شكل التصريح الأخير لوزير التربية والتعليم خلال الندوة التي عقدها يوم الخميس الماضي والقاضي بعدم منح رجال التعليم تراخيص لمتابعة دراستهم الجامعية ومنعهم بذلك من الاستمرار في تحصيلهم العلمي صدمة واسعة في أوساط هذه الفئة من المجتمع، في حين لقي القرار ارتياحا من أطراف مجتمعية أخرى رأت فيه غلقا لباب من العبث بمستقبل التلاميذ الضحية الأبرز لغياب مدرسيهم عن الفصول الدراسية نتيجة التحاقهم بالجامعات.

إجراء المنع الرسمي هذا كان متوقعا إذ إن إرهاصاته بدت واضحة للجميع، حيث سبقه طيلة السنوات الماضية تشدد في قبول الموظفين خصوصا من رجال التعليم في الجامعات المغربية. فمن الواضح أن إقبال الأساتذة المتزايد على التسجيل في الجامعات لم يكن يحظى بالرضا والقبول عند كثير من المتنفذين في الوزارة، الشيء الذي جعلهم يمررون قرار المنع على مراحل إلى أن وصلوا إلى الحسم فيه بشكل نهائي مستغلين الظرفية الوطنية الملائمة جدا لاتخاذ مثل هكذا إجراء.

قد يبدو الحديث عن منع المدرسين متابعة الدراسة وجيها للوهلة الأولى، فلا ينكر أحد حجم الضرر الذي يتسبب به غياب الأساتذة عن فصولهم الدراسية والذي يؤدي إلى استنزاف كبير للزمن المدرسي، مما يؤثر لا محالة في مستوى المتعلمين. لكن معالجة الأمر بهذه الصورة السطحية والضيقة الأفق لن يؤدي إلا إلى مزيد من التردي، فرجل التعليم الذي يحكم عليه بالاستقرار المعرفي يصاب عاجلا أم آجلا بالتآكل النفسي والمعرفي إذ أن وضعيته بالتأكيد هي كوضعية السجين بل أشد ولا مبالغة هنا، فالسجين مهما عتا في إجرامه يحق له الدراسة من داخل السجن ونيل أرفع الشهادات، فيما بات اليوم رجل التعليم وهو أحد رموز المعرفة محروما منها في مفارقة غريبة عجيبة، حتى أضحى السبيل الوحيد أمامه هو ارتكاب جناية والالتحاق بحظيرة المجرمين كي يسترجع حقه المسلوب.

كلام بلمختار إذن يندرج في سياق الحق الذي يراد به الباطل، فلكي نضمن حق التلميذ في الدراسة وتأمين الزمن المدرسي الخاص به علينا أن نحرم المدرس من حقه، كأنه لا يوجد إلا أبيض وأسود وكأن ضمان حق طرف يستلزم بالضرورة الإجهاز على حق الآخر. وهنا نأتي لكثير من الحلول فليس شرطا أن يحضر الطالب للجامعة ولا معنى لهذا الإلزام من الأصل، فإذا كانت جامعات عالمية عريقة تتيح الدراسة بالمراسلة يصبح من العبث تشبث جامعاتنا بالمراقبة المستمرة خصوصا أن جل أطر التعليم العالي هم خريجو نظام الامتحانات، هل نسوا ذلك أم يحتاجون لمن يذكرهم به؟ فحين يصرون على المراقبة المستمرة كمعيار حاسم في تقييم مستوى الطالب وتسفيه نظام الامتحانات السابق هم عمليا يشككون في كفاءتهم. أما إذا تم الإصرار على حضور الطالب فمن الممكن إنشاء أقسام خاصة بالموظفين والدراسة في أوقات محددة كالعطل بما فيها العطلة الصيفية تلافيا للهدر المدرسي، حتى وإن كلف ذلك اعتماد رسوم يدفعها الموظف الطالب.

هذا طبعا إذا كان القوم معنيين بتطوير المنظومة التعليمية وخلق تنمية حقيقية في البلاد، فمع الفقر الحاد في الأطر والكفاءات في البلاد يصبح الحديث عن النهوض بالبحث التربوي أو البحث العلمي بشكل عام مجرد شعارات للاستهلاك المحلي تنقضه ممارسات المسؤولين البالية، فأن تتوفر لهم إمكانية الحصول على أطر تمول نفسها بنفسها دونما حاجة للتكوينات أو جلب كفاءات أجنبية ثم يضعون العراقيل أمامها، هم بذلك يكشفون عن حالة من الرُهاب المزمن تجاه الكفاءات الحقيقية وخوف من ضياع الامتيازات التي يتم اقتسامها بين الموظفين الخاملين في مكاتبهم الفارهة في العاصمة، فكثير من المهمات داخل وزارة التربية الوطنية يتصدرون لها دون وجه حق ويخافون اليوم الذي سيتم إعفاءهم منها لصالح حملة الشهادات وحرمانهم بالتالي من التعويضات الخيالية والسفريات الباذخة.

من هنا يتبين أن محاكمة نوايا رجال التعليم الطلبة والادعاء باقتصار أهدافهم على المطالبة بالترقية هو محض افتراء، أصلا نحتاج لمن يذكر الوزير أن زمن الترقية بالشهادة قد ولى والبركة في الآلة المخزنية القمعية والتعسفات الإدارية العتيدة التي قطعت مع أي فعل نضالي قريب لدى الشغيلة التعليمية. وحتى لو افترضنا أن الهدف من وراء الحصول على الشهادة هو مادي صرف، فليس من حق الوزير أو غيره أن يعيرهم بذلك، فمنذ متى كانت تنمية الجانب المادي سبة لأي موظف في العالم؟ ألا يستثمر الجميع في الشهادات الجامعية والدورات التكوينية من أجل الترقي المادي والمهني؟ لماذا وحدهم رجال التعليم في المغرب من ينبغي أن ينالوا قسطا وافرا من التوبيخ الرسمي والإعلامي كلما تجرأ منهم أحد وطالب بتحسين وضعه؟

قرار منع رجال التعليم من متابعة دراستهم ليس أول تعسف يطال الشغيلة التعليمية في المغرب ولن يكون الأخير، فما دام الجسد التعليمي مترهلا وما دامت السلبية تطغى على صفوفه وبدون أي فعل نضالي قوي منهم لن يختلف صراخهم مع كل عدوان عليهم عن صراخ النعاج قبل ذبحها.