عانت غزة لسنوات حروبا ومجازر ظالمة، وفي كل حرب أو مجزرة كان الصهاينة يقصدون من وراء اعتداءاتهم تحقيق هدف أساس يلخص مجمل الأهداف المعلنة وغير المعلنة من قبل القيادة السياسية والعسكرية للكيان الإسرائيلي، إنه القضاء على المقاومة الفلسطينية بكل أشكالها وتلاوينها واستئصال شأفتها، بدءا بضرب قدراتها القتالية ثم قتل روحها التي باتت تسري في الشعب الفلسطيني، وصولا إلى القضاء على النفس المقاوم والأداء السياسي المتميز لحكومة حركة حماس التي اختارت الانحياز إلى خيار المقاومة بعد انتخابها من أغلبية الشعب الفلسطيني، والتي شكلت أول حكومة حاضنة ومنافحة عن المقاومة وعن حقوق شعب يعيش تحت الاحتلال، وأولها حقه في المقاومة المسلحة وطرد الاحتلال عن أرضه، هذا الحق الذي تكفله كافة الشرائع القانونية، وهو الأمر الذي لم يطقه الكيان الصهيوني ولم يقدر على تحمله فخاض حروبا شاملة على قطاع غزة بهدف معاقبة الفلسطينيين ابتداء على اختيارهم الحر لحكومة متبنية ومنحازة بشكل واضح لخيار المقاومة، ومعبرة عن عمق الشارع الفلسطيني وخياراته الاستراتيجية، فبدأت الآلة الحربية الإسرائيلية تسعى جاهدة إلى قتل روح المقاومة التي بدأت تسري من جديد في جسم المجتمع الفلسطيني الغزي بشكل منقطع النظير، بعد أن ظن الكيان الصهيوني أنه تم استئصالها وشطبها من وعي وذاكرة أغلب الفلسطينيين عبر معارك كي الوعي الفلسطيني وخيارات التسوية والتنسيق الأمني. هذه الخيارات التي استطاع العدو ومعه قوى دولية وإقليمية أن يستقطب إليها ويروض طيفا من النخبة السياسية الفلسطينية وخاصة القيادات الفتحاوية التي اختارت مسار التفاوض والتنازلات، وجعلته مسارا ومسلكا وحيدا بديلا عن مسار المقاومة والكفاح المسلح لإنهاء الاحتلال، تشبث فيه المفاوض الفلسطيني بسراب شعارات يضعها الراعي الأمريكي الأوروبي لكل مرحلة من قبيل: غزة أريحا أولا، الأرض مقابل السلام، حل الدولتين… وهي شعارات ومسارات حققت لإسرائيل سلاما لبعض الوقت وحققت لها تنسيقا أمنيا ومزيدا من مشاريع الاستيطان، لكنها لم تحقق يوما للفلسطينيين أرضا ولاحمت عرضا، ولا سمحت بعودة ولا إطلاق سراح سجناء بل لم تحقق شيئا أصلا.

