يشهد المغرب منذ سنوات موجة من الجفاف وشح الأمطار، رغم ما يطالعنا به مسؤولو قطاع المياه من تطمينات على كون المغرب في حالة لا تدعو إلى القلق، وكون حقينة سدودنا بخير وقد بلغت أحسن النسب في الملء، لكن حقيقة الأمر تكتسي خطورة بالغة، وتنذر بالأسوإ، لا قدر الله. لست متشائما، ولكن ما دفعني لكتابة هذه المقالة كوني من أصول قروية، وقد عاينت بنفسي خلال زيارات متتالية معاناة فئة عريضة من القرويين من شح المياه وقلة الأمطار ونفاد عدد هائل من مياه الآبار، ونفوق الحيوانات، مما دفع الكثيرين من القرى المغربية إلى الهجرة نحو المدن باحثين عن مياه نظيفة صالحة للشرب لإنقاذ أرواحهم وأرواح أفراد أسرهم من الموت عطشا، بالإضافة إلى أن عددا هائلا من الفلاحين الصغار قد باعوا أراضيهم الفلاحية الصغيرة التي كانوا يُعيَّشون منها، والسبب هو خطر “العطش”، وجفاف الأراضي، وموت الأشجار المثمرة، كشجرة الزيتون مثلا. قد يقول قائل: هذا لا يمكن أن يحدث في المغرب، وهذه دعوى مغرقة في التشاؤم ـ طبعا لا يحدث هذا في الرباط ونواحيها ـ من هنا أطرح بعض التساؤلات النابعة من تهمُّمي بالوضع، آملا أن تكون هذه المقالة صرخة في آذان المسؤولين، وعلى رأسهم رئيس الحكومة السيد عبد الإله بنكيران، لوضع خطط بديلة، والتفكير في مستقبل الفرشة المائية في المغرب، خاصة في الأقاليم الجنوبية والشرقية، لأنها بدأت تعيش “العد العكسي” حسب دراسات وإحصائيات المختصين في هذا المجال، وقد أصبح السكان في بعض قرى هذه المناطق يعيشون حالة من اليأس والقلق بخصوص هذا الوضع الخطير الذي يتهددهم، خصوصا وأن المغرب دخل في ما يسمى بـ”المخطط الأخضر”. فهل أدخل مهندسوه هذه الفئة العريضة من المواطنين المغاربة التي جعلت من الحصول على ماء الشرب أولى أولوياتها في حساباتهم؟ وهل فكرت الدولة في حلول آنية تحدُّ من هذه الظاهرة التي تُهدِّد حياة فئة عريضة من المغرب المنسي؟

من جهة أخرى، ومن باب الموضوعية، فإن المغرب يتوفر على عدد لا بأس به من السدود، لكنها من جهة أخرى تحتاج إلى الصيانة والتنظيف من الطمي المتراكم فيها والذي يؤثر على نسب الملء من المياه، ويضلل راصدي حقينة السدود من حيث رصد نسبة الملء الحقيقية، بحيث إن الطمي يشكل الثلث من سعتها، وهنا تكمن الصعوبة؛ إذ يكلف تنظيف سدّ واحد من الطمي تكلفة بناء سد جديد، وهذه من الخيارات التي وجب التسريع في التفكير فيها بجدية قبل فوات الأوان. من جهة أخرى فإن الجهات المسؤولة تدعي بأن مخزون السدود المغربية يفوق 60 مليار متر مكعب من الماء، لكن حقيقة الأمر غير ذلك بالنظر لنسب الطمي المتراكم فيها والذي يحتاج إلى الكشط والتنظيف وهذا سيكلف خزينة الدولة أموالا مهمة.

أعود فأقول، إن المغرب سيواجه خطرا قادما لا محالة، خاصة إذا لم تنتظم التساقطات في السنوات القادمة. فإذا لم تتدخل الجهات الوصية بالتفكير في استراتيجية واضحة ستكون فئات عريضة من المغاربة أمام فترات عصيبة لا قدر الله، وسيكون الاقتصاد المغربي مهددا، علما أن الفلاحة تشكل خيارا استراتيجيا للمغرب؛ إذ أننا نصدّر الماء إلى أوروبا بتصديرنا للبواكر والحوامض والطماطم والفواكه التي تحتاج كميات هائلة من المياه، الأمر الذي أدى إلى الاستغلال الفاحش للمخزون المائي، كما صرح بذلك وزير الفلاحة السابق في فترة التسعينات حسن أبو أيوب، هذا الموقف الذي كلفه منصبه لأنه تنبأ بعواقب ذلك، ونتائجه الوخيمة على الأمن الغذائي للمغاربة. وكما أذكر فإن عالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة رحمه الله كان قد نبه في إحدى ندواته سنة 1994 إلى هذا الخطر القادم الداهم، بل إن الملك الراحل الحسن الثاني كان قد أشار إلى هذا الموضوع وسماه بـ”حرب الماء” التي سيخوضها المغرب. وأمام هذا الوضع المقلق، تدخلت عدة جهات جمعوية ونقابية، ومنها النقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين، من خلال مذكرة مرفوعة إلى الحكومة، مقترحة عددا من الإجراءات البديلة قصد استدامة الماء عبر تقوية الفرشة المائية وترشيد الاستهلاك.

