1.

يعيش جزء كبير من الشعب الفلسطيني في معتقل كبير اسمه “غزَّة”، الحاكم فيه والمحكوم يذوق ويلات التجويع والترهيب من عدوٍّ عقديٍّ شرسٍ لا يرتاح أبدا أن يعيش بالقرب منه “آخر” له عمقٌ وحضور وحلم، ومن ثمَّ فالهدف الاستراتيجي لا يحيد عن أمرين: التفكيك التدريجي لبنيته العقدية والنفسية بما يجعله تابعا، ورقما جديدا في طابور العمالة الرخيصة، أو العمل على إنهاء وجوده وتصفيته. ولا يُخفي المنظِّرون الصهاينةُ ميلهم إلى الخيار الثاني؛ من أجل ذلك هم مقتنعون تماما أن “الجيش الإسرائيلي هو أفضل شارحٍ مفسِّرٍ للتوراة”؛ فتراهم كل مرّة يعلنون الحرب على الفلسطينيين المُمانعين على أمل أن يصيبوا منهم ذات يوم مقتلا.

لكن المعاناة في غزّة ـ بالخصوص ـ طالت، والغزّاويّون يرون إخوانهم في البلاد العربية، وحتى في الضفة الغربية، يعيشون حياتهم ويبنون مستقبل أبنائهم، وهم، في المقابل، لا يكادون يجدون قوت يومهم، فلماذا لا ينتفضون في وجه “حماس” الحاكمة في غزة، وضد إطلاق ما يسميه الكثير “صواريخ عبثية”، ويطالبون بتركهم يعيشون بأمن وسلام؟

المقال التالي محاولة لملامسة الجواب عن سؤال مفاده: ما الذي يدفع أُناسا يعلنون على الملأ، وبمحض إرادتهم، أنهم “يشرِّفهم أن يكونوا درعا للمقاومة”، بل ويمارسون ذلك بافتخار، ردًّا على اتهامات صهيونية لـفصائل المقاومة ـ وخاصة حماس ـ بأنها تتخذ من المواطنين دروعا بشرية؟

2.

عندما تشتعل الحروب يكون الهدف الرئيسيُّ والعميق من ورائها هو محاولة تكسير كل طرف إرادة الآخر، عندها، وعندها فقط، يمكن إعلان الهزيمة الحقيقية، ويبدأ التحول: استتباعا للغالب وتقليدا له، والمعيار المُعوَّلُ عليه في قياس مدى بلوغ الهزيمة هذا الحدّ ليس مواقفَ الدولة الرسمية وتصريحات مسؤوليها، بل شعور عامة الناس وإحساسهم النفسي بـ “انهيار النموذج المجتمعي” الذي يؤمنون به، في حين أن قوة المقاومة تقاس بمدى القدرة على الصمود أمام دعوات الاستسلام للمنتصر تحت شعار “الواقعية”، وعدم القدرة على التحدي. وكُتب التاريخ تَعُجُّ بتجارب أمم وشعوب انهزمت عسكريا ولكنها أَبَتِ الاِنكسار، ورفضت أن تَنْبَطِحَ لغالبها، وقامت تعيد بناء نفسها بإرادة أقوى، وفي هذه الحالة تكون استجابتها على قدر التحدي الذي واجهها، وفي بعض الأحيان ـ كما الحالة الفلسطينية ـ تكون بمنطق لا يفهمه خصمها.

3.

مناسبة هذا الكلام ما شاهدناه وسمعناه من مواقفَ وتصريحاتِ أبناء غزة وبناتها وهم تحت القصف يحملون جثمان أبنائهم وأهليهم المستشهدين؛ الغريب أنني لم يسبق أن سمعت ولو غزّاويّا واحدا يَتَمَلْمَلُ في تصريحاته أو يشكو المقاومة أو يدعو لوقف الحرب للعيش بسلام، أو لوقف ما يسميه بعض العرب بـ”الصواريخ العبثية”، كلهم ـ وحتى أولئك الذين تستجوبهم قنوات محسوبة على أنظمة تأكّد كرهها للمقاومة ـ يعبرون عن إيمانهم العميق بجدوى الصمود، وأن النصر حليفهم في المستقبل.