لقد ثبت بالملموس للكيان الصهيوني طيلة الحروب العسكرية والدبلوماسية التي خاضها للقضاء على المقاومة الفلسطينية وحكومتها خاصة في معركتي الفرقان وحجارة السجيل بأن بيئة غزة بعد كل معركة تغدو بيئة مقاومة أكثر من أي وقت مضى بسبب صبر الشعب الفلسطيني المحتلة أرضه، المسجون رجالاته، المضيق على حريته، المشرد أبناؤه في الشتات ومخيمات اللجوء على تكاليف النصر، واستعداده لتأدية فاتورة تحرر إرادته وتحرير وطنه، مهما كانت مرتفعة، فكانت معركتا الفرقان وحجارة السجيل ـ كما أراد لهما العدو الصهيوني ـ حربين شاملتين بما للكلمة من معنى في العلوم العسكرية استعملت فيهما كل الوسائل: العسكرية والمخابراتية والدبلوماسية والإعلامية وحتى الاقتصادية، بحيث لم يترك العدو الصهيوني خيارا إلا سلكه من أجل إجهاض وإفشال حكومة حماس الحاضنة للمقاومة وخنقها اقتصاديا من جهة، وتجويع أهل غزة ضريبة اختيارهم الحر المستقل من جهة ثانية، إلا أن كل الأهداف التي سطرتها وخططت لها إسرائيل في المعركتين السابقتين لم تكن كافية لتحقق للاحتلال مراده للنيل من عزيمة وإصرار الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة أو النيل من صلابة وإصرار قياداته السياسية الأمينة على قضاياه. فبدأ يخطط من جديد بتنسيق مع أطراف إقليمية وعربية رسمية أبرزها الطرف المصري الذي تحول من عمق قومي استراتيجي للشعب الفلسطيني وللقضية الفلسطينية أثناء معركة حجارة السجيل فترة حكم الدكتور محمد مرسي، إلى طرف مساهم إلى جانب العدو الصهيوني في التضييق على سكان قطاع غزة عبر مسلسل التجويع والحصار الاقتصادي، والتعاون المخابراتي مع العدو الصهيوني عهد الحاكم العسكري عبد الفتاح السيسي، فكان أبرز أوجه انحياز الجار المصري إلى الجانب الصهيوني إغلاقه لمعبر رفح في أحلك الظروف التي واجهها ويواجهها قطاع غزة، وذلك بقيامه بحملة منظمة لهدم الأنفاق، شريان الحياة الوحيد الذي يتنفس منه الشعب الفلسطيني الصعداء وتصل منه لقمة العيش وعلبة الدواء وحليب الأطفال وكيس الإسمنت لمنكوبي عوائل غزة ومرضاها وأطفالها بعد جهد وعناء.

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند 1 فاظلم كما شئـت لا أرجـوك مرحمـة *** إنـا إلـى الله يـوم الحشـر نحتكـم 2

فجوع الكيان الصهيوني ومعه النظام المصري الشعب الفلسطيني الغزاوي ليركع، وطوعاه ليستسلم أو في أحسن الأحوال ليتبرأ من حكومة “جرت عليه الويلات”، لكن في كل مرة جرت الرياح بما لا تشتهيه سفن الصهاينة وأعوانهم، فظلت غزة هي غزة عصية على الاستسلام وانكسار الإرادة أو الخضوع لشروط العدو، وأسقطت بثباتها كل السيناريوهات التي رسمها الاحتلال لتصفية القضية الفلسطينية انطلاقا من غزة، بل كانت غزة في كل مرة تقاوم شروط الواقع المأزوم والمعادلات المقلوبة التي يحاول أن يفرضها عليها الكيان الصهيوني وشركاؤه في المنطقة، فترتفع على كل هذا الواقع المفروض وتغالبه بل تتجاوزه لتصنع شروطا جديدة بفضل مقاومتها المسلحة التي كبدت اسرائيل هزائم نفسية وإعلامية، فضلا عن الخسائر العسكرية والدبلوماسية، والفشل ألاستخباري الذريع، لتفرض بفضل هذه الانتصارات ـ معادلات غير مألوفة في الصراع مع هذا الكيان وتفتح للشعب الفلسطيني أفقا استراتيجيا جديدا يخدم القضية الفلسطينية برمتها على المدى المتوسط والبعيد، في حربه التحررية مع محتل محكوم بأساطير مؤسسة لكيانه 3 ، مسكون بهاجس خرافة شعب الله المختار 4 العنصرية، التي زرعها في عقول كل مواطنيه، مبررا بها احتقاره لكل الأجناس البشرية من غير جنس اليهود ناعتا إياهم بالدونية وأوصاف الاحتقار، مستغلا