في المنطقة؟ أم إنها ستكون محرك النهضة في الوطن العربي؟ وأخيرا فالأيام القادمة ستكشف أكثر عن ما كان غامضا ومشكلا فيما يتعلق بقضيتنا موضوع المقالة.