ومثال ذلك ما سمعناه من أم الشهيدة وداد عصفورة زوجة محمد الضيف قائد كتائب القسّام وهي تقول: أعبِّر بكل فخر واعتزاز وكبرياء وشموخ لأني إذا لم أضحِّ أنا وأولادي كيف للوطن أن يتحرر؟ فلا نقول إلا ما يرضي ربنا فـ “إنا لله وإنا له راجعون”. زوَّجتُه ابنتي وأنا واعية بأنها يمكن أن تُلاقي هذا المصير. لا يمكن أن أَضِنَّ عليه بابنتي، فهي ليست أغلى منه، كلنا فداه، فدًا لشَعرةٍ واحدة من رأسه، يكفي أنه رفع رأس الوطن، نرجو أن يمُدَّ الله في عمره حتى يُحرِّر كل حبَّة رمل من فلسطين. أقول للعالم الذي يتفرج علينا: عوض أن تهتموا بحقوق الحيوان، اِلْتفتوا أولا لحقوق الإنسان. هل يجب أن نذبح حتى نأخذ حقوقنا؟! كل هذا الشعب مُستهان به، ليس له قيمة. نحن ندافع عن حقوقنا الطبيعية التي تتمتع بها كل شعوب العالم).

أما أختها فقد عبرت عن فرحتها الكبيرة باستشهاد أختها، وصرحت قائلة: كلنا فداء للمقاومة، سنقاوم لآخر إنسان فينا؛ صحيح أننا اليوم نموت، ولكن في نهاية المطاف سنروح إلى القدس).

وقد أكد أحد الفلسطينيين كلامها حين أشار إلى أنهم في غزة لم يخسروا الدماء التي أريقت، فدماء الشهداء تُنبِت نصراً بإذن الله، لكنه عبَّر بحزن كبير عن الخسارة النفسية الكبيرة جرَّاء الكلمات المريحة التي سمعها الصهاينة من بعض العرب.

وتوقَّف آخر عند النِّعم الكثيرة التي يتضمنها البلاء، ونبّه إلى أن حصار غزة أرْخَصَ في نفوس أهلها الحياةَ ونزعةَ الرُّكون إلى الدنيا، وأكَّد أن الأمة التي تمتلك هذا السلاح هي الغالبة لا محالة.

4.

هذا هو مصدر قوة “المقاومة الغزاوية”؛ إنها تعيش في عزِّ “حاضنةً اجتماعيةً” كبيرة تكاد تغطي كل سكان القطاع؛ أي الناس هناك يحسون بالانتماء النفسي والعاطفي للمقاومة، دون أن يكونوا بالضرورة أعضاء في التنظيمات، فتراهم مقتنعين بجدوى مشروع المقاومة المسلحة، خاصة وقد ظهر العجز التام للمشروع المقابل ـ مشروع المفاوضات ـ على إعادة الحق الفلسطيني، الذي فَرَّطَ حتى في كرامة الإنسانِ الفلسطينيِّ المقتنعِ تماما أن الإنسان “لا يعيش بالخبز وحده”.

الفلسطيني الآن مؤمن بأنه عندما يَصبر “صبرا واعيا” يكون أمام لحظة القَبول التام بقَدَرِه، ويعيش صفاءَ التَّسليم لتدبير خالقه، وهو متأكد من نيله الأجر والثواب المُفضي إلى السعادة الأبدية، لأن خالقه ـ وبكل بساطة ـ قد وعده بذلك عندما قال: “وبشِّر الصابرين”. وعندما يُقتل منهم إنسانٌ على يد عدوه الصهيوني يعتبرون ذلك اصطفاء له واختيارا وإعلانا عن خَيْرِيَتِه وخيرية المشروع الذي دافع عنه ومات في سبيله؛ لقد حاز درجة “الشهادة”.

لقد أصبح للإنسان الفلسطينيِّ المقاومِ القدرةُ والشجاعةُ على اختيار الموت بديلا عن حياة مهيضة في ظل احتلال جائر، وهو بذلك يكون قد “اختار موتا مليئا بالحياة”، وحتى وإن بقينا على المستوى الأرضي فإن لهذه “الحياة” رسالة ومهمة؛ هي أولا شهادة في محكمة التاريخ أن قاتلهم ظالم حاقد، ثم إنها ـ وهذا هو المهم ـ “تعطي المجتمع دما وولادة وحركة جديدة”، وبهذا المعنى تكون أكبر معجزات الشهادة هي “إيصال الحياة والدماء إلى الأجزاء الميتة من المجتمع، من أجل جيل جديد وإيمان جديد”، كما يقول علي شريعتي.

وهنا تظهر الغرابة في أجلى صورها؛ ذلك أن طرفي الصراع متناقضان في رؤيتهما للحياة ومآلاتها؛ فالصهيوني متشبث ـ مرحليا ـ بعيش حياة كيفما كانت، في أفق بناء “الفردوس الأرضي”: هنا والآن، والفلسطيني في تشوف دائم وتشوق لنيل الشهادة، فالمقاومة وتنظيماتها، في نظره، ما هي إلا وسائل لبلوغ الهدف: “ننتصر أو نستشهد”. فلماذا سينتفض في وجه من يعتبرها وسيلة لبلوغ سعادته الأبدية، خاصة إذا أثبتت فصائل هذه المقاومة مصداقيتها وأنها تريد له العيش الآمن… ولكن بكرامة!؟