على إثر النداء الذي أطلقته شخصيات وطنية تدعو لإطلاق حوار وطني حول التنمية المعاقة بالمغرب، أجرى موقع الجماعة نت حوارا مقتضبا مع الإعلامي علي أنزولا، أحد الموقعين على النداء، تناول بعض جوانب هذه المبادرة وأهدافها ومعيقاتها، نورد نصه فيما يلي:

وقعتم على النداء الذي أطلقته شخصيات وطنية تدعو لإطلاق حوار وطني حول التنمية المعاقة بالمغرب، ما هي أهداف هذا النداء؟

أهداف هذا النداء واضحة حددها محررو البيان في خاتمته، ويمكن تلخيصها في هدف واحد هو الغاية والوسيلة والمنتهى، ألا وهو فتح نقاش حقيقي وعام يشارك فيه الجميع لتحديد مسؤولية من أوصل البلاد إلى هذه الوضعية المزرية اجتماعيا، مسؤولية من قرر ومن نفذ ومن أفسد. وربط المسؤولية بالمحاسبة والجزاء. فهذا هو جوهر الديمقراطية، وهذا هو سبب الأعطاب التي يعاني منها المجتمع المغربي، وأيضا هذا هو سبب عرقلة كل إصلاح وتطور وتنمية.

لكن يبقى في رأيي أن الهدف غير المعلن من هذا البيان هو إعادة طرح سؤال توزيع الثروة بجدية وعمق وليس فقط من أجل استهلاك إعلامي عابر. وأيضا اختبار مدى جدية النظام واستعداده لفتح نقاش حقيقي حول موضوع مهم وحساس مثل موضوع العدالة الاجتماعية. فقد تعود الرأي العام المغربي على أن يقوم النظام بطرح مبادرات استباقية لامتصاص الغضب أو لسبر الآراء، وأغلبها يكون عبارة عن بالونات اختبار أو مجرد فقاعات إعلامية للاستهلاك الداخلي أو الخارجي حسب ما تقتضيه الضرورة، وغالبا ما تتحول هذه المبادرات نفسها إلى مصادر للريع والفساد واستقطاب خدام جدد للنظام من خلال التعيينات في اللجان المتعددة التي تنشأ من أجلها، والميزانيات الضخمة التي تخصص لها. والأمثلة القريبة منا كثيرة من لجنة الدستور إلى لجان إصلاح التعليم والقضاء والإعلام والمجتمع المدني.. وكلها مبادرات تمخضت عنها توصياتها ظلت حبرا على ورق، لا أحد يعلم كم كلفت ميزانية الدولة من مخصصات ولا كيف صرفت ومن أمر بصرفها.

لقد طرق الملك في خطابه موضوعا جوهريا، وهذه هي الفرصة لاختبار مدى وجود إرادة سياسية حقيقية في معالجة هذا القضية والقضايا المرتبطة بها موضوعيا، والتي لا يجب أن يبقى التفكير فيها وتوقيت نقاشها والبحث عن حلولها حكرا على مؤسسة واحدة هي الخصم والحكم.

هل تتوقعون استجابة جدية لهذا النداء خاصة من لدن من يمسكون بزمام الحكم في البلاد؟

للتوضيح فقط فهذه المبادرة موجهة بالدرجة الأولى إلى الرأي العام، وإلى الفاعلين صناع هذا الرأي في جميع المجالات من أجل فتح نقاش تعددي وجوهري حول مجموعة من القضايا بهدف التوصل إلى اقتراحات وحلول متوافق عليها. وهي أصلا جاءت لطرح نقاش حقيقي حول موضوع حساس مثل موضوع توزيع الثروة، حتى لا يبقى هذا النقاش أفقيا، ويهرب داخل مؤسسات مخزنية مثلما حصل مع الدستور ومع العديد من المواضيع الحساسة التي يريد النظام أن يحتكر حتى التفكير فيها والنقاش حولها. وهو ما سعى النظام حاليا إلى تكراره من خلال إحالة النقاش حول الثروة إلى مؤسسة مخزنية مثل “المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي” التي ستضع لنفسها خطوطا حمراء لن يتجاوزها بحثها عن ثروة المغاربة وعن كبار ناهبيها.

وأنت، عندما تَطرح على الساحة العامة نقاشا عموميا تكون كمن يلقي برسالة داخل قنينة في محيط كبير، يمكن أن تقرأ للتو كما يمكن أن تتأخر في الوصول إلى البر، وفي أسوء الحالات قد تضيع وإلى الأبد. وهناك العديد من الأمثلة في هذا الباب، آخرها مبادرة بيان “التغيير الذي نريد”، ومبادرة “الملكية البرلمانية الآن”، وكلها مبادرات ذات أهداف نبيلة لكنها لم تترك أي أثر لها على الأرض لأسباب عديدة ليس المجال هنا للحديث عنها. ولا أعتقد أن هذه المبادرة تحمل بين سطورها ما يجعلني أطمئن إلى القول يأن مصيرها سيكون مختلفا عن سابقاتها، ومن سيمنح لهذه المبادرة وهجها وروحها هم أصحابها والموقعون عليها الذين تعهدوا بمتابعة النقاش حول ما تطرحه من مواضيع بشكل جماعي وتعددي وبنية حسنة حتى الوصول إلى اقتراحات عملية وواقعية.

هل يمكن أن يكون لهذا النداء أي قوة اقتراحية ومطلقوه وقعوا عليه بصفتهم الشخصية، من جهة، ومرجعياتهم الفكرية والسياسية تكاد تكون كل منها في طرف، من جهة ثانية؟

هذا النداء أصبح ملكا للجميع، وقد حاول محرروه أن يكون جامعا وليس مفرقا، لأن غايته نبيلة يجب أن ترتفع عن كل الحسابات السياسية وتنفتح على كل الآراء المخالفة، والنقاش المتوخى فتحه من وراء تعميمه ينبغي أن يبتعد عن الشخصنة، لأن وسيلته وهدفه هي الديمقراطية التي تجسدها سلطة المؤسسات وقوة القانون وعدالة الحق. أما عن قوته الاقتراحية فهو جاء بثماني مقترحات كل واحد منها يمثل قضية مهمة وجوهرية، يجب تعميق النقاش حولها حتى تتمخض عنها مبادرات على أرض الواقع قادرة على التأثير والتغيير.