أكذوبة اضطهاد الستة ملايين يهودي على يد النازيين 5 ، ليشرعن بها ظلمه وإبادته للفلسطينيين بل لشعوب المنطقة، فهو اعتمادا على خرافة رباعية الأبعاد (شعب الله المختار*، أرض الميعاد*، أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، محرقة الهولوكوست 6 ) التي تسكن نفسية كل يهودي صهيوني وتحكم تصرفاته، وجد لنفسه مبررا لقتل أي كان والتملص من كل التزام والتخلص من كل قيمة إنسانية أو شرائع أممية، فهو لا يحترم عهدا ولا يفي بميثاق ولا يعرف أخلاقا، ولا يعترف لأي إنسان بإنسانيته، لأنه بكل بساطة “شعب الله المختار”، له دين أبدي على شعوب الأرض كلها بسبب إبادة بضع مئات على يد الألمان، نفخ فيها دهاة الصهيونية ومنظروها ليوصلوها إلى ستة ملايين انسجاما مع نجمة داوود السداسية 7 ، ليصير الأمر “عقيدة” دينية تدين بها إسرائيل، و”دينا” لليهود على شعوب الأرض يصعب على العالم أن يؤديه أو يفي به مهما احتلت إسرائيل وقتلت إسرائيل وذبحت إسرائيل ودمرت، وأسرت واعتدت وحرقت وشردت… لأنها بكل بساطة “دولة” شعب الله المختار المدلل المستعلي، تستحق الصمت العربي الرسمي على مجازرها دينا أبديا يؤدي ثمنه الفلسطينيون من أرواحهم وأرضهم وعرضهم وثرواتهم، وتؤديه الشعوب العربية والإسلامية المستضعفة من مقدساتها ومقدراتها وإمكانات أبنائها، كما تؤدي ثمنه الدول الغربية الكبرى بدعمها المالي والدبلوماسي والتقني شيكا على بياض، وبين هذا الصمت العربي الرسمي إلى درجة الانحياز بل التواطؤ المعلن الذي تجاهر به وتفاخر إسرائيل، وذاك السخاء الغربي، الأمريكي خصوصا والدعم المنقطع النظير ملايير بغير حساب 8 ، تصل إلى أكثر من ثلاثة بلايين دولار سنويا كمبالغ معلنة، يتنافس فيها رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية لمخاطبة ود اللوبي الصهيوني الأمريكي واستمالة أصواته في المعارك الانتخابية، إضافة إلى السلاح الأمريكي الأوروبي أطنانا متفجرة على رؤوس سكان غزة من المدنيين العزل أطفالا ونساء وشيوخا وعجائز، أمام هذا كله لم يستوعب الدرس واللغة التي يفهمها كيان إسرائيل وتليق به ويحسب لها حسابها سوى المقاومة الفلسطينية، المستوعبة والخبيرة جيدا بالعقل الصهيوني المتعنت والنفسية الصهيونية المستعلية المستكبرة، التي لا تفهم ولا تريد أن تفهم إلا لغة واحدة هي لغة القوة، أو لغة الحراب بتعبير القائد عبد العزيز الرنتيسي رحمه الله 9 ، هذه اللغة، هي التي يستمع العدو الصهيوني إن أيقن أنها من ضمن الخيارات المطروحة عند الفلسطينيين، ولذلك تعلم الشعب الفلسطيني مع هذا الكيان طيلة ستة وستين عاما من الاحتلال وأزيد من عشرين سنة من التفاوض العبثي درسا هاما وقاعدة استراتيجية ذهبية في كيفية إنهاء الاحتلال ألا وهي قاعدة القوة فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، ولا يفل الحديد إلا الحديد، وهو ما كشفته كل معارك الاحتلال السابقة على غزة خاصة الفرقان وحجارة السجيل، وحسمته وما زالت ترسي قواعده معركة العصف المأكول، التي نعتقد أنها أسست معادلات جديدة في الصراع، وأرست قواعد وخيارات بديلة عن الخيارات المألوفة في التعامل مع الكيان الصهيوني، ستنقل لاشك الإنسان الفلسطيني من موقع الضعف الذي حاول الكيان الصهيوني لسنين عبر ما يطلق عليه معارك العقول أن يزرعها في اللاوعي الجمعي الفلسطيني والعربي عموما، زارعا معها اليأس وفقدان الأمل في المواجهة وبالأحرى الانتصار على أسطورة “الجيش الذي لايقهر”، إلى موقع القوة والأمل في التحرر والاستقلال واسترجاع الثقة في القدرات والإمكانات الذاتية للشعب الفلسطيني بعد الثقة في نصر الله.

لقد نقلت المقاومة في معركة العصف المأكول وما قبلها الإنسان الفلسطيني ومعه الإنسان العربي المهزوم نفسيا منذ حروب النكسة والنكبة ولواحقها من حالة القنوط ورؤية النصر بعيد المنال إنهم يرونه بعيدا 10 قياسا إلى فارق العدة والعتاد المادي الذي لا يقارن بين صواريخ المقاومة التي وصفها منطق المفاوض المنهزم بالعبثية، وبين آلة الدمار الجهنمية التي يمتلكها العدو الصهيوني، إلى حالة تذوق طعم النصر وتأييدات الله والثقة في موعوده ونراه قريبا 11 ، ونصره وما النصر إلا من عند الله 12 ، لأن الحرب هي حرب تقنيات في مواجهة حرب إرادات، والتقنية مهما عظمت لن تكسر الإرادة، مهما كان الألم وكانت الجراح وكان النيل من الأموال والأنفس والثمرات، لأن المقاوم صاحب القضية العادلة إذا لم يهن ولم يتراجع عن القضية والمبدإ فهو المنتصر بغض النظر عن الثمن، والمحتل إذا لم يقض على المقاومة فهو المنهزم مهما أسرف في القتل والتدمير لأن قضية عادلة عدالة الأرض والسماء، للمقاوم فيها هدف في الأرض من خلال حق تحرير الوطن وهدف في السماء طلب الشهادة والقرب من الله تعالى، هذه الإرادة وهذا المنطق الإيماني العقلي لحساب الربح والخسارة تجسده لغة القرءان في قوله تعالى ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما 13 .


[1] من أشعار طرفة بن العبد في معلقته.\
[2] الشاعر السعودي طاهر زمخشري رحمه الله.\
[3] كتاب الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية للمفكر الفرنسي روجيه غارودي، مجموعة أساطير صهيونية عرضها جارودي على النحو التالي: (الأرض الموعودة لليهود في فلسطين؟ * اليهود شعب الله المختار؟ * أرض بلا شعب لشعب بلا أرض؟ * المحرقة النازية Holocaust ؟).\
[4] قصة (شعب الله المختار) هو إدعاء قام باختلاقه والترويج له زعماء الحركة الصهيونية مثل إسرائيل زانجويل وثيودور هيرتزل نتج عن هذا الإدعاء إحدى أهم الكوارث الإنسانية التي حدثت في القرن العشرين ألا وهو ترحيل الفلسطينيين.\
[5] (بالغ اليهود في ما تعرضوا له من محرقة على عهد هتلر عندما أوصلوها إلى ستة ملايين) المرجع نفسه: الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية.\
[6] المرجع نفسه.\
[7] المرجع نفسه.\
[8] صحيفة كريتسان ساينس منيتور الأمريكية ذائعة الصيت (تدعم الولايات المتحدة الأمريكية إسرائيل بمبلغ أكثر من ثلاثة بلايين دولار سنويا كمبالغ معلنة).\
[9] كلمة قالها عبد العزيز الرنتيسي في مهرجان خطابي بغزة قبيل اغتياله بصاروخ من طائرة أباتشي إسرائيلية في وسط غزة.\
[10] سورة المعارج الآية 5.\
[11] سورة المعارج الآية 5.\
[12] الأنفال آية 10.\
[13] سورة النساء الآية 104.\