وفي هذا السياق أود أن أشير إلى خطورة بعض المزروعات على مستقبل الفرشة المائية بالمغرب، كـ”البطيخ الأحمر”؛ فالاستمرار في زراعة هذه الفاكهة قد تكلفنا الإجهاز على ما تبقى من مخزون مياهنا؛ فحبة واحدة من هذه الفاكهة تستهلك ـ حسب الخبراء ـ كمية هائلة من الماء؛ فكيلو واحد منها يحتاج لـ120 لتر من الماء، ولكم أن تجمعوا وتقسموا لتعرفوا كم تستهلك هذه الفاكهة من الماء وكم عدد الضيعات التي تنتج هذا النوع من الفواكه التي يقبل المغاربة على استهلاكها بكثرة، والتي كلفت مزارعيها بمنطقة الحوز مثلا نفاذ مياه عدد ليس بالسهل من آبار المنطقة، وكما أشرت سابقا يمكن للحكومة ممثلة في الوزارة الوصية أن تقنن زراعة هذه الفواكه والخضراوات. وحسب معلوماتي فإن منطقة زاكورة مثلا كثُرت فيها زراعة “البطيخ الأحمر”، ونحن نعرف أن المنطقة أصلا تعاني من شح المياه، فكيف يعقل أن لا تتدخل الجهات الوصية لتقنين الفلاحة في هذه المنطقة.

وانطلاقا من خطورة الموضوع، لا يسعني ـ كمغربي ـ إلا أن أقدم بعض المقترحات الرامية إلى مواجهة هذا الخطر الداهم. ومن ذلك: تقليص استغلال الفرشة المائية، وترشيد استعمالها، ومنع المشاريع التي لا تدر على خزينة الدولة أموالا تذكر كملاعب الكولف والمسابح الخاصة وغيرها، أضف إلى ذلك معاقبة كل مستهتر بهذه الثروة الثمينة، كما يُطلب من الإعلام الوطني أن يكثف توعيته للمواطنين للحفاظ على هذه الثروة الهامة، كما أنه نه أعلى الدولة أن تحرص على توجيه البحث العلمي وإعداد دراسات وأبحاث حول الفرشات المائية وطرق الحفاظ عليها، بالإضافة إلى وجوب فرض ضرائب مرتفعة على مستغلي المساحات الفلاحية الكبرى كالضيعات الكبرى وغيرها، والحرص على توجيه إنتاجها، كما يجب على الدولة مراقبة المستثمرين في هذا الإطار بشكل نحافظ معه على ثروتنا المائية. طبعا توجد الكثير من المقترحات المرتبطة بهذا الموضوع، لا يسعنا المجال لعرضها كاملة، بل دافِعُنا هو عرض بعضها للتحسيس والتحذير من مغبة عدم الانتباه لخطورة الوضع.

نتمنى من السيدة الوزيرة المنتدبة لدى وزير الطاقة والمعادن والماء والبيئة، السيدة “شرفات أفيلال” أن تفند ما قلناه وما سردناه من معطيات، وأن تعمل على الاستجابة إلى النداءات المتكررة لترشيد استغلال ثروتنا المائية، سيما وأنها صرحت بأن حقينة السدود بلغت 57.3 في المائة، وأن الموارد المائية للمغرب توجد في وضعية جيدة ومتحكم فيها وهي كافية لسد جميع الاحتياجات المتعلقة بالماء الصالح للشرب أو الموجه للري)، وأن تزيد من توضيحاتها بشأن بعض المناطق المتضررة في العالم القروي والتي وصفتها بـاضطرابات محدودة جدا). وهل تخدعنا وزارتنا المحترمة بتضليل الرأي العام بهذا الشأن؟ من هنا نتساءل: ما هي التدابير الاستعجالية التي باشرتها الوزارة المختصة لمواجهة الخصاص الذي عرفته بعض الأحواض المائية ببلادنا؟ وهل هناك استثمارات جدية وحقيقية للقيام بحل هذا المشكل في المستقبل؟ وهل الحكومة ممثلة في وزارة المياه تقف بحزم على الاستعمال العقلاني لمواردنا المائية وتؤمن أمننا المائي؟ وهل ستعمل الحكومة ومؤسساتها المختصة على ترجمة هذه التصريحات والتقارير إلى ورشات تحافظ للمغاربة على أمنهم الغذائي وتطمئنهم على مستقبل أبنائهم؟ أم إننا سنشهد هجرات عظيمة في اتجاه المدن جراء هذا الخطر الداهم المحدق ببلادنا؟