أ. في نقد تجربة التوافق والانتقال الديمقراطي والمصالحة في المغرب

تتشكل بنية النظام السياسي في المغرب من ثلاث ركائز أعطته عمقا وتماسكا لم يسمح لأية معارضة باختراقه ولا تهديد مستقبله إلا في حالات جزئية كانت فقط كاشفة عن هذا التماسك. لكن، وبما أنه نظام استبدادي فلا مستقبل له وإن اتسم بالقوة في التماسك في فترات كثيرة، ذلك أن تنامي مستويات الوعي بحتمية الحرية وضرورة تحقيقها ستحاصر وتفكك هذا التماسك من خلال الكشف هن هشاشة تلك الركائز وتقويضها. ومن هنا يكون سؤال المرحلة الانتقالية جوهريا في خطاب وسلوك المعارضة وحركة المجتمع.

فهل بإمكان نظام استبدادي مع شخص ملك يظهر بصفات ذات معنى إنساني أن يتحول إلى نظام ديموقراطي أو يفتح باب الحرية الحقيقية، أم أن الإصرار الاستبدادي سيجني معه الجميع كوارث فساده ثم بعد ذلك انهياره الحتمي؟

أما الركائز الثلاث، فهي:

الأول: عمق تاريخي استغرق أكثر من أربعة عشر قرنا.

الثاني: عمق ديني ممتد لنفس الفترة؛ أي أكثر من أربعة عشر قرنا.

الثالث: عمق حداثي، إذ استطاع النظام السياسي في المغرب، خلاف باقي الأنظمة العربية، الاندماج في التجربة الغربية دون التفريط في الركيزتين السابقتين، خاصة مع شخصية الحسن الثاني، حيث حافظ على درجة كبيرة من وضوحهما والتمسك بهما عبر أدوات متعددة وجدت مكانها في أنظمة التفكير والفهم والسلوك لدى المغاربة. وهو ما عقد عملية التغيير وأفشل استراتيجيات جل المعارضات في الإصلاح، إذ أن جلها، إن لم نقل كلها، بدأ معارضا ثم تحول إلى جزء من هذه البنية حتى ولو من موقع المعارضة الشكلية.

فالتكامل الوظيفي لهذه الركائز ضمن سيرورة النظام السياسي في المغرب، وضمن جغرافيا حافظ فيها على الاستقلال عن الإمبراطوريات المتعاقبة على حكم بلاد المسلمين من الدولة الأموية إلى العثمانية، جعل من هذا النظام كلية متحركة على أرض الواقع تتوفر على خبرة هائلة في فرز جزئياتها وبناء ما تحتاج إليه منها في كل لحظة، كما وفر مرونة كافية للتكيف مع المستجدات واستيعاب الأحداث.

لكن ما ينبغي تقريره أن هذه الركائز، وعلى الرغم من هذا العمق الذي وفرته لحركة النظام السياسي، فهي مبنية على هشاشة، لأنها تستند على عملية تزوير كبيرة للتاريخ وفهم منحرف للدين ولمعنى الديموقراطية، حيث لا أصل للاستبداد في الحقيقة لأنه نتيجة استغلال أوضاع اجتماعية وسياسية وفرت إمكانية الاستيلاء على مواقع ومصادر السلطة والثروة.

ولذلك، فهذا التزوير، الذي يجعل من قيمة الاستبداد قيمة مطلقة لا يمكن مقاومتها وتغييرها إلا من حيث الدوران في فلكها اعتقادا بإصلاح بنيتها المتوفرة على إمكانيات الترويض والاحتواء والتهميش والإقصاء، لايسمح (اي التزوير) ببناء عمليات سياسية حقيقية بما هو كلية ترعى العمليات الجزئية في كل القطاعات والمجالات.

فهو تزوير جعل النظام السياسي محتكرا للتاريخ كما يتصوره، ومحتكرا للدين كما يفهمه ويفهم علاقته بالتاريخ، ومحتكرا لفهم الديمقراطية لتكون فيها التعددية شكلية ومزورة ومراقبة ومحافظة على قواعد التوازن السياسي والمجتمعي الذي يجعل النظام السياسي فوق الجميع حتى درجة التقديس وعدم المساءلة والمحاسبة، بل هو المرجع والحكم.

إن هذه الخبرة التاريخية المتعددة الأوجه وفرت لهذا النظام وعيا استراتيجيا استباقيا جنبه في كثير من المناسبات مخاطر حقيقية ومكنه من تمريض مراحل انتقاله على مزاجه وبقيادته؛ لكن الحقيقة أن ماء سقي الأنظمة الاستبدادية بدأ ينفذ تماما حيث ستجف الأرض منه كليا وساعتها الانهيار.

طالع أيضا  الطريق الأخير إلى الاستثناء المغربي (3) أو سؤال المرحلة الانتقالية في مغرب اليوم بين استراتيجية العدل والإحسان وتكتيكات النظام

وبهذا ندرك المضمون السياسي الذي أعطاه النظام السياسي في المغرب للمصالحة برعايته لها وبناء مراحلها وأدواتها منذ بدايات التسعينيات من القرن الميلادي الماضي إلى يومنا هذا، كما نفهم المضمون الديني والتاريخي والسياسي الذي ملأ به لحظة انتقال الحكم من الملك الحسن الثاني إلى الملك محمد السادس وكيف سهرت عليه أجهزة المخزن وإعلامه لتحويله إلى واقع سياسي ومجتمعي عليه ينبغي أن تبنى الأحداث.

تعتبر المقولة المشهورة المعبرة عن ما يهدد المغرب من سكتة قلبية على لسان الراحل الحسن الثاني بدايات تسعينيات القرن العشرين تعبيرا عن وعيه الدقيق بما يعتمل في أعماق المجتمع المغربي، وهو ما يؤكد أن الخبرة التاريخية العميقة لهذا النظام وفرت له وعيا استراتيجيا كليا، ولذلك كان واعيا بطبيعة الإجراءات السياسية المحسوبة جيدا حيث تضمن عدم انهيار النظام واحتواء القوى السياسية المعارضة عبر جني ثمار سياسات إضعافها واحتوائها حفاظا على موقع تحكم القصر في كل تفاصيل العملية السياسية والمجتمعية وضمان استمرارها.

فمع دخول أحزاب المعارضة، خاصة اليسارية الأساسية، في عملية توافق أخرجت هذه الأخيرة من موقع الصراع مع النظام القائم إلى موقع الإصلاح الديموقراطي وفق استراتيجية قادها القصر منذ السبعينات بناء على مقتضى مفهوم الاجماع الوطني والسلم الاجتماعي الذي توج منذ بداية التسعينات بمفهوم التوافق والانتقال الديموقراطي والمصالحة التي حصلت عهد الملك محمد السادس على أساس سياسي رسمه الملك الراحل خلال السنوات الأخيرة من حياته وكان وزير الداخلية البصري منزله وفق نمط تفكير لم يعد لائقا مع الملك الجديد مما جعله يقوم بإبعاده حتى يتمكن من تدبير المرحلة وفق نمط آخر جدد في الشكل دون أن يلامس الجوهر البصري في التعاطي مع الواقع.

ويمكن تسجيل الملاحظات التالية بعد إنجاز ما سمي بالمصالحة بعد عملية ما سمي بطي صفحة الماضي، ذلك أننا نريد بهذا التقديم لفهم استراتيجية اقتراح “مذكرة إلى من يهمه الأمر” التي لم يلتقط من يهمهم الأمر معناها ولا حتى كثير من السياسيين الذي سجنت ردود الفعل اتجاهها مضايق أزمة التفكير السياسي في مغرب لم يدبر طيلة تاريخه، عموما، إلا بعقلية السلطان والاستبداد التي أنتجت اليوم بنية استبدادية مطلقة مهيمنة وحاكمة:

1. إن هذه “المصالحة” حصلت في سياق وعي النظام الاستباقي بما هو قابل من السنوات بعد انهيار المعسكر الشرقي بالنظر إلى موقع المغرب الجيوسياسي، وأن اكتساح العولمة لن يرحم البنيات الهشة لنظم سياسية قائمة على الاستبداد والقمع، لذلك كان لابد من القيام بعلمية سياسية تحقق الإجماع ليس حول حل الأزمة التي يعيشها المغرب بل على النظام السياسي باعتباره أمان المغاربة ولا مستقبل من دونه، وأن الحلول يجب أن تحصل في إطار تفعليه والحفاظ على موقعه في احتكار مصادر السلطة والثروة ووسائلهما الأساسية.

2. لذلك كان هو قائد عملية المصالحة والواضع لتفاصيلها وحتى المعنيين بها، والناظم لوسائلها وأهدافها، مما جعلها عملية جزئية لم تعالج الوضع في كليته، بقدر ما أجابت عن حاجة القصر للخروج من أزمة سياسية عاصفة ومنذرة بانفجار كبير في الواقع المغربي.

3. راهنت عملية المصالحة على الجانب المادي في التعويض عن الضرر وجبره مع عمليات فرعية ذات مضمون سياسي كمدونة الأسرة ومحاور التنمية البشرية، وتجديد الحقل الديني…

طالع أيضا  الطريق الأخير إلى الاستثناء المغربي أو سؤال المرحلة الانتقالية في مغرب اليوم بين استراتيجية العدل والإحسان وتكتيكات النظام(1)

4. إن حصر المصالحة في معنى سياسي غير شامل لكل الأطراف السياسية التي عانت من القمع والحصار، مع عدم وضع استراتيجية شاملة لتحقيق مصالحة مجتمعية يشعر من خلالها كل المغاربة برد الاعتبار والمظالم، جعل الحراك السياسي والمجتمعي يعرف انشطارا حادا بين قوى مندفعة كليا في اتجاه تبني تجديد مفهوم السلطة كما عرضه الخطاب الشهير؛ خطاب الدار البيضاء للملك محمد السادس بعد تسمله مقاليد الاستبداد، وبين قوى جعلت منها هذه المصالحة كأنها غير معنية بما يجري في المغرب، مما أعاد عملية اصطفاف الحراك السياسي والمجتمعي الذي سيبرز بشكل أكثر وضوحا مع ما سمي بالربيع العربي عبر حركة 20 فبراير، علما أن ما قام به القصر مع هذا الحراك لم يكن إلا جزء من مرحلة كان ينتظر الظروف المناسبة لإنجازها، لذلك كان أكثر استعدادا لإنجاز عملية التفاف هائلة عبر دستور 2011 وحكومة 2012. (لا أسميها حكومة العدالة والتنمية لأنه مجرد حزب ولون من ألوانها دعت ضرورة الالتفاف لوجوده في هذا الموقع).

5. لقد استطاع القصر أن يجدد في كثير من مستويات النخب في كل المجالات والقطاعات حرصا منه على عملية استقطاب هامة تضمن تجديد نخبه، لكن الوضع الاجتماعي المتأزم وتجذر الفساد في بنية النظام السياسي وإدارته حتى صارا ماهية واحدة مع طبيعة الأزمة في قطاعي التعليم والصحة ومؤسسات الخدمات الاجتماعية لم يجعل لهذه العملية التجديدية أي معنى، يضاف كل هذا إلى بنية الأحزاب السياسية المترهلة بفعل عوامل عدة منها تدخل القصر في سير الأحزاب وفي بنائها.

نخلص من هذه الملاحظات، وغيرها، إلى أن عملية المصالحة والانتقال الديموقراطي لم تفض إلى بناء واقع سياسي حقيقي يضمن مشاركة الجميع ضمن بناء مجتمعي متكامل، وهو ما تؤكده الأرقام حول حجم الفساد ومؤشرات فشل المبادرات التي قادها القصر سواء في التعليم والتنمية ومشاريع الأوراش الكبرى.

ب. استراتيجية العدل والإحسان في تمريض المرحلة الانتقالية

إننا وبعد هزات ما سمي بالربيع العربي نجد أنفسنا أمام وضع لم يتغير فيه شيء إلا بعض الأشكال في المغرب، وهو ما يزيد من حجم المسؤولية على الجميع لتفادي أي انهيار سياسي أو مجتمعي.

هنا أجد أن المغاربة جميعا والنخبة السياسية والقصر يمكنهم أن يجدوا مخرجا إذا ما تم استيعاب جيد لنداء الراحل الإمام عبد السلام ياسين من خلال كل ما كتب، وخاصة “مذكرة إلى من يهمه الأمر”.

قبل أن أعيد عرض مضمون هذه الوثيقة التاريخية من خلال اجتهاد في فهم استراتيجية العدل والإحسان في التغيير والإصلاح، لابد من التقديم لها بمزاولة درجة لازمة من الوضوح.

1. الإمام عبد السلام ياسين ليس مِلكا لجماعة العدل والإحسان فقط، هو مِلك للمغاربة، وسيأتي يوم يدرك الجميع أنه ملك للأمة والإنسانية، على الأقل بحجم التفاصيل التي عالج من خلالها قضايا الإنسانية المعقدة. ولذلك؛ فأن يستمع له الجميع ليس عيبا بل فضيلة.

2. فإذا زاول الرجل وضوحا وصرامة وصراحة في تقديم مقترحاته، فمن موقع شعوره الحاد بالمسؤولية بما وفره له نظره الثاقب للمستقبل، إذ كل الأحداث مؤكدة لهذا، ومن ثمة فالرجوع لما سطره في لحظة معينة من تاريخ المغاربة ليس تعصبا وليس رجوعا أعمى بقدر ما يدلل على واجب لمّا ينظر المرء إلى ما يجري في العالم من مأساة وآلام وذهاب الأمن وغياب الاستقرار والأمان ويجد نفسه أمام نداء خالد للإنقاذ.

طالع أيضا  الطريق الأخير إلى الاستثناء المغربي أو سؤال المرحلة الانتقالية في مغرب اليوم بين استراتيجية العدل والإحسان وتكتيكات النظام(1)

3. إن المغاربة أصبحوا أمام خيارين لا ثالث لهما مهما كانت درجة الهروب إلى الأمام من طرف البعض، ومهما كانت درجة التعتيم والتعمية التي يعتقد البعض أنها كافية لمنع الكارثة، ومهما تغاضى البعض وتجاهل الزلزال الذي يضرب تحت الأرض ولا يعلم أحد متى يضرب فوقها.

الخيار الأول: إصرار القصر على أن يكون اللاعب الوحيد والمحوري والمهيمن في العملية السياسية والمجتمعية مهما كانت التخريجات الدستورية والقانونية لهذه الهيمنة؛ فلم يعد خافيا على أحد درجة المزاوجة في احتكار السلطة والثروة ومصادرهما؛ علما أن هذا الإصرار سيفضي حتما إلى زلزال لا يعلم أحد حجمه ولا قوته ولا توقيته ولا مداه، ذلك أنه لم يعد مقبولا في المرحلة التاريخية الإنسانية الحالية الحكم المطلق على أي صورة؛ جمهورية ديكتاتورية أو مليكة حاكمة ولو بنفس ديموقراطي مزاجي، بحكم المأساة التي ترتبت وتترتب على هذا النمط من الحكم في زمن تواصلي عارم، دون أن نغفل أن المجتمعات قد تنهار لكن الشعوب في آخر الأمر تقوم بخلاف الأنظمة إذا انهارت فلن تقوم لها قائمة.

الخيار الثاني: أن يدرك من يهمه الأمر من الجميع أن المغرب في حاجة إلى تمريض مرحلة انتقالية بشكل واضح وحقيقي لتفادي لحظة الطوفان، وهنا مرة أخرى، المسؤولية يتحملها القصر، لأنه إذا تجاوز منطق الإصرار على الخيار الأول فسيكون أمام خيار حتمية بناء آليات تمريض المرحلة الانتقالية بما يفضي إلى بناء واقع الحرية التي يختار فيها الشعب من يحكمه ليتابعه ويحاسبه.

وهنا تكون كذلك المسؤولية كبيرة على عاتق القوى الحية في بناء القوة المجتمعية الهائلة التي تحمي المجتمع من الانهيار وتتجه مباشرة إلى الزحف على السلطة لحماية الشعب من فوضى لا تبقي ولا تذر.

معنى هذا أننا أمام مرحلة يتراجع فيها القصر إلى الوراء كليا وبشكل متدرج ويتخلى عن الحكم طواعية ويفكك وفق استراتيجية جامعة علاقته بالثروة والسلطة المطلقة.

لا أريد أن أعطي لهذه الوضعية (وضعية القصر الجديدة التي سيمارسها بوعي منه أو تحت الضغط الذي لا يستطيع أحد تحديد حجمه في المستقبل، صفة من الصفات السائدة (ملكية برلمانية، دستورية، وغيرها…..) فهذا رهين بطبيعة الحوار الجامع الذي تقوده القوى السياسية والمجتمعية في جو من الوضوح والحرية والمسؤولية دون أي مستوى من الإقصاء أو العنف أو الوصاية على الأجيال القادمة مع ضرورة إزالة صفة أمير المؤمنين لارتباط هذه الصفة بممارسة السلطة السياسية والفقهية.

4. لذلك كان الإمام عبد السلام ياسين حريصا كل الحرص على الدخول على هذه المرحلة عبر ميثاق جامع يتوج حوارا جامعا يفضي إلى تأسيس مؤسسة منتخبة بكل حرية ونزاهة لوضع دستور يؤسس لمرحلة الاستقرار السياسي والمجتمعي للبدء في المرحلة الهامة من إقامة العدل الاجتماعي من حيث هو الثمرة التي تضمن واقع الاستقرار والأمن والأمان ليتفرغ الجميع لبناء المستقبل العريض والكبير.

وهو ما يعني أننا أمام فترتين في بناء المرحلة الانتقالية؛ فترة المعارضة ثم فترة بناء اساسات الاستقرار السياسي والاجتماعي للدخول على مرحلة البناء الشامل والمتكامل لحركة المجتمع الشاملة لكل القطاعات والمجالات.

فهل ضاعت فرصة “مذكرة إلى من يهمه الأمر”، أم ما زال هناك أمل في استيعابها واستلهامها؟