يعتبر الإحصاء العام للسكان والسكنى من أهم الوسائل التي تلجأ إليها دولة المؤسسات بصفة دورية من أجل مراقبة تطور المجتمع، ورصد أهم التحولات الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية التي يمر بها، بل والعمل على التحكم فيها وتوجيهها من خلال التخطيط ورسم السياسات الكبرى التي من شأنها أن تقود البلاد والعباد نحو التقدم والرقي.

ومن ثمت فلا يمكن أن يشكك أحد في جدوى أهمية الإحصاء كبحث ميداني في تشخيص وضعية المجتمع وتحديد الحاجات الملحة للسكان، وكذلك رصد تطلعاتهم وآمالهم ومدى ثقتهم في المستقبل الذي ينتظرهم داخل هذا الوطن الحبيب. لكن السؤال الذي يطرحه المغاربة عند كل عملية إحصاء – ويحق لهم ذلك – هو: ما مصير هذه المعطيات والبيانات التي يتم تجميعها؟ هل سيتم استثمارها والاعتماد عليها في التخطيط لمستقبل هذا الوطن؟ أم أن الأمر لا يتعدى جمع وتكديس المعطيات والنسب والإحصاءات؟ أو في أحسن الأحوال توضع رهن إشارة المنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي ومؤسسات الدعم الأوربية، أو قل لولا هذه المؤسسات لما كان هناك إحصاء البتة، أي لولا إلحاح هذه المؤسسات على إجراء الإحصاء في موعده وتحملها للجزء الكبير من تكاليفه لما كلف المخزن نفسه عناء القيام بإحصاء المغاربة وعدهم، لسبب بسيط جدا هو كون المخزن لا تنقصه المعطيات والنسب والبيانات حتى يتعرف على حال المغاربة وأحوالهم، بل تنقصه الإرادة في تحسين أوضاعهم، تنقصه الإرادة السياسة في بناء دولة الحق والعدل والمساواة، تنقصه الجرأة السياسية حتى يواجه نفسه بحقيقة واقع الفقر والقهر والإقصاء والبطالة الذي يعاني منه “رعاياه” الأوفياء.

إن مقولات من قبيل الاستثناء المغربي، والسلم الاجتماعي والاستقرار السياسي أصبحت في مهب الريح عندما أصبح المغاربة يرفضون المشاركة في الإحصاء، ويقولون بأعلى صوت: المواطنة ليست فقط مشاركة في الإحصاء أو الانتخابات.. المواطنة حقوق وواجبات، المواطنة كرامة اجتماعية وحرية وعدل ومساواة.. حق في طرق معبدة ومرافق عمومية تحفظ ماء الوجه.. المواطنة تعليم جيد وسكن لائق.

إن الامتناع عن المشاركة في الإحصاء من قبل المواطنين أصبح أحد العناوين الكبرى التي تتزين بها الصفحات الأولى للجرائد اليومية، فالأمر أصبح يتعدى الأفراد والأسر ليشمل الدواوير أيضا. إن النفور من عملية الإحصاء لهي إحدى الرسائل القوية التي يبعثها الشعب إلى من يهمه الأمر لعله يقف على حقيقة مقولة “الاستثناء المغربي” و”مغرب الأوراش الكبرى”؟

لعل اللافت للانتباه في عملية الإحصاء لهذه السنة هو ما يسمى بالاستمارة التكميلية التي تتضمن مجموعة من الأسئلة التي أريد من ورائها الوقوف على آراء عينة من المغاربة حول التحولات التي تعرفها البلاد وكذلك نظرتهم للمستقبل، وقيل أن هذه الاستمارة تمت إضافتها في آخر لحظة وبأوامر عليا، ولا يسعنا إلا أن نقول للمغاربة : هنيئا وبشرى لكم، لقد أصبحت مراكز القرار العليا تهتم بآرائكم!

ومن الأسئلة الغريبة العجيبة التي تتضمنها هذه الاستمارة: واشْ انت راشْقة ليك ومْتفائْل بالمستقبل؟) فكيف يا ترى سيكون جواب المغاربة؟ كيف سيكون جواب أصحاب الشهادات المعطلين المعتصمين أمام البرلمان؟ كيف سيكون جواب الشباب الذين لا يجدون أمامهم غير المخدرات والانحراف والجريمة، وما ظاهرة “التشرميل” عنا ببعيد؟ كيف سيكون جواب رب الأسرة في ظل الغلاء المهول للمعيشة؟ كيف سيكون جواب الباحث عن المسكن في ظل المضاربات العقارية المتغولة؟ كيف سيكون جواب المناطق المهمشة في المدن والبوادي التي تفتقد لأبسط ظروف ومتطلبات العيش الكريم؟ كيف سيكون جواب رجل التعليم الذي يشتغل مع أكثر من 50 تلميذ في القسم الواحد بسبب الخصاص المهول في هيئة التدريس؟ كيف سيكون جواب المرضى في المستشفيات العمومية التي تعشش فيها الرشوة وتفتقد لأبسط مستلزمات العناية بالأحرى التداوي والاستشفاء؟

لنترك الإجابة لهؤلاء.. ونتوجه بالسؤال نفسه إلى المخزن “الشريف”: “واشْ انت راشْقة ليك ومْتفائْل بالمستقبل؟” الكلمة لكم أيها المخزن “المحترم” شريطة أن تكون هذه المرة صادقا وصريحا ولو مع نفسك، وإلا فطوفان الفقر والجهل والبطالة آت لا محالة، وواقع الاحتقان الاجتماعي والانغلاق السياسي مهدد بالانفجار في أية لحظة. فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يُستعتَبون الروم